"الحريرية"السياسية تتنصّل : "الجميع يتحمل المسؤولية".. ولكن!

كريم أبو ماضي

2020.02.15 - 10:00
Facebook Share
طباعة


لم يكن خطاب رئيس الوزراء السابق سعد الحريري، في ذكرى اغتيال والده رفيق الحريري، خارج التوقعات. فقد شكل بياناً حاول أن يقول فيه إن "الحريرية" مستمرة رغم أنها صارت خارج "السلطة" بعد أن استقال زعيمها ورفض المشاركة مع الحكومة الجديدة، كما حاول من خلال الخطاب أن يبرّىء نفسه وغيره من "الحريريين" من المسؤولية عن الكارثة الاقتصادية التي يعيشها لبنان اليوم، عبر قوله إن "الجميع يتحمل المسؤولية" ضمناً هو نفسه، إلا أن الخطاب أنكر أن تكون الحكومات المتتالية منذ 1990، تاريخ انتهاء الحرب اللبنانية وتوقيع اتفاق الطائف حتى اليوم، مسؤولة عن المديونية والفساد وغير ذلك من المشكلات التي يعيشها لبنان.

وتجنب الحريري الهجوم على حزب الله وحركة أمل مكتفياً بإشارة عابرة عن "مصريات إيران الكاش". كذلك تجنب الحديث عن حكومة حسان دياب الجديدة مع إشارة إلى أنه "خرج بإرادته"، بما قد يوحي برغبة بعدم المعارضة العلنية للحكومة الجديدة.

وقدم الحريري خلال الخطاب الحريرية السياسية على أنها "المنقذ" من الوضع الكارثي الراهن، بعد أن شن هجوماً عنيفاً على رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، واعتبر الحكومة الجديدة برئاسة حسان دياب هي "حكومة العهد".

ورغم إشادة الحريري بـ"الحراك الشعبي" الذي انطلق في 17 تشرين الماضي، واعتباره "شريكاً في القرار السياسي"، إلا أن مناصري الحريري كانوا قد نزلوا إلى شوارع بيروت قبيل ساعات قليلة من الخطاب، وهاجموا خيم الحراك الشعبي، وأطلقوا هتافات تؤيد الحريري.

وكان لافتاً أن حلفاء الحريري المعروفين ابتعدوا عن الاحتفال. فالقوات اللبنانية اكتفت بإرسال الوزيرة السابقة "مي شدياق" على رأس وفدها، والحزب الاشتراكي التقدمي اكتفى بإرسال وفد على رأسه النائب تيمور جنبلاط، فيما غاب كل من سمير جعجع ووليد جنبلاط.

لكن السؤال الذي لم يجب عليه الحريري، ولا غيره من القادة الفاعلين في لبنان، وهو أحد الأسئلة الأساسية التي طرحها الحراك الشعبي في لبنان: متى سيتم التخلص من الطائفية السياسية التي تسجن كل طائفة، بل كل جزء من طائفة لصالح عائلة إقطاعية "مستقرة" تحكمها وتتحكم بمصيرها وتوجهاتها؟.

الحراك الشعبي أعلن منذ أيامه الأولى عن رفضه للطائفية السياسية بشكل صريح، وكذلك بشكل غير مباشر عبر رفض "المحاصصة". لكن ما ظهر خلال الوقت الذي مضى على انطلاق الحراك أن الشارع اللبناني نفسه تحكمه فعلاً الطائفية السياسية. ولذلك لم تكن له "حركة موحدة" ولم يستطع أن يفرز "قيادات" واضحة تستطيع أن تمضي به إلى الأهداف المعلنة من إلغاء الطائفية السياسية وإقامة نظام حكم مدني ديموقراطي، وبقيت طروحاته المتعلقة بإلغاء الطائفية السياسية، أي الأساس الوحيد لقيام حكومة "تكنوقراط" حقيقية لا تقوم على المحاصصة الطائفية، وإن كان لا يمكن أن لا تكون سياسية (إذ لا توجد في العالم كله، الديموقراطي والديكتاتوري وما بين بين: حكومة "غير سياسية").

لكن الجميع، وعلى رأسهم الذين يتغزلون بالحراك، يقفون بالضبط في مركز الإقطاعية السياسية التي لا تستثني طائفة. بل تقسم حتى الطوائف إلى "كيانات" يتبع كل منها لعائلة "سياسية" أو أخرى. وقد يكون هذا الأمر هو السبب الرئيس في المرات الكثيرة التي تأخر فيها "انتخاب" رئيس للجمهورية، أو في بدء أو استمرار عمل هذه الحكومة أو تلك. أي أن الطائفية السياسية هي التي شكلت "المفصل" الأساسي في كل ما قال الحراك الشعبي إنه يريد الخلاص منه.

مع ذلك، عرف الجميع في لبنان أنه من شبه المستحيل المضي قدماً بعيداً عن حافة الهاوية التي وصل إليها البلد دون "حكومة". وأن هذه الحكومة لن تكون إلا من ضمن ذلك الواقع "الطائفي"، كما كان عليه الحال منذ تأسس "لبنان" كدولة مستقلة. لكن الفرق بين جهة وأخرى أن بعض هذه الجهات اعترف بهذا الواقع (سواء كان ضد مصلحته أم لا)، وتعامل معه بشكل عملي، فيما بقي البعض الآخر يرفض الإقرار بأية حكومة لا تكون على مقاسه، بما يعنيه من أن يكون "ممثلاً بقوة" فيها بناء على ما يعتقده من "وزنه الطائفي".

الحكومة الجديد برئاسة حسان دياب نالت ثقة البرلمان، أياً تكن ملاحظات أي جهة على ذلك البرلمان أو على جلسة نيل الثقة. وقد تكون الإمكانية الوحيدة لخروج لبنان من الكارثة. أما الدوران في حلقة النزاعات بين الإقطاعات الطائفية-السياسية فهو دوران قد لا يختلف في جوهره عن أغلب ما شهده لبنان منذ وضعت الحرب الأهلية أوزارها، لكنه يشكل اليوم خطراً داهماً يهدد وحدة لبنان نفسه، والقدر المتاح من "استقلاله".
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 6