كتب طوني خوري: مسرحية الثقة النيابية... تدوم وتدوم وتدوم

2020.02.12 - 10:55
Facebook Share
طباعة

 لم يسبق ان حجب ​مجلس النواب اللبناني​، في التاريخ المعاصر، الثّقة عن أيّ حكومة تقدّمت بها اليه، الا انّ احترام الصورة الدستورية واجب وهو ايضاً امر لائق، لذلك تنعقد الجلسة النيابية التي تنتهي دائماً بمنح الثقة للحكومة، اياً كان بيانها الوزاري. هذا الامر لا يعني ان ​الحكومة​ الحالية "مقصّرة" ولكنه يعني ان النواب يقومون بما يمكن تسميته بـ"مسرحية متكرّرة" حيث يستنبطون كل الحلول لمشاكل لم تجد حلاً لها منذ عقود طويلة من الزمن. اليوم، فصول "المسرحيّة" تكمن في أمرين اساسيين: الاول ضياع بوصلة المعترضين على الحكومة، والثاني اعتماد المؤيّدين لها سياسة "النأي بالنفس" عنها.

في الشقّ الاول، من السخرية مشاهدة ما حصل من قبل بعض النواب، فالخطوة الانسب من المفترض ان تكون تقديم الاستقالات والتخلّي عن المنصب. وبالرغم من الآراء التي تشير الى ان هذه الخطوة غير صحية للبلد حالياً وان استقالة رئيس الحكومة السابق ​سعد الحريري​ خير دليل على ذلك، فإنّها تبقى اكثر انسجاماً مع ما يقوله النواب المعارضون اذا ارادوا بالفعل ان يصدقهم الناس، واياً كان عدد النواب المستقلّين، فستكون الخطوة معنوية وكبيرة جداً الى حدّ يمكن ان تفرض اجراء ​انتخابات​ نيابية مبكرة وفق القانون المعمول به بطبيعة الحال، وهو مطلب اساسي في اي تغيير ينشده الناس. الا ان ما حصل هو تمسك النواب المعارضون بالكلام الانتقادي وتضييع الجميع، ان من خلال اصدار اكثر من موقف في الكتلة الحزبية الواحدة (ومنها على سبيل المثال موقف رئيس ​الحزب الاشتراكي​ ​وليد جنبلاط​ الذي ناقض كلياً موقف النائب ​مروان حمادة​ الذي كان اكّد عدم الحضور وعدم اعطاء الثّقة)، اضافة الى موقف نواب "​القوات اللبنانية​" و"​تيار المستقبل​" الذي حاول اضفاء الصبغة الرماديّة من خلال الحضور وعدم الدخول، وكأنّنا امام "خط ازرق" جديد في مقر ​المجلس النيابي​، وغيرهم من النواب المعارضين للحكومة بشكل مطلق.
اما في الشق الثاني، فكان مضحكاً ايضاً قيام النواب المؤيّدين للحكومة بإظهار انفسهم وكأنهم غير معنيين بكل ما حصل في السابق، من "​حزب الله​" و"​حركة امل​" و"​التيار الوطني الحر​" وغيرهم... فهم جميعاً كانوا ضمن الحكومات السابقة اقلّه خلال العقد الاخير من الزمن، وبالتالي هناك مسؤولية عليهم لايمكن نكرانها او تجاهلها، حتى لو لم يشاركوا في السرّقة والهدر، لكنهم شاركوا حتماً، في اتّخاذ القرارات الخاطئة التي اوصلتنا الى ما نحن عليه اليوم، ولا يمكنهم، على غرار ما يقوم به نوّاب المعارضة لهذه الحكومة، اعتبار انفسهم خارج الموضوع، وكأنّ المواطنين هم الذين وضعوا السياسات الماليّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة.
في مطلق الاحوال، يبقى الاعتماد على استمرار العمل المؤسساتي (ولو بشكل صوري)، افضل بكثير من غيابه والاعتماد على الفوضى والعشوائية في التعاطي، في غياب الخطط والاسس التي يمكن الاعتماد عليها بشكل واقعي وملموس، لانقاذ البلد من براثن الخطر وهو امر يطالب به الجميع لان المشكلة لا تزال تكبر، ولا بد اولاً من وقفها قبل البدء بتحجيمها عبر اجراءات عمليّة وشفّافة تضمن الا تكون الفترة المقبلة اكثر تعقيداً او كلفة على اللبنانيين.
لن تنفع المسرحيّات بعد اليوم، والاجدى الانطلاق بورشة عمل حقيقيّة تضم المعارضين والمؤيدين على حد سواء، لان الجميع اخطأ (ولو بنسب متفاوتة)، وفي ظل التسليم بغياب المحاسبة، بات المهم اليوم وقف تدهور الاوضاع قبل العمل على مشروع جديد يؤسّس لطريقة صحيّة في مواجهة المشاكل، والا فعلى الدنيا ​السلام​، ومن الافضل البدء بنسيان لبنان الذي نرغب به، لان البديل سيكون صورة مشوهّة عنه.
 النشرة
 
المقال يعبر عن رأي كاتبه فقط
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 6