خاص - مشهدان متناقضان في بلد واحد: سوريا بين الوطنية والخيانة

كتبت مراسلة آسيا

2020.02.14 - 08:40
Facebook Share
طباعة

 بعيداً عن الشعارات المصطلحات وتفسيراتها، انتفض "فتحو البرهو" القروي البسيط، أمام دورية أميركية، ليرسم بسلوكه العفوي صورة عميقة للانتماء، ورفض الغريب، المحتل الطامع بالأرض والثروات.

 
على المقلب الأخر، صورة أخرى يرسمها كثيرون احتفوا بقوات أجنبية، فرفع البعض في إدلب ومناطق في ريف حلب الأعلام التركية، وأطلقوا أسماء تركية على بعض "مؤسساتهم"، الأمر الذي قد يشرح حجم "الشرخ" الاجتماعي الذي تسببت به الحرب، والخلط الكبير في المفاهيم، لتغدو "الخيانة" والوطنية والانتماء مجرد وجهات نظر.
 
الشرخ الكبير، الي بدأت ملامحه منذ الأشهر الأولى للحرب، عندما احتضن معارضون السفير الأميركي في سوريا حينها روبرت فود في حماة، ليبدأ الانقسام بالتوسع، والصورة الموحدة للشعب بالتمزق.
 
خلال الحرب، ولد جيل كامل على وقع الرصاص والمدافع، جيل خبر الموت قبل أن يختبر الحياة، وغرست فيه رغبة الانتقام، الأمر الذي ساهم بدوره في قلب كثير من المفاهيم، وأبعد السوري عن وطنه، وقربه أكثر إلى الجانب الذي يحقق مصلحته، سواء كانت القتال، او المصالح الاقتصادية.
 
المشهد الحالي يخلق أزمة لن تنتهي مع نهاية الحرب، الأمر الذي يتطلب عملاً متواصلاً ومخططاً للتخفيف من آثار هذا الشرخ، وإعادة توطيد المفاهيم وتوحيدها لشعب واحد يعيش على أرض واحدة.
 
وترى الدكتورة في علم الاجتماع يسرى زريقة خلال حديث لها مع "آسيا" أن حالة الانقسام في الشارع السوري ليس مردها الطمع، و اقترحت أن يتم بناء نظام تعليمي جديد لمعالجة هذا الانقسام، يشارك فيه الجميع، وتتضافر فيه الجهود، معتبرة أن هذا الأمر "مسؤولية الجميع، من مفكرين ومثقفين وباحثين واكاديميين ولا باس برجال الدين ولكن العلمانيين منهم فقط، لأن ما اصاب المجتمع السوري من التطرف الديني هو سبب لما وصلنا إليه الآن"، وفق تعبيرها.
 
وتتابع "مع الاسف الآثار السلبية التي يخلفها من خان وطنه لا تقتصر عليه فقط إنما تمتد الى الاطفال الذين يعيشون في تمزق كبير بين طرفين و سؤال يدور في عقولهم من الذي على صواب؟ أهاليهم أم الآخرين؟ . في الواقع هذه مسألة في غاية الاهمية لأنها تطال جيل كامل من ابناء المناطق الحاضنة للعناصر الإرهابية، مصير هؤلاء الصغار مجهول فمنهم من أصبح ارهابي صغير نتيجة تدريبه على سفك الدم والقتل والارهاب ، و منهم من تهجّر مع ذويه و لم يكمل تعليمه" .
 
خلال حديثها، تشير زريقة أيضاً إلى أثر "الجهاديين" و "مدارسهم" على الجيل الجديد، وتقول " الاجيال الجديدة من الاطفال السوريين يعيشون حالة مسح للهوية وغسل للدماغ بأفكار عنيفة ستجعلنا أمام أعداد كبيرة من أنصار التفكير والتفجير ومئات الألاف من القنابل الموقوتة التي تنتظر الوقت والمكان لتنفجر".
 
وتتابع "يجب العمل على اعادة جميع الاطفال المتسربين الى المدارس وحفظ حق التعليم لهم، بناء برامج علاجية متكاملة وبرامج دعم نفسي للأطفال بالتوازي مع برامج تدعم الاسر ايضاً، رفع كفاءات العاملين مع الاطفال من معلمين وداعمين نفسيين متخصصين بالحروب واثارها وكيفية التعامل معها، إعادة النظر في المناهج التعليمية".
 
وأمام حالة الانقسام هذه، والصورة يبدو أن طريقاً طويلاً ينتظر السوريين، يحتاج الى خطوات حثيثة تضع نصب أعينها حقوق الانسان وقيم الوطنية، هذه الخطوات المعني بها مؤسسات الدولة و المجتمع و المنظمات الدولية، لإعادة بناء انسان جديد مقاوم في فكره للتطرف و تكفير الآخر، يدرك معنى الانتماء لوطنه، ويعرف خطر العدو، ومعنى أن تكون "خائناً".
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 5