خاص - من شمال سورية.. روسيا تؤمّن على مكاسبها عسكرياً واقتصادياً

وكالة أنباء آسيا - وسام دالاتي

2020.02.15 - 12:04
Facebook Share
طباعة

 سيطر الجيش السوري على نقاط حيوية في مناطق ريف حلب الجنوبي الغربي، في وقت تزداد فيه حدة التوتر بين الحكومتين الروسية والتركية حيال العمل العسكري الذي يواصله الجيش السوري في المناطق المحيطة بالطريقين الدوليين "M5 – M4"، فما مصير الطريقين..؟

 
عسكرياً.. ماذا يجري..؟
سيطرت القوات السورية على مقر الفوج 46 الذي كان يعد أكبر قاعدة عسكرية في ريف حلب الجنوبي الغربي قبل بدء الحرب، وبهذه السيطرة باتت وحدات الجيش على بعد مسافة تقل عن 3 كم من بلدة "الآتارب"، التي تشرف على عقدة طريق "باب الهوى"، المعبر الحدودي الرسمي مع تركيا، والذي تسيطر عليه حالياً الميليشيات المسلحة بالتعاون مع القوات التركية، وتفصل الجيش مسافة 20 كم عن المعبر نفسه.
تأمين حلب من الخاصرتين الغربية والشمالية، يتطلب التحرك نحو مزارع الأوبري، باتجاه تلة الطامورة، وذلك بهدف حصار مناطق الريف الشمالي، الأمر الذي يمكنه من التحرك باتجاه الغرب انطلاقاً من "الطامورة"، نحو بلدات "عندان – حريتان – زيتان - كفر حمرة – معارة الآرتيق – جبل شويحنة"، وبتحقيق ذلك تكون مدينة حلب ذات محيط آمن من الاستهدافات المتكررة بمدفعية الهاون والصواريخ المتعددة التي كانت تطلقها الميليشيات باتجاه الأحياء السكنية.
العمليات في ريف حلب الجنوبي الغربي من المتوقع ان تتوازى مع تفعيل أكبر للعمليات في ريف إدلب الجنوبي نحو السيطرة على بلدة "أريحا"، ومدينة "جسر الشغور"، بهدف تأمين الطريق الرابطة بين الحدود الشرقية لسورية (معبر اليعربية)، مع الواجهة البحرية المتمثلة بميناء اللاذقية، ولا يبدو أن العمل العسكري في هذا المحور معقداً إذا ما تم ترويض الجموح التركي الذي تبنى إسقاط الروحية السورية في منطقة "كفر نوران"، يوم أمس، كما أن الحشود التركية التي نقلت إلى سورية خلال الأيام الماضية تشير إلى أن الأتراك مازالوا يتمسكون بجملة من أوراق القوة لفرض متغيرات تعطيهم الهامش اللازم للبحث عن المكتسبات التي خسروها بشكل مفاجئ مع تقدم القوات السورية إلى ما بعد المتفق عليه في "سوتشي"، علماً أن الاتفاق سقط  لأن الحكومة التركية لم تفِ بتعهداتها بإخراج الفصائل والتنظيمات المسلحة من "خرائط سوتشي".
وتؤكد مصادر ميدانية، أن الهجمات الأرضية المتواصلة من قبل القوات السورية باتجاه نقاط تمركز الميليشيات المسلحة، باستخدام التمهيد الناري الأرضي متواصلة، وإن كان الأتراك يعمدون إلى عرقلة العمليات الجوية من خلال تزويدهم الميليشيات بالمضادات الأرضية، أو من خلال دخولهم على الخط بشكل مباشر، فإن الردود السورية كانت موجعة جداً بالنسبة للأتراك، وما يعلن عنه رسمياً من قبل "أنقرة"، عن حجم خسائرها البشرية المباشرة لا يتجاوز 3% فقط من خسائرها الحقيقية، علما أن الأتراك يقامرون بمصير قواتهم المحاصرة في نقاط المراقبة التي طوقها الجيش السوري، مع الإشارة إلى أن الجانب الروسي يخوض مفاوضات توصف بـ "الشاقة"، مع تركيا، التي لا تبحث إلا عن "كسب الوقت".
 
بين الجغرافيا والتاريخ
يبدو أن الروس يمتلكون خطتين بخصوص الطريقين الدوليتين المعروفتين باسم "M5 – M4"، فهم يركزون على إنعاش الاقتصاد السوري ورسم خارطة جغرافية آمنة لدخولهم إلى سوق الاستثمار السورية، إضافة إلى محاولتهم خلق جغرافية طرق تتناسب والطموحات الروسية برفع رأسها من تحت مقصلة الناتو الذي قد يذهب نحو دفع الاتراك لإغلاق مضائقهم "البوسفور – الدردانيل"، في وجه الملاحة الروسية خاصة العسكرية منها، وهي مسألة كان قد حدثت تاريخياً في أكثر من مناسبة.
فيما يخص الطريق "M4"، الرابط بين معبر اليعربية على الحدود مع العراق شرقاً، والواجهة البحرية السورية الأبرز المتمثلة بـ "ميناء اللاذقية"، فإن الحكومة الروسية تبحث عن طريق لاستخدامه في نقل الإمدادات العسكرية لقواعدها في سورية عبر "إيران – العراق"، ما يضمن إفقاد المضائق البحرية التركية لأهميتها الاستراتيجية في "خنق الروس"، كما حدث تاريخياً، ويؤكد ذلك ما نشرته الصحف الروسية منتصف العام الماضي حين رشحت معلومات عن احتمال استثمار ميناء اللاذقية من قبل الحكومة الإيرانية، إذ علقت وسائل الإعلام الروسية على الخبر حينها، بأن موسكو لا تعارض مثل هذا المشروع بكونه سيترافق بمد سكة حديدية من إيران إلى سورية، ما سيجعل من عملية نقل الإمدادات اللازمة للقواعد العسكرية في سورية، مسألة أسهل وأقل كلفة، وأكثر أمناً، ناهيك عن الإضافات التي قد يحققها هذا الطريق على المستويين الاقتصادي والسياسي بالنسبة للحكومة السورية.
فتح الطريق الدولي الرابط بين الحدود الشمالية والجنوبية لسورية، يعني الكثير في الحسابات التجارية بالنسبة لـ "دمشق"، وحلفائها، والباحثين عن تطبيع العلاقات مع الحكومة السورية من المنظومات الخليجية. ويبدو أن الروس باتوا مستعجلين أكثر من غيرهم على قطاف الثمار الاقتصادية من التدخل المباشر في الحرب الدائرة في سورية ، واالتي تقترب من عامها العاشر، ويحتاج الأمر إلى خلق جغرافية استثمارية آمنة من حيث تأمين الطرق الحيوية، وإعادة إعمار البنى التحتية، وإن كانت موسكو تحاول إنعاش "الرئة الاقتصادية"، لسورية المتمثلة بـ "حلب"، فإن البحث عن استمثارات في "السوق الحلبية"، التي تعد أكثر الأسواق العربية قرباً من أوروبا، يتوازى مع الطموحات الخليجية التي قد تكون لاعباً أساسياً في خلق المناخ السياسي الملائم لرفع العقوبات المفروضة عن سورية من خلال الدفع بالمزيد من الأموال إلى الخزينة الأمريكية، ويرتبط التنسيق الروسي مع المنظومة الخليجية في سورية، مع التنسيق المشترك بينهم في الملف الليبي، فكلا الطرفين متفقين هناك على دعم وحماية المنشآت النفطية التي تسيطر عليها قوات المشير "خليفة حفتر"، وفي الداخل السوري، كلاهما متفقين على سحب البساط من تحت قدمي  "التركي" في الشمال السوري.
 
ما الذي يريده أردوغان
تؤكد المصادر التي تواصلت معها "وكالة أنباء آسيا"، أن الجانب التركي متفق مع الروس من حيث المبدأ على ضرورة فتح الطرقات، وكان ثمة تحضيرات لانتشار نقاط مراقبة روسية في مدينة "عفرين"، لتشارك في الإشراف على الطرقات والمعابر الحدودية إلى أن يتم التوصل إلى تسوية سياسية، إلا أن الأتراك الذين فشلوا في تنفيذ تعهداتهم التي قدموها في "سوتشي"، وجدوا أنفسهم محاصرين بـ "قلة الوقت"، وموجات الفرار المتواصلة من قبل المسلحين إلى الداخل التركي، وهو أمر لا تحبذه حكومة "رجب طيب أردوغان" التي كانت قد تعهدت في وقت سابق بإعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، كما أن دخول "المسلحين" بطريقة غير شرعية إلى تركيا قد يخلق مشكلة أمنية بالنسبة لـ "أنقرة". وكان المطلوب من قبل الأتراك مراعاة مسألة التدرج في الوقت والتقدم البطيء بما يمكن الحكومة التركية من تجنيد أكبر عدد ممكن لنقلهم إلى ليبيا، إضافة إلى تجنيد البقية ضمن صفوف "الجيش الوطني"، وخشية الأتراك من المقاتلين الحاملين للجنسيات المتعددة هي الأكبر لجهة عدم القدرة على ضبطهم ومنع تحويلهم الجنوب التركي إلى معاقل للتنظيمات المتطرفة التي قد تنقلب على تركيا إذا ما تمكن الخليجيون مرة أخرى من السيطرة عليهم من خلال التمويل والشخصيات الوهابية الدعوية.
كما أن الأتراك يبحثون عن حصة أكبر على المستوى الاقتصادي من تجارة الترانزيت ومحاولة إبعاد الخليجيين عن الاستثمار السوري، وهذا ما يشكل واحدة من أكبر الأسباب التي تدفع أنقرة نحو عرقلة العمل العسكري في الشمال والشمال الغربي من البلاد، مع الإشارة إلى أن أنقرة لا تخسر دولاراً واحداً في العمليات التي تنفذها في الداخل السوري، إذ تتعهد الحكومة القطرية وبشكل معلن بالتمويل المالي.
 
دمشق الكاسب الأكبر
الخروج من الضغوط الاقتصادية عبر بوابة التشارك مع الطموحات الروسية بوصف موسكو واحدة من أكثر حلفاء دمشق جدية، مع الإشارة إلى الدور الصيني في تقديم الدعم السياسي بحثاً عن إحياء "طريق الحرير"، مع لفت الانتباه إلى أن بكين كانت قد وقعت منذ فترة اتفاقاً مع دولة الإمارات حول استخدام ميناء "جزيرة نخلة علي"، ليكون جزءا ً من هذا الطريق، وهي واحدة من أهم الأهداف التي تحققها الحكومة السورية في المرحلة ما قبل الأخيرة من الحرب التي فرضت عليها، كما إن استعادة السيطرة على أكبر جزء ممكن من الأراضي السورية قبل إطلاق عملية الانتخابات التشريعية المرتقبة خلال شهرين من الآن، يدعم الموقف السياسي داخلياً وخارجياً للحكومة السورية، فالذهاب إلى أي جلسة حوار مع أطراف المعارضات التي خسرت ما كانت تسميه "تمثيلها على الأرض"، في اشارة منها إلى "الميليشيات المسلحة"، وإن كانت هذه الميليشيات لا تعترف بتبعيتها لـ "الائتلاف المعارض"، أو سواه من التنظيمات السياسية المنتشرة في الخارج السوري، يعني أن دمشق هي من ستضع الشروط، ولن تقبل بمنجز "اللجنة الدستورية"، إن لم يكن يتوافق مع المصالح الوطنية من جهة، وقوة الطرف المنتصر من جهة ثانية.
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 3