السوريون يموتون "برداً" .. من المسؤول؟

كتب حسام يوسف

2020.02.14 - 09:54
Facebook Share
طباعة


لم تبدأ درجات الحرارة بالارتفاع مع بدء انحسار المنخفض القطبي شديد البرودة، إلا بعد أن حصد أرواح العديد من أطفال سورية في مخيمات اللجوء، خاصةً في شمال سورية.

فخلال الأسبوع الماضي نشرت وسائل الإعلام خبر مصرع عائلة مؤلفة من أب وأم وطفلين من "كفرومة" في إدلب خلال تواجدهم في خيمة ضمن مخيم "كللي" بريف إدلب، وقيل أن مصرعهما جاء نتيج الانبعاثات الخارجة من مدفأة الفحم، الوسيلة الوحيدة التي تمكنوا من الحصول عليها للشعور ببعض الدفء.

وقبلها بيومين لقي طفل آخر مصرعه في مخيمات أطمة على الحدود السورية التركية نتيجة البرد وعدم توفر أي وسيلة من وسائل التدفئة، فيما أكدت مصادر مختلفة أن هذا الشتاء شهد مصرع أكثر من 9 حالات في مخيمات النازحين شمال سورية.

ويعيش أكثر من ربع مليون لاجئ في نحو 200 مخيم في محافظتي إدلب وحلب، أغلبيتهم من النساء والأطفال، وزادت هذه الأعداد بعد أن منع إرهابيو "تحرير الشام" المدنيين من مغادرة إدلب عبر الممرات الإنسانية التي فتحها الجيش السوري قبل بدء عمليته في ريفي إدلب وحلب، فقد أجبر الإرهابيون المدنيين على عدم المغادرة بأساليب عدة، بينها قصف الممرات نفسها، وتهديد من يفكر بالمغادرة، إلى جانب إجبار الإرهابيين أنفسهم لأسرهم على البقاء.

ويفتقد هؤلاء جميعاً إلى أدنى مقومات الحياة، سواء من حيث الغذاء، أو اللباس والتدفئة، أو الطبابة، أو التعليم.

وتكاد تكون هذه المخيمات خالية من أي شكل من أشكال الصرف الصحي، أو التخلص من النفايات، كما أن أغلبها يقوم على الخيم القماشية فقط، وبعضها يستند إلى أرضيات أسمنتية أو بعض الجدران التي أقيمت على عجل.

كذلك يندر وجود مياه صالحة للشرب بالمعنى الدقيق، فأغلبها مياه ملوثة بشكل أو بآخر. كما أن حصة الفرد الواحد من المياه، حتى غير النظيفة منها، لا تتجاوز 20 ليتراً حسب العديد من المتابعين.

ولا يختلف الأمر كثيراً في مخيمات لبنان، خاصة تلك الواقعة على جرود عرسال، حيث يوجد نحو 120 مخيماً يعيش فيها أكثر من 50 ألف لاجئ. وحتى حين حاول هؤلاء حماية أنفسهم من البرد القاتل ببناء بعض الجدران الإسمنتية، قامت السلطات بتدميرها.

وقد يكون الحال أفضل قليلاً في مخيمات الأردن التي لقيت الكثير من الاهتمام الغربي بهدف تحويلها إلى ورقة ابتزاز إعلامية مستمرة بنية إظهار "إنسانية الغرب" مقابل "وحشية النظام السوري" لكنها ليست أفضل بكثير.

وتجمع وسائل الإعلام والمنظمات الداعمة للفصائل المسلحة والإرهابية في سورية على أن مسؤولية هذا الواقع الكارثي تقع على عاتق "النظام السوري"، بسبب إصراره على تحرير الأرض السورية من تلك الميليشيات التي ترفع رايات الإسلام المتطرف المختلفة، بدءاً من داعش والقاعدة، ومعهم الأخوان المسلمين والوهابيين، وما يسمى "الجيش الوطني" الذي يجمع خليطاً من الأصوليين الذين اتحدوا ليحظوا بدعم المحتل التركي.

لكن أحداً من هؤلاء لا يتساءل عن مسؤولية "الثورة السورية" عن هذا الواقع المر. فمئات ملايين الدولارات صرفت "إنسانياً" على ذمة الوكالات الدولية نفسها لصالح هؤلاء اللاجئين. ومن الواضح أن القسم الأوفر من تلك الأموال قد ذهب إلى جيوب مسؤولي تلك المنظمات، وزعماء تلك "الثورة" من الذين يصفون أنفسهم بـ"المعارضين" في الخارج، إلى جانب قادة الميليشيات نفسها الذين صاروا "مليونيرية" حرب بكل معنى الكلمة.

ولا يمكن إغفال دور الحصار الاقتصادي الغربي ضد سورية، خاصة في مجال النفط والمشتقات النفطية، والذي انعكس مباشرة على حياة السوريين في كل مكان داخل سورية، ضمناً مخيمات اللاجئين في إدلب وحلب.

إضافة إلى ذلك، فقد حصلت تركيا ولبنان والأردن على الكثير من الأموال من المساعدات الدولية مخصصة للمهجرين السوريين، لكن من الواضح أن تلك الأموال تذهب إلى "أماكن أخرى" غير مستحقيها المهجرين الذين بالكاد يحصلون على ما يكفي لبقائهم في الحد الأدنى من الحياة.

ورغم محاولات الدولة السورية وحلفائها، خاصة روسيا، العمل على عودة المهجرين خارج سورية إلى بلدهم، ومدنهم وقراهم، إلا أن هناك اتفاق غربي مع الدول الإقليمية المعنية على منع هذه العودة. وذلك بهدف سياسي محض هو الضغط على الدولة السورية. ليس الآن، ولكن فيما بعد حين توضع أسس التسوية. فإذا بقي هؤلاء المهجرين خارج سورية سيكونون ورقة ضغط صالحة ضد الدولة السورية فيما يخص أي استفتاء على دستور جديد أو انتخابات جديدة رئاسية أو تشريعية.

البرد القارس هذا العام لم يكتف بإضافة "عصة قبر" على حياة اللاجئين السوريين في بلدان الجوار، أو في إدلب وحلب، بل أضفت العصة نفسها إلى ملايين السوريين في المناطق التي تسيطر عليها الدولة السورية، مع الفقدان الشديد لوسائل التدفئة بأشكالها. فالتيار الكهربائي لا يصل، في أفضل حالاته، إلا بضع ساعات في اليوم. والغاز بالكاد يكفي لاحتياجات الطبخ، عدا عن الأزمات التي خلفتها الإدارة الكارثية لطريقة توزيع الغاز مؤخراً! أما المازوت فهو عبء مالي كبير على الأسر السورية إضافة إلى عدم توفره بما يكفي من جهة، وصعوبة الاعتماد عليه من قبل الكثير من الأسر "المستأجرة" التي لا تتضمن البيوت التي يقطنوها "مداخن" خاصة.

وحتى أولئك الذين اعتمدوا على "الحطب"، لم يعد بإمكانهم تأمينه مؤخراً بعد أن استهلك الشتاء القاسي مخزونهم كله، وقضى انهيار الليرة السورية التي وصل سعر صرفها "الرسمي" إلى 700 ليرة مقابل الدولار الواحد على أي أمل بشراء المزيد منه، إن توفر أصلاً!

وهكذا تحالف الإرهابيون والغرب والبرد معاً ضد السوريين جميعاً، وخاصةً اللاجئين منهم.
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 5