" صفقة القرن " بين قرنين

بقلم : توفيق شومان

2020.02.03 - 10:41
Facebook Share
طباعة

 قبل مائة وعشرين عاما ، حذرت صحيفة " الأهرام " المصرية من مخاطر المشروع الإسرائيلي فكتبت بتاريخ 29 ـ 12ـ 1900 قائلة : " الصهيونيون يبحثون عن وطن لهم ، سواء مالوا إلى فلسطين أو إلى ما بين النهرين ، فإن أنظارهم متجهة إلى شطر من البلاد العثمانية ، وهذا ما أردنا إلفات النظر إليه ، وعلى أولياء الأمر أن يتعظوا ويتنبهوا لهذه الحركة ".

وفي كتاب طليعي صدر في عام 1905 للبناني نجيب عازوري بعنوان " يقظة الأمة العربية " ورد التالي :
" إن ظاهرتين هامتين متشابهتي الطبيعة إلا أنهما متعارضتان ، لم تجذبا انتباه أحد حتى الآن وتتضحان في هذه الآونة في تركيا الآسيوية ، أعني : يقظة الأمة العربية والجهد اليهودي لإعادة تكوين مملكة إسرائيل القديمة على نطاق واسع ، ومصير هاتين الحركتين أن تتصارعا بإستمرار حتى تنتصر إحداهما على الأخرى ".
ويورد أسعد داغر في كتابه المعروف " ثورة العرب " الصادر في عام 1916، أن اللبناني عبد الكريم الخليل رئيس " المنتدى الأدبي " والذي أعدمه القائد التركي جمال باشا السفاح مع مجموعة من الشهداء في بيروت عام 1915 ، تحدث أمام الصدر الأعظم العثماني في الخامس من آب/ أغسطس 1913 بإسم الوفد العربي فقال :
" ألتمس من حنان الحكومة السنية اتخاذ قرار قطعي ـ بمنع ـ بيع الأراضي في البلاد العربية لاسيما في فلسطين ، لأن دخول الأجانب ـ اليهود ـ إليها وحرمان أهاليها من مواردها مما لا ترضونه فخامتكم ".
لا وضوح أكثرمن ذلك
مشروع الدولة الإسرائيلية كان واضحا لكل ذي بصر و بصيرة
ومع ذلك ما الذي حدث ؟
في فصل مثير من كتاب " لماذا وصلنا إلى هنا؟ " للمؤرخ والكاتب الصحافي االفلسطيني ناصر الدين النشاشيبي عنوانه " أشقاء كالأعداء أو أسوأ قليلا " جاء :
" ما قابلتُ زعيما عربيا أو مسؤولا عربيا إلا وسمعته يحاضرني عن فوائد التضامن ومزايا الإتحاد وضرورات التفاهم بين الأخوة العرب ، كله كلام مؤثر ومقفى كالشعر وحزين كالنغم ولكنه يبقى مجرد كلام ".
هنا أصل الحكاية وأصل "صفقة القرن "
حيث خارطة الصراعات بين الدول العربية غير خارطة طريق الصراع حول فلسطين
وهنا يقول نزار قباني :
ما دخل اليهود من حدودنا / وإنما تسربوا كالنمل من عيوبنا .
وفي العودة إلى البدايات إفادة .
بحسب المستشرق الفرنسي مكسيم رودونوسون الذي قضى سنوات عدة بين لبنان وسوريا في عقد الأربعينيات من القرن العشرين ، وكان شاهدا على مفاصل الإحتلال الإسرائيلي ونشوء " مملكة بن غوريون الأولى " ، أن السلطات المصرية ما كان همها آنذاك أكثر من إبعاد الأردن عن توسيع نفوذه نحو مدينة القدس والضفة والغربية ، فيما انشغل الأردن بتأكيد هذا النفوذ ، وما بين الإنشغالين كان الغزاة يتوسعون في الديار الفلسطينية .
هذا المفصل من الصراعات بين العرب والعرب ، يشير إليه الرئيس اللبناني الأسبق بشارة الخوري فيقول في مذكراته المعنونة ب " حقائق لبنانية:
" ساءنا أن حكومتي الأردن والعراق اختلفتا رأيا مع حكومتي مصر والمملكة العربية السعودية في ضم الجزء العربي من فلسطين إلى الأردن ، وقد يؤدي الخلاف إلى أزمة بين الدول الشقيقة ، وفي 13 نيسان عاد رياض الصلح من القاهرة واتضح لنا أننا لانستطيع أن نغير كثيرا في مجريات الأمور ، وفي 11 نوار جاءتنا أخبار تنذر بخطر يهدد حياة الجامعة العربية ، فقد وقفت حكومة مصر موقفا عدائيا علنيا من حكومة الأردن ، وخيرت مندوبي الدول العربية في واحد من أمرين : إما إخراج الأردن أو خروجه من الجامعة ".
أيضا حول الأردن ومصر في المرحلة الملكية يورد الأمير شكيب ارسلان في " مدونة العالم العربي " :
" اقترحت الحكومة المصرية في 15ـ5ـ1950 في اجتماع مجلس جامعة الدول العربية فصل الأردن عن الجامعة لضمها القسم العربي من فلسطين ، وقد وافقت كل من السعودية وسوريا ولبنان على هذا الإقتراح ".
ذاك كان في العهد الملكي
فماذا تغير في العهد الجمهوري ؟
العودة إلى مقالات محمد حسنين هيكل تغني وتسمن :
يكتب هيكل عن الأردن في مجلة " آخر ساعة " (1ـ 5ـ1957) فيقول : " نساء ورجال فى القصر يحترفون المتاجرة فى النفوذ، ويمدون أيديهم لكل من يدفع ، ولا يتورعون حتى عن تهريب الحشيش، والله فى عون شعب الأردن ... وفى عون ملك الأردن أيضاً ، هذا الملك الذى يحاولون اليوم إظهاره بصورة الذي يستعين بنفاثات أمريكا وصواريخ أمريكا وقنابل أمريكا وطائراتها وبوارجها ومدمراتها ليحفظ عرشه على جبل من جماجم شعبه ".
لم يتغير شيء من عهد إلى عهد
العقل هو العقل
ومن بنات أفكار هذا العقل يكتب محمد حسنين هيكل في الثلاثين من آذار / مارس 1962 بعنوان " أحلاف الكراهية " فيقول :
" لمن الحرية ؟ أهي للملك حسين بن طلال يواصل بيع الخيانة لنفس المشتري الذي تعامل من قبل مع أجـداده ، ويضع على العرش الذى يحكم أغلى جزء من فلسطين فتاة (زوجته) جاء بها من البلد الذى سرق لليهود أكبر جزء من فلسطين؟ "، وفي الثامن من آب / أغسطس 1962 وضعت صحيفة " دمشق " السورية هذا العنوان الصارخ في أعلى صفحتها الأولى : " عبد الناصر وراء محاولة اغتيال الملك حسين ".
و " العهد الثالث" الذي قاده الرئيس الراحل أنور السادات يمكن العثور على "خلاصته " من خلال العناوين الرئيسة الواردة في صحيفة " الرأي " الأردنية (7ـ4ـ1972) والتي جاءت على الوجه التالي : " السادات يقطع علاقات مصر مع الأردن ـ خطوة سلبية للرئيس المصري تخدم العدو والمتاجرين بالقضية ".
ذاك وجه أول من وجوه الصراعات العربية ـ العربية
هذا وجه ثان إنما بين العراق ومصر
كتب محمد حسنين هيكل بتاريخ 18ـ2ـ 1958: " إن العراق الحاكم يحكمه حلف بغداد، والأردن الحاكم يحكمه مشروع أيزنهاور، وأصحاب حلف بغداد، هم نفس أصحاب مشروع أيزنهاور ، الحلف والمشروع كلاهما يتبع نفس النبي ويُصلي لنفس الإله متجها إلى نفس الكعبة في واشنطن ".
ما سبق قوله عن محمد حسنين هيكل يوجز القاعدة المضطربة للعلاقات المصرية مع العهد الملكي العراقي ، وهذه أربع "دواحس" عراقية:
ـ يقول وزير الخارجية العراقية الأسبق عدنان الباجه جي في مذكراته " صوت العراق في الأمم المتحدة ": " إن العراق كان يعد يومئذ عدوا لمصر ولحاكمها جمال عبد الناصر".
ـ ويقول ابراهيم الزبيدي المدير الأسبق للإذاعة العراقية في كتابه " دولة الإذاعة ": " إن الحكومة العراقية لم تدن العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956.
ـ وأما هاني الفكيكي القيادي البعثي المعروف ، فيقول في كتابه " أوكار الهزيمة " إن إذاعة بغداد ، وخلال العدوان الثلاثي على مصر كانت تبث أغان فيها نوع من التشفي ، ومن هذه الأغاني " الليلة عيد " و " البوسطجية اشتكوا " ، في إشارة تسخيف لمهنة والد الرئيس المصري جمال عبد الناصر .
ـ ومن المقالات الذائعة الصيت عن "المخاوف " العراقية من الوحدة المصرية ـ السورية عام 1958 ، مقالة لرئيس الوزراء العراقي الأسبق فاضل الجمالي بعنوان : " إتحاد أم تحدي؟ ".
ومثلما لم تختلف قواعد اضطراب العلاقات بين القاهرة وعمان بعد إسقاط الحكم الملكي في مصرعام 1952 ، فإن قواعد الإضطراب نفسها بقيت مستبدة بالعلاقات بين القاهرة وبغداد بعد إسقاط الحكم الملكي العراقي عام 1958، ومن شواهد ذلك ما يكتبه محمد حسنين هيكل عن فترة حكم اللواء عبد الكريم قاسم في العراق ، ففي الثامن من كانون الأول / ديسمبر 1961 كتب هيكل قائلا :
" اللواء عبد الكريم قاسم ليس عقبة فى وجه الإستعمار، ولا فى وجه الرجعية‍، لقد أمّن مصالح الإستعمار في بترول العراق ولم يجد فى طاقته غير تهديدات فارغة لم تعد تخيف، بل حتى لم تعد تُنشر فى الصحف استهتارا بصاحبها واستخفافا بوزنها، صحيح أن اللواء عبد الكريم قاسم، خدم بوعي منه أو بغير وعي خطة الإستعمار، وهو على استعداد لأن يواصل الخدمة، ولكن المشكلة ليست هنا ، المشكلة أن الاستعمار الآن هو الذي لم يعد يريد خدمات اللواء عبد الكريم قاسم".
سقط عبد الكريم قاسم ، جاءعبد السلام عارف ، رحل عبد السلام عارف وجاء عبد الرحمن عارف ، سقط عبدالرحمن عارف وجاء حزب "البعث" إلى رأس السلطة العراقية بإنقلاب عام 1968، وفي 21 آب/ اغسطس 1970 تنشر صحيفة " الأنوار " اللبنانية في صدر صفحتها الأولى حديثا ومقالا لمحمد حسنين هيكل عنوانه :" البعث العراقي مجرد تاجر سوق سوداء ".
وفي السياق ، على قاعدة الساق على الساق كتب هيكل (15ـ 12ـ1961) بعنوان " وحدنا في المعركة " :
" فعلت الأحزاب الشيوعية فى العراق نفس الذي فعلته العناصر الرجعية بعد ذلك فى سوريا، وحزب البعث العربي ، خرجت المعركة من حدود طاقته ، فانسحب منها إلى بعيد، نصفه الآن فى دمشق تحت قيادة أكرم الحوراني ، يهادن الرجعية ويتعاون معها ويقول اتركوني أتكتك! وهو مازال "يتكتك" حتى الآن!، أما النصف الثاني من حزب البعث فهو الآن فى بيروت تحت قيادة ميشيل عفلق يحاول أن يلتقط أنفاسه ولا يعرف له رأساً من قدم ".
وكان هيكل كتب ( 17 ـ11ـ 1961) عن قادة حزب "البعث " فقال :
ـ " ميشال عفلق ، حين التقيت به تبدد خيالي القديم ، كانت الألفاظ تضيع منه ومني على لسانه ، وكان يستريح نصف ساعة بين الكلمة والكلمة.
ـ " صلاح البيطار، كان وقتي يضيع معه وأنا أراقبه ساعة بعد ساعة، وهو يقرض أضراسه ويمضغها.
ـ " أكرم الحوراني ، زادت حيرتي فيه بعد لقائي معه ، عما كانت عليه قبل هذا اللقاء ، فلقد كان معظم ما سمعته منه لا يزيد على قوله أن فلانا آدمي وفلان الآخر رذيل ".
هذا النوع من "الحروب الإعلامية " الذي أشعل العلاقات المصرية ـ السورية إثر سقوط الوحدة الثنائية عام 1961، قابلتها الصحف الصادرة في دمشق بحملات بركانية فظيعة ومركزة ضد الرئيس جمال عبد الناصر ، وهذه نماذج من عناوين الصحف السورية الصادرة آنذاك:
ـ صحيفة " الأيام " : حلب تنادي : لاوحدة مع الديكتاتورية ـ تطهير حي الكلاسة في حلب من عناصر الشغب والتخريب الناصري(15ـ7 ـ1962).
ـ صحيفة " الأخبار " : اتصالات سرية بين إسرائيل وعبد الناصر وبيع قضية فلسطين بمائة مليون دولار (23 ـ 7ـ 1962).
ـ صحيفة " دمشق " : عبد الناصر يحلم بالعودة إلى سورية ـ اكتشاف خلايا تخريبية في دمشق وحمص وحلب وعناصرمتسللة من لبنان (23 ـ 7ـ 1962).
ـ صحيفة " دمشق " : وثيقة ناصرية تحرض على الفتنة وعبد الناصر يعترف بفشل الإنقلاب ويحرض على إهراق الدماء في سورية (15 ـ 8ـ 1962).
ـ صحيفة " البيان " : وثيقة دامغة تؤكد الخيانة الناصرية ـ كيف باع عبد الناصر القضية الفلسطينية لقاء بعض الفضلات التموينية الأميركية (28 ـ8 ـ1962).
من مناخات الإضطراب التي خيمت سنوات عدة على العلاقات المصرية ـ السورية إلى المناخات المماثلة بين مصر والسعودية ، وربما هذه العلاقات لا تحتاج إلى كثير من الإستدعاء والإستحضار ، خصوصا خلال عقدي الخمسينيات والستينيات الماضيين ، فهي ثبتت على التردي والسوء والأسوأ ، ولكن ما أفرزته تلك المرحلة من هزيمة كارثية في الخامس من حزيران/ يونيو 1967، امتدت نتائجها لتشكل أعمدة " صفقة القرن"، توجب التوقف عندها كما غيرها ، وهذه مفاصل منها :
ـ في 12 ـ 3ـ 1958 يكتب محمد حسنين هيكل :
" كان جمال عبد الناصر يستعد ليركب طائرة إلى الرياض في نفس الوقت الذي كانت فيه الرياض تريد أن تدمر طائرة يركبها عبد الناصر، هذه المؤامرة التي دبرت تفاصيلها، ورتبت دقائقها، باسمك يا صاحب الجلالة ( الملك سعود)، وكما يتعلق الغريق - غريق بحر الأسى والألم - بعود قش طاف على سطح الموج ، تعلقت وتعلق غيري من ملايين العرب بهذا البلاغ الذى أصدرته حكومتك فى الرياض والذى جاء فيه : لقد أمر جلالة الملك في الحال أن تشكل لجنة عليا للتحقيق في هذا الأمر لإظهار معمياته ومقاصده، وستنشر الحكومة هذا التحقيق فور الإنتهاء منه.
" ليس هذا هو المهم فى المسألة كلها، مع أن هذا كله مروع ومخيف، وإنما المهم يا صاحب الجلالة هو: لماذا فعلتها ، وكيف أقدمت عليها؟ كيف طاوعك الضمير، كيف طاوعك الشرف، كيف طاوعتك تقاليد العرب ؟".
ومن وقائع الحروب والحملات الإعلامية التي تبادلتها القاهرة والرياض في عقد الستينيات ، وعكستها عناوين الصحف بشراسة بالغة ، عنوان تصدر رأس صحيفة " عكاظ " السعودية (23 أيار/ مايو 1962) وكان على هذا الوجه : عبد الناصر كافر بإجماع الأمة .
ماذا يقال بعد ذلك؟
لا يقال شيء
لا يقال شيء ، لأن نكبة حزيران/ يونيو 1967، كانت قد اكتسحت القوم والجمع ، وما تلاها وأعقبها من حروب وصراعات ونزاعات بين العرب والعرب ، لم تعد أكثر من هامش إضافي على دفاتر النكبة الحزيرانية التي استولدت " صفقة القرن " من رحم "حرب الأيام الستة "
قبل نكبة حزيران وبعد نكبة حزيران
وقبل صفقة القرن وبعد صفقة القرن
لا يجيد العرب إلا إنشاد بيت شعر واحد من العصر الجاهلي :
وأحياناً على بَكرٍ أخينا / إذا ما لم نَجِد إِلا أخانا.
كارثة العرب : أننا لا نجد إلا أخانا
إلا أخانا ...من الجاهلية حتى صفقة القرن .
............................................................................................
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 9