كتب بسام القاضي: هل يمكن تخليص الإسلام من تهمة الإرهاب؟

خاص آسيا

2020.02.03 - 07:09
Facebook Share
طباعة

 ربما يجب السؤال أولاً إن كانت تهمة "الإرهاب" الموجهة للإسلام تستند فعلاً إلى حقائق، أم أنها مجرد تعبير عن "عداء ديني" متأصل، أو "رد فعل" على ممارسات بعض المسلمين.

 
رغم أن إثبات ذلك أو نفيه يحتاج إلى أكثر من مقال، إلا أن ممارسات المسلمين أنفسهم تقوم على جذر مشبوه ومريب أساسي هو "التمييز". أي الاعتقاد بأن لهم من الحقوق ما ليس لغيرهم. وهذا الجذر هو الضامن لاستمرار بذور "الإرهاب الإسلامي" ونموه بين فترة وأخرى، حتى إن بدا "ميتاً" في بعض الأوقات.
 
وهذا الجذر مثبت صراحةً في الكثير من دساتير وقوانين وممارسات جميع البلدان المسماة "إسلامية"، على اختلاف طوائفها ومذاهبها، إن لم يكن في جميعها.
 
فجميع هذه الدول، ومسلميها، يقرّون بأنه يحق للمسلم ما لا يحق لغيره في الزواج والطلاق. فالمسلم يمكنه أن يتزوج مسيحية أو يهودية دون أن تغير دينها، لكن المسيحي واليهودي لا يمكنه أن يتزوج مسلمة مهما فعل، إلا إذا غيّر دينه.
 
والمسيحي واليهودي بالولادة يمكنه أن يغير دينه فيعتنق الإسلام، أما المسلم بالولادة فلا يمكنه أن يغير دينه فيعتنق المسيحية أو اليهودية.
 
وطبعاً، يمكن للملحد أن يتحول إلى الإسلام، ولا يمكن للمسلم أن يتحول إلى الإلحاد.
 
وللمسلم "الولاية" على المسلمين والمسحيين واليهود، أي يمكنه أن يكون رئيس جمهورية، ورئيس مجلس وزارء في دولة تضم أدياناً مختلفة، لكن لا يحق للمسيحي أو اليهودي أن يصير رئيس جمهورية أو رئيس مجلس وزراء (الاستثناءات التي حدثت في الماضي دفنت معه)، وجميع دساتير الدول "الإسلامية" تنص على ذلك بشكل لا لبس فيه.
 
ويحق للمسلم، في أغلب هذه الدول، أن يمنع تناول الطعام علنا في مناسبة خاصة بالمسلمين (صيام رمضان) لكن لا يحق للمسيحي أو اليهودي أن يفعل ذلك فيمنع المسلمين من تناول ما يحرمه صيامهم.
 
وللمسلمين في بعض هذه الدول أن يعلنوا شعائرهم وطقوسهم مثل الآذان لخمس مرات يومياً، وفي هذه الدول لا يحق لغيرهم أن يعلن شعائره وطقوسه إلا في مناطق خاصة بهم، وأوقات محددة.
 
وللمسلمين أن يبنوا معابدهم دون قيد أو شرط، أما المسيحيون واليهود فإضافة إلى القيود القانونية والإجرائية الكثيرة على بناء معابدهم، فإن بناء معبد، عملياً، يواجه الكثير الكثير من الصعوبات والعقبات "الإضافية".
 
ولا يخفى أن الدول الإسلامية الطائفية، تمعن أكثر في هذا التمييز ليشمل الطوائف الإسلامية التي لا تدين بالمذهب "الرسمي". فهذا ما تفعله "الدول" الشيعية بغير الشيعة، والسنية بغير السنة.
 
كذلك، يمضي التعليم في مختلف مراحله في النهج ذاته؛ تكريس التمييز "الإلهي" للمسلمين على غيرهم، وإبراز تفضيل الله لهم على غيرهم، والحط من قيم ومعقتدات غيرهم، ولا يختلف الإعلام بشيء عن التعليم، سوى أنه أكثر "مهارة" في إخفاء التمييز. فإذا كان من الممكن استضافة رجل دين مسيحي إلى جانب رجل دين مسلم في بعض البرامج والحلقات، فإنه يندر، وينعدم في بعضها، إمكانية استضافة رجل دين مسيحي دون رجل دين مسلم.
 
ولا يخفى على أحد أن جميع الدول الموصوفة بالإسلامية تحظر الدعوة إلى الدين المسيحي أو اليهودي بين الناس بأي شكل ووسيلة، فيما تتيح الدعوة إلى الدين الإسلامي بكل الأشكال والوسائل.
 
وهناك الكثير من الإثباتات الأخرى التي تدين الدول المسماة "إسلامية"، ومسلمي اليوم بجميع طوائفهم ومذاهبهم، بتهمة "التمييز" لصالح المسلمين ضد غيرهم.
 
لكن، ما علاقة هذا بـ"الإرهاب"؟
 
لطالما كان تعريف "الإرهاب" مختلَفاً عليه. فالقوى التي تريد تركيع الشعوب تستخدمه وسيلةً لنقض حقها بالدفاع عن نفسها، والدول المستضعفة لطالما استخدمته صفة لتمادي الدول القوية عليها.
 
لكن الإرهاب "الديني" هو أبسط من ذلك. فهو استخدام العنف ووسائل القهر ضد الأديان والطوائف والمعتقدات الأخرى، وبضمنها الإلحاد.
 
ولأن هذا الإرهاب لا يأتي من العدم، فهو يستند إلى جذر أساسي لا يمكن للإرهاب أن يظهر في أي دين بدونه، هذا الجذر هو فكرة "التفوق" لهذا الدين، أو الطائفة، أو المذهب، على غيره. التفوق المستمد، طبعاً، من الله.
 
وهذا الجذر هو مبرر وجود قوى إرهابية شهيرة مثل الأخوان المسلمون، والقاعدة، وداعش، والعديد من المنظمات الإرهابية التي ظهرت خلال العقود الأخيرة، وهو "حق" تقر به علناً هذه القوى، وتؤكده بلا لبس.
 
وهذا يعني أن فكرة "شعب الله المختار"، أو "الفرقة الناجية"، أو ما شابه، بكل تجلياتها المختلفة التي لا يشكل مع ما ذكرناه أعلاه سوى بعضها، هي الرحم الحاضن للإرهاب. ولا يمكن التخلص من الإرهاب الديني بشكل جدي ونهائي ما لم يتم اجتثاث جذره: التمييز الديني.
 
من الطبيعي أن يعتقد أتباع كل عقيدة بأنهم على الطريق "القويم" أكثر من غيرهم، وأن يعتقدوا بأنهم أقرب إلى الله، فالقرب من الله وتعاليمه هو أساس وجود أديان مختلفة. لكن انتقال هذا الاعتقاد إلى الحياة المجتمعية، انتقاله إلى "العقد الاجتماعي"، إلى العلاقة المنظمة لأفراد المجتمع وحقوقهم وواجباتهم، هو ما يحول هذا الاعتقاد من "فكرة" عامة، إلى جذر مولد للإرهاب.
 
وإذا كان الإسلام هو المتهم الرئيسي اليوم، نتيجة لعوامل عدة، فإن المسيحية كانت ذات يوم هكذا، إرهاب ديني مورس على نطاق واسع في الكثير من مناطق العالم، وأودى بحياة الملايين في أمريكا وأفريقيا مثلاً.
 
واليهودية كانت وما تزال هكذا، لولا أن التهمة اختفت تحت ستار "دولة" دينية يهودية صارت تمارس الإرهاب باسم "الوطن اليهودي".
 
وبالعودة إلى العنوان/السؤال: نعم، يمكن تخليص الإسلام من تهمة الإرهاب، لكن فقط حين نخلصه، الإسلام، من كل الأفكار والتشريع والممارسات التمييزية، ويعود المسلم ليكون إنساناً يعتقد بإله معين ودين معين لا يرتب له أي حقوق تفضيلية على غيره من الناس، وبالتالي حين تجتث كل الأفكار والمبررات لاعتقاد المسلم بأنه يحق له ما لا يحق لغيره، سواء في الدساتير أو القوانين أو مناهج التعليم أو الإعلام أو غيره من "المجالات العامة".
 
هذا المقال يمثّل رأي كاتبه وليس بالضرورة أن يمثل رأي وكالة آسيا
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 9