كتب بسام القاضي: لماذا تهاجم "الميادين" المجتمع المدني؟

خاص آسيا

2020.01.27 - 04:25
Facebook Share
طباعة

لم يتوقف الهجوم على "المجتمع المدني" في المنطقة العربية، كما لم يتوقف الهجوم على "الديموقراطية" و"الحرية"، وإن كانت الأخيرتان تم التلاعب بهما ليخرج السادة المهاجمون بخزعبلات "ديمقراطيتنا" و"حريتنا" التي تلائم "لبوسنا"!
 
لكن الغريب أن تنضم قناة "الميادين" إلى هذا الهجوم عبر برنامج جديد عن "حروب الجيل الخامس"، إذ يعد "البرومشن" الدعائي للبرنامج "المجتمع المدني" من بين الأسلحة الجديدة التي يخرب بواسطتها الغرب كل الدول التي لا يرضى عنها، إلى جانب الانترنت والاستخبارات!
 
أن تناقش تجربة "المجتمع المدني" في المنطقة، وما تسببت به بعض أوجهه من كوارث، وأسباب ذلك ودروسه، هو أمر واجب على كل مهتم بمجتمعاتنا. فالتجربة مريرة. لكن أن يسوق البعض سياقة الأنظمة الاستعبادية و"مفكريها"، ويتهم المجتمع المدني بأنه مطية للغرب الاستعماري وثكنته المتقدمة "إسرائيل"، فهو أمر آخر تماماً.
 
وبعيداً عن التنظيرات الفارغة، ليس المجتمع المدني سوى "المنظمات" التي تؤطر عمل المجتمع وتفاعله، وبالتالي مصالحه، ضمن محاور مختلفة، وعلى أرضيات مختلفة، بعضها سياسي وبعضها اقتصادي وبعضها اجتماعي.
 
وما تختلف به عن "المجتمع الأهلي" أنها، أي منظمات المجتمع المدني، فوق طائفية، وفوق حزبية، وفوق قبائلية. فالدين (كل دين، وكل طائفة) بالضرورة طائفي لأنه يعتقد بأن "أتباعه" هم أفضل من غيرهم، وبالتالي فمنظماته تعبر عن تجمع ديني، لا تجمع "مدني". كذلك الأمر مع الأحزاب التي تجمع أتباعها على اعتقاد أساسي بأنها الأفضل، وإن كانت أقرب إلى "المجتمع المدني" من الدينية.
 
من جهة أخرى، لا يمكن تكون منظمات المجتمع المدني "غير وطنية" تحت أي سبب أو هدف. فهي تقوم بالتحديد بتأطير القوى في مجتمع ما، لخدمة مصالح هذا المجتمع حصراً. وبالتالي فأي منظمة تخرق الأسس المتفق عليها على مفهوم "الوطنية"، تخرج من هذه التسمية. وبالتأكيد ليست السفطسات التي أشاعتها الأنظمة الاستعبادية عن "الوطنية" هي المعنية هنا، فهذه الأنظمة حولت المجتمع كله، والوطن كله، إلى مزرعة خاصة بها، ومسخت مفهوم "الوطنية" ليطابق سلطتها.
 
ومنظمات "المجتمع المدني" على هذا النحو الصحيح والبسيط، هي الأساس في وجود دولة حديثة، وهي القادرة على القيام بمهام لا يستطيع غيرها القيام بها، مثل مراقبة السلطة التنفيذية التي تنحو إلى الطغيان بطبيعتها، والحد من تغول القطاع الخاص الذي لا يهمه سوى تكديس المال حتى على تلال من جماجم الفقراء، والتخلص من أغلال "العادات والتقاليد" التي صار أغلبها متعفن لا يفعل سوى أن يدمر الحياة يوماً بيوم، والدفاع عن مصالح قطاعات معينة تجمعها مهنة أو نشاط معين، وتحسين حقوق فئة معينة تعاني من التمييز..
 
وهذه المهام لا تستطيع أفضل دولة في الخيال، عداك عن العالم الحالي، أن تقوم بها. ليس فقط لضخامة الإمكانيات التي تحتاجها إذا تحولت إلى "وظيفة حكومية"، بل أيضاً لأن بعضها هو، فعلاً، بمواجهة إحدى أهم تجليات "الدولة": النظام والحكومة.
 
تجربة سورية وليبيا (ومصر إلى حد ما) في مجال "المجتمع المدني" تجعل العاقل "يكفر" بها، بالتأكيد. فقد حولت (أغلبها) المفهوم والفكرة والترجمة العملية إلى سلاح طائفي هادم لأسس وجود الدولة والمجتمع.
 
لكن تجربة تونس على العكس من ذلك، فقد شكلت الأساس المتين لنهوض المجتمع والدولة، والانتقال إلى مرحلة جديدة من العقد الاجتماعي، وأظهرت ووظفت قوى المجتمع لصالح استقرار الدولة والوطن، على نحو ملفت.
 
واليوم، تراوح تجربة لبنان والعراق على حافة الهاوية، بين أن تسقط في أتون التجربة السورية/الليبية، أو أن تتمكن من "ضبط نفسها" وإيقاعها، وبالتالي تحقق الهدف المعلن الأساسي منها، أي تحقيق ذلك الانتقال من "نظام" فاسد ومفسد، إلى نظام أفضل.
 
وفي التجربة العملية، فإن تميّز تونس في دور المجتمع المدني فيها يعود إلى أن تنظيم المجتمع المدني فيها كان متقدماً على غيرها. بينما مصر التي شهدت نوعاً من "الانفتاح" الديموقراطي خلال العقدين الماضيين، لكنه لم يتح المجال لأبعد مما تريده أجهزة السلطة. وكان الأمر أشد سوءاً في سورية وليبيا. (دون إغفال العوامل الأخرى: التدخل الخارجي، الاقتصاد، التمزق الطائفي).
 
فلو تمتع المجتمع السوري بإمكانية تنظيم المجتمع المدني، لكان تمكن من تنظيم الكثير من شبابه ضمن "منظمات" تضمهم إلى العمل المدني (المعادي بنيوياً للعنف والتمييز الديني والطائفي)، ولتمكن من الارتقاء بوعيهم بأهمية وجود الدولة، وضرورة الحفاظ على الهوية الوطنية، ولكان قادراً أكثر على مقاومة كل هذا الانهيار المجتمعي الذي نشهده اليوم.
 
والانهيار المجتمعي الذي نشهده اليوم، بعيداً عن التضليل المتعمد أو الغبي، هو على حافة التمزق التام. فالتعصب الطائفي (في جميع الأديان والطوائف بلا استثناء)، لم يعد "عيباَ"، بل أمر يفاخر به السوريون جميعاً، كل حسب دينه وطائفته، بل حتى وعشيرته! ولا يختلف الأمر كثيراً مع التعصب القومي!
 
وإذا كان البعض يبرر اتهام "المجتمع المدني" بدلالة ما فعلته التجربة، فإن الأولى أن يتهم أرباب الأديان والطوائف، وقد أثبتوا قدرة استثنائية على الإجرام العابر للدول! وأن يتهم أرباب الأنظمة الذين لم يوفروا طريقة ليدمروا المجتمع بها على أمل أن تمزيقه يضمن بقاءهم لأطول مدة ممكنة! وأن يتهم كل الأحزاب السياسية التي عملت بدأب، على مدى عقود، على تخريب وتهميش مفاهيم الوطن والوطنية، وتحويلها إلى عبادات لزعمائها الأحياء أو الأموات!
 
تجربة المجتمع المدني في المنطقة العربية تحتاج فعلاً إلى قراءة موضوعية وعلمية، قراءة عاقلة، وليس إلى المزيد من التدمير والتخريب التي لا تخدم سوى أعداء هذه المنطقة.
 
ولنتذكر فقط، بأن ما يخيف الغرب الاستعماري ليست "جحافل" الجيوش العربية وقدراتها الدفاعية التي لن تصمد، مجتمعة، أكثر من بضعة أسابيع أمام هجوم "جدي" من الناتو مثلاً. بل إن ما يخيفه فعلاً وحقاً هو قيام مجتمع مدني منظم وواعي، لا يمكن لآلته العسكرية والاقتصادية أن تفعل معه شيئاً سوى "الاحترام"!
 
هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي وكالة "آسيا"
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 4