العلم "ما بيطعمي خبر" في سورية: أجرة "الدهّان" أعلى من المهندس

لودي علي _ وكالة أنباء آسيا

2020.02.12 - 08:30
Facebook Share
طباعة

 

 

في الأزمات تعتمد البلدان حتى تستعيد قوتها وتنهض من جديد بشكل رئيسي على مثقفيها وأصحاب الشهادات والخبرات فيها من قضاة ومهندسين وأساتذة جامعيين وصحفيين وغيرهم..
فكيف سيحمل مهمة الإنقاذ اليوم أفراداً يبحثون عمن ينقذهم في مجتمع رخّص بخبراتهم وأجورهم وحتى بقيمتهم؟؟
وفي مقارنة بسيطة بين موظف بشهادة جامعية أيا كانت، مع عامل من العمال الذين يقومون بالأعمال الحرة اليومية كالدهّان والكهربجي وعامل الصحية وغيرهم، نجد أن الموظف يتقاضى في الشهر أجراً لا يقبل به العامل بأكثر من أسبوع، حيث يرفع هؤلاء العمال أجورهم بما يتناسب مع الغلاء المعيشي، بينما تبقى أجور الطبقة المثقفة مرتبطة بما تحدده الحكومة من رواتب موظفي القطاع العام، وما يحدده أصحاب العمل في القطاع الخاص، وفي كلتا الحالتين لن يكون الوضع مرضياً!
يقول محمد ديب مدرس حاصل على الإجازة الجامعية في اللغة العربية لوكالة أنباء آسيا: "العلم ما بيطعمي خبز"، أنا لا أستطيع براتبي أن أطعم اولادي، بينما يستطيع أخي الذي لطالما كنت أنتقده وأحثه على متابعة تعليمه أن يؤمن حياة كريمة لأسرته، أخي يعمل "دهّاناً" ودخله في الشهر أكثر من دخلي بثلاث أضعاف بأسوأ الأحوال.
بدوره يقول المهندس راتب مسوتي وهو موظف في شركة خاصة: أفكر جدياً أن أنصح ابني أن لا يكمل تعليمه "يتعلم صنعة بيجوز هيك بيشبع الأكل"، مضيفاً "ضيعان الدراسة يلي راحت ببلاش"، راتبي لا يتجاوز 100 ألف ليرة وهو راتب مرتفع مقارنةً بزملائي في القطاع الخاص ولكنه لا يكفي أجرة بيتي وطعام أطفالي.

منسوب الفساد

وزيرة الاقتصاد السابقة لمياء عاصي توضح لوكالة أنباء آسيا أن معدل الدخل لأي مهنة من شأنه أن يكون عامل جذب إذا كان الدخل مرتفعا، يجب أن تكون الرواتب والأجور قادرة على تلبية المتطلبات الضرورية للشخص وعائلته.
مضيفة: بدأ سوق العمل بالتغير عالميا نتيجة التطورات التكنولوجية الكبيرة في كل المجالات، حيث ستختفي وظائف وستظهر وظائف أخرى، وبشكل عام سيتم اختفاء الوظائف الروتينية حيث سيحل الروبوت محل الإنسان، أما الجديدة فستكون وظائف تفرضها التقنيات الجديدة، وقد ظهرت اختصاصات وعلوم جديدة تناسب التكنولوجيا في هذا العصر، وأصبحت تتطور بسرعة قياسية لم يشهدها التاريخ الإنساني من قبل.
أما بالنسبة لسورية تقول عاصي: تعاني سورية من اتساع الفجوة الرقمية والتقنية التي تفصلها عن الكثير من دول العالم، وخلال سنوات الحرب أضيف إلى ذلك الواقع الكثير من التداعيات السلبية على قطاع التعليم والعملية التعليمية، من انخفاض الموازنات إلى تدني رواتب المعلمين وخروج الأطفال من المدارس في بعض المناطق، ولتجسير الفجوة العلمية والرقمية نحتاح إلى المزيد من الإقبال على التعليم .
وتضيف : اليوم وبنتيجة انخفاض معدلات الرواتب والأجور بشكل كبير أصبح دخل أي عامل حر ( الكهرباء، الدهان، التمديدات الصحية، أعمال البناء وغيرها..) يساوي على الأقل أضعاف أي موظف بالدولة مهما كان منصبه، فإذا كان راتب العامل في الدولة 50000 ل.س وفي القطاع الخاص قد تصل إلى 100000 ل.س، فإن الكهربجي أو البلاط أو عامل البناء الذي لا يحتاج عمله لأي شهادات أو أي تعليم لن يقبل باليوم بأقل من ستة ألاف ليرة يوميا.
وتؤكد الوزيرة السابقة أن هذا الخلل في سياسة الرواتب والأجور له انعكاس سلبي جدا على منسوب الفساد، من جهة فالموظف الذي لا يكفيه راتبه لإطعام أطفاله يكون أكثر عرضة للقيام بأعمال غير قانونية من أجل تأمين المزيد من الدخل، إضافة للانعكاس السلبي لتلك السياسة على موضوع التعليم بشكل عام، حيث أصبح لدى الأهل قناعة " بأن الشهادات لا تطعم خبزا "، بمعنى أنها لا تكفي لتلبية المستلزمات الضرورية، إضافة إلى أن معظم خريجي الجامعات يجلسون سنوات بانتظار فرصة عمل، وتشهد على ذلك المسابقات التي تجريها الدولة، وإذا ترسخ هذا المفهوم في عقول أبناءنا الطلبة يمكن أن يهجر معظمهم الجامعات والعلم للبحث عن عمل يؤمن لهم متطلبات الحياة .

خلل عام

مايحدث هو خلل اجتماعي كبير حسب ما يرى الاستاذ في كلية الاعلام أحمد شعراوي موضحا لوكالة أنباء آسيا أن هذه الظاهرة موجودة وواقعية وهي إشكالية حقيقية، لأن أصحاب المهن الحرفية مع كل الاحترام لهم مردودهم المادي أعلى من أصحاب الشهادات، وهذا ينعكس بشكل سلبي على الإيمان بدور العلم وأهميته، وهذا خلل فلا يوجد مجتمع بالعالم فيه خلل كهذا، مضيفاً: أصحاب الشهادات هم أصحاب خبرات وليس من المعقول أن يتعاملوا مثل أصحاب المهن الحرفية أو الصناعية وغيرها، وبالتالي يجب إيجاد حل وهذا الموضوع برسم المعنيين، فإذا استمر الحال على ما هو عليه فإن الإيمان بالعلم وأهميته وجدواه سيكون على المحك.

بياع الغاز أهم من المهندس!

بدوره يفسر الدكتور سامر أبو عمار الباحث الاقتصادي أننا نعيش واقع معين أدى إلى تهميش أصحاب الشهادات، ما جعل نظرة الجيل القادم للعلم بأنه "ما بيطعمي خبز" ولا ينتهي بثروة ولا يكفي لحياة كريمة، وهذا له أسباب وضعية وليس أسباب متعلقة بالتنمية البشرية، فالسوريون عريقون ولن تكون الأجيال القادمة بدون تعليم لهذا السبب الوضعي.
موضحاً أن الحالة التي وصلنا إليها جاءت نتيجة فساد وواقع مزري، وعدم الانتباه إلى هذه القضايا.
وعلى سبيل المثال يقول أبو عمار: الكثير من البلدان الحضارية والتي يكون مستوى الوعي فيها مرتفعا اعتمدت خلال الأزمات على هؤلاء الأشخاص حيث ارتقت مسؤولياتهم وأجورهم، وعزهم الناس واعتبروهم مرجعا وحاملا، أما في سورية وخلال الأزمة أصبح الوضيع رفيعا والرفيع وضيعا، وهذا أوصل أصحاب الشهادات العالية إلى وضعهم الحالي حيث تتم معاملتهم على أنه لا حاجة لهم بعد ظهور هذه الطبقة النفعية الطفيلية الفاسدة وهي التي تسود في هذا المجتمع.
مضيفاً: سياسة المجتمع هي التي رفعت من أجور المصالح العادية على حساب أجور أصحاب الشهادات العلمية، فنرى أن أجور الدهان والطيان والبلاط ترتقي مع ارتفاع مستويات ومتطلبات المعيشة فلا يقبل أحدهم بدخل أقل من 10 آلاف ليرة في اليوم بالمقابل نجد أن القاضي والمهندس والأستاذ الجامعي أجورهم بقيت كما هي أو ارتفعت قليلا وبشكل غير متناسب.
هذه قضية مجتمعية، فلو كان هناك اهتمام بالوعي المجتمعي سابقا أو كان لدينا إجراءات وسياسات حكومية تحمي هذه الطبقة وهي الطبقة المتوسطة التي تعتبر مركز المجتمع، فبدونها لا يمكن يحصل تنمية أو حضارة، لاختلف الوضع، وحتى لو وُجد الكثير من الأغنياء في البلد والقادرين على افتتاح مشاريع ضخمة، ولو وجد عدد وفير من اليد العاملة إذا لم يكن هناك مثقفين وأطباء ومحامين لن يكون هناك تنمية حقيقية، وكل ما توسعت هذه الطبقة كل ما كان مستقبل التنمية أفضل..
ويلفت الباحث الاقتصادي إلى أن هذه الطبقة تم حرقها، ومن النكات التي تُحكى: اذا تقدم مهندس وبائع غاز لخطبة فتاة، سيكون بائع الغاز مرغوبا أكثر ..
ولا يحمّل أبو عمار المسؤولية للحكومة وحدها إنما يعتبرها مسؤولية مجتمعية، لكن القاطرة فيها هي الإجراءات والسياسات الحكومية وهي التي كان من المفترض أن تنتبه لهذا الموضوع وتعزز هذه الطبقة وتحميها، من خلال القيام بإجراءات ونظم معينة، وبمجرد ما بدأ المجتمع بتغيير مفهومه للإدارة وأسلوب الإنتاج الاقتصادي الاجتماعي السياسي السائد ستتغير هذه المنظومة ولن تحتاج أكثر من عشر سنوات لنعود لبناء الأجيال بشكل جيد.
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 2