خاص - استرداد الأموال المنهوبة.. "حق لبناني" يُراد به "باطل أمريكي"

كريم أبو ماضي

2020.02.17 - 08:36
Facebook Share
طباعة

 

 

تقدر بعض التقارير أن الأموال العامة التي تم نهبها "رسمياً" عبر الحكومات المتعاقبة منذ بدء الحرب الأهلية اللبنانية في 1975 حتى اليوم قد تجاوز 70 مليار دولار، نهبت عبر جهات مختلفة وبأشكال متعددة، الأمر الذي ساهم بوضع لبنان في مكان متقدم بين الدول المصنفة بالغارقة في الفساد.

ويقدر الخبراء أن الحجم الأكبر من هذه الأموال لم تعد داخل لبنان، بل تم تهريبها إلى بلدان أخرى، خاصة سويسرا التي ما زالت تتمتع بدرجة عالية من السرية المصرفية التي تتيح لمن يريد إخفاء أمواله ومصادرها.

لكن الأهم من هذا التصنيف أن هذه الأمول قد نُهبت من مشاريع كان يجب أن تخدم الشعب اللبناني، وتعزز اقتصاده، فهي لم تنهب من "القطاع الخاص" بل من الأموال التي اقترضها لبنان بأهداف محددة تتعلق بتطوير بنيته التحتية أو إقامة مشاريع تؤتي ثمارها لمصلحة تحسين مستوى عيش المواطن اللبناني.

لا تستطيع هذه الأموال بالطبع أن تنقذ لبنان مما هو فيه، فهذا الواقع شبه المنهار للاقتصاد اللبناني نتيجة لنهب المال العام بالطبع، لكنه أيضاً نتيجة لغياب المشاريع الإنتاجية المستدامة، ولحقيقة أن الدولة كلها منقسمة بين الطوائف السياسية التي يسعى ممثلو كل منها إلى اقتطاع ما يستطيع اقتطاعه باسم طائفته وإن لم يكن لمصلحتها.

مع ذلك، فإن هذا المبلغ؛ 70 مليار دولار، سيشكل فرصة استثنائية للبنان في الوضع الاقتصادي الراهن، فيما إذا تمكن فعلاً من استرجاعها. لكن هناك الكثير من العوائق على ما يبدو في طريق استرجاعها. فما دام القسم الأكبر منها خارج لبنان، فإن عملية إعادته تحتاج إلى الكثير من العمل والتعاون الدوليين. كذلك فإن الوصول إلى ما هو موجود منه في لبنان، ووضع يد الدولة عليه، يحتاج إلى البيئة القانونية المناسبة التي تسمح بهذا الأمر.

وفي موضوع البيئة القانونية، يختلف الخبراء القانونيون في لبنان حول من يرى في القوانين الموجودة (رفع السرية المصرفية، مكافحة الفساد..) بيئة قانونية كافية ومناسبة إن وجدت الإرداة السياسية، وبين من يرى أن البلد بحاجة إلى قانون خاص باستعادة الأموال المنهوبة نظراً لتعقيدات هذه القضية وظروفها.

هذا الواقع جعل من استرداد الأموال اللبنانية المنهوبة حديث كل بيت ومجلس، قبل أن يظهر بصفته شعاراً في ساحات التظاهر. لكنه أيضاً، على ما يبدو، في سياق التحول إلى سلاح قديم - جديد بيد الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها، للحد من نفوذ حزب الله ودوره في الداخل اللبناني، سواء على المستوى الشعبي أو الرسمي-الحكومي.

أحد المسؤولين الرفيعين في وزارة الخارجية الأمريكية قال لقناة "العربية" السعودية أن الولايات المتحدة الأمريكية "تترقب" ما ستفعله حكومة دياب، مشيراً إلى أن الحكومة تعرف ما يجب أن تفعله من إصلاح اقتصادي حقيقي، "وإن قاموا به فهذا سيفتح لهم أبواب المستثمرين الأمريكيين والأوروبيين والدوليين".

للوهلة الأولى يبدو كلام المسؤول الأمريكي "متوازناً". فلا أحد سيدعم حكومة فاسدة، أو حكومة لا تقدم برنامج إصلاح حقيقي لواقع فاسد، إلا في حالة كانت هذه الحكومة تقدم للممولين فوائد أخرى، كأن تقدم خدمات سياسية مطلوبة مثلاً، وفي هذه الحالة يتحول الدعم من دعم "اقتصادي" ليصير دعماً سياسياً.

لكن حكومة دياب بعيدة عن أن تكون الحكومة التي تحقق المطالب الأمريكية في لبنان. فمطالب الولايات المتحدة مباشرة وصريحة، لا تستند إلى "الديموقراطية" ولا إلى "العدالة الاجتماعية" ولا إلى "إعادة توزيع الثروة".. بل تستند أولاً وأخيراً إلى إخراج حزب الله (وحلفائه) من السلطة أولاً، وتجريد المقاومة من سلاحها ثانياً، والقضاء على أي صوت يعارض المخططات الأمريكية للمنطقة برمتها (لبنان وفلسطين وسورية) ثالثاً.

المسؤول الأمريكي في اللقاء نفسه لم يتردد في مطالبة المتظاهرين اللبنانيين باستمرار التظاهر: "من المهم أن يستمر المتظاهرون بالضغط على الحكومة للاستجابة لمطالبهم". ورغم أن مطالب المتظاهرين معروفة، إلا أن بعضهم كان قد كشف عن اتجاه يتطابق مع المطالب الأمريكية فيما يتعلق بحزب الله والمقاومة الوطنية اللبنانية، وبالطبع: المواقع السياسية اللبنانية من الملفات الأساسية في محيطه: لبنان وسورية.

وحتى هذا المسؤول أعاد الادعاء أن الولايات المتحدة الأمريكية تفرض عقوبات "على أفراد بسبب تورطهم في دعم حزب الله"، رغم أن حزب الله هو أحد مكونات السياسة في لبنان (إلى جانب دوره في مقاومة المشروع الصهيوني-الأمريكي)، وهو لا يختلف عن غيره من الأحزاب من هذه الناحية، فهو يمثل فئة من الشعب اللبناني ترى فيه وفي برنامجه ما يلبي طموحاتها.

وقال المسؤول الأمريكي إن العقوبات تشمل أيضاً "الذين لا يلتزمون بدفع التعريفات الجمركية، مثل حزب الله". والولايات المتحدة الأمريكية (أو غيرها) لم تقدم أي دليل على تهرب حزب الله، أو المستوردين المقربين منه، من دفع التعريفات الجمركية. لكن هذه العبارة هي جزء من قضية أكبر عبّر عنها صندوق النقد الدولي الذي اشترط، حسبما نقلت وسائل إعلام، وضع "مراقبين" له في مطار بيروت ومينائها.

وكلا المنفذين، كما هو معروف، يقعان خارج سيطرة الجهات أو القوى التي تعادي حزب الله. بما يعني أن قضية التعريفات الجمركية هذه هي قضية "سياسية" بامتياز، تهدف إلى حصار حزب الله نفسه ومحاولة حرمانه من أي موارد. فإن تمكن صندوق النقد الدولي أو الولايات المتحدة الأمريكية، أو القوى التي تتبع لهما من وضع اليد على أهم منفذين للبنان مع الخارج، فإن ما سيحدث هو محاربة أي شخص لا يعادي حزب الله، ومنعه، أو على الأقل إعاقته من ممارسة أي نشاط اقتصادي "شرعي"، عدا عن إمكانية استخدام هذه "المراقبة" لأغراض التجسس على حزب الله وبيئته.

بالطبع، لم يشر المسؤولون الأمريكيون أو صندوق النقد الدولي أو غيره إلى الأموال التي يهربها قادة الأحزاب والقوى الحليفة لها، ولا إلى الصفقات المشبوهة والفاسدة التي قام بها مسؤولو هذه الأحزاب أو أشخاص مرتبطبن بهم، وبالتأكيد لن يوقعوا أي عقوبات على الأشخاص والشركات التي تمول وتدعم هذه الأحزاب والقوى ما دامت تدور في الفلك الأمريكي.

وهذا ما قد يحوّل "مطالب محقة" لا يمكن لعاقل مناقشتها، هي مكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة وضبط المنافذ الحدودية اللبنانية، إلى أسلحة اقتصادية لا تهدف إلى إنقاذ لبنان ودعم مواطنيه في مواجهة الانهيار الاقتصادي، بل إلى تدمير قوى المقاومة التي ما زالت ترفض المشاريع الأمريكية للبنان خصوصاً، والمنطقة عموماً.

ولا يعني هذا الاستخدام الباطل التوقف عن كونها مطالب محقة، بل يعني أن أي مطلب يجب أن يوضع في سياق صحيح، وبقواعد صحيحة تمنع من تسخيرها سياسياً ضد المقاومة الوطنية اللبنانية.
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 3