متى ينجح حسان دياب ومتى يفشل ؟

بقلم : توفيق شومان.

2020.01.27 - 09:58
Facebook Share
طباعة

 


في الحكومة اللبنانية الجديدة وزراء محترمون ، خبراء وآكاديميون في مجالات أعمالهم ، بعضهم أصدقاء ، وبعضهم في قائمة المعارف ، وآخرون خرجوا من داوئر الظل ، لكن سيرهم الذاتية والمهنية والعلمية تنطوي على كفاءات راجحة وتجارب ناضجة .
سمعتُ أو شاهدتُ أغلب الإطلالات الإعلامية للوزراء الجدد
لأول مرة منذ عقود ـ ربما ـ يعرف لبنان وزراء يعرفون كيف يتكلمون
لأول مرة منذ عقود ـ تقريبا ـ يعرف لبنان وزراء يفكرون ولا يشبحون
ولأول مرة منذ عقود يعرف لبنان وزراء مسلحين بعقولهم وليس بألسنتهم الطويلة والتافهة .
قرأتُ لوزيرالخارجية ناصيف حتي عشرات المقالات والأبحاث المنشورة في الصحف اللبنانية والعربية وفي دوريات استراتيجية وبحثية معمقة ، من مثل " المستقبل العربي " وشؤون عربية " ، ومن كتبه " القوى الخمس الكبرى والوطن العربي " و " النظرية في العلاقات الدولية " .
وزيرفي مكانه
لغته ، مفرداته ، مصطلحاته ، خبرته و تجربته الدبلوماسية في جامعة الدول العربية ، تجعله جديرا بإدارة علاقات لبنان الخارجية ، وبما يعيد إلى الذاكرة صفحات جليلة من العصر الذهبي للدبلوماسية اللبنانية التي قادتها نخبة مرموقة من نوع سليم تقلا وفيليب تقلا وفؤاد عمون وفؤاد نفاع وفؤاد بطرس ، وقبلهم شارل مالك في حال إزاحة النقاش الملتبس حول دوره في أحداث العام 1958.
وزيرالمالية غازي وزنه ، من هذا الصنف ، رفيع في خبرته وتحليله وآكاديميته ، وهو من القلة النخبوية والرصينة التي تلقى إجماعا تقديريا لبنانيا حيال عمق كفاءتها ودقة رؤيتها .
آخرون من الوزراء الجدد في قائمة التقدير والإحترام ذاتها.
لكن :هل تكفي جدارة الوزراء الجدد لنجاح الحكومة الجديدة ؟
طبعا لا ...
متى يمكن أن تنجح حكومة حسان دياب إذا ؟
لنلاحظ بداية أن أغلب الوزراء الجدد تنصلوا من الإنتماءات الحزبية ، وذهب بعضهم إلى الإقتراب من إشهار اليمين المغلظة بإنعدام السابقات المتحزبة لهم وخلو ماضيهم من التحزب والتحزيب .
هذا ليس في صالح الأحزاب
وهذا يعني افتراض يضمر إدانة لأداء العمل الحزبي الحكومي أو نعتا لا يستحق رفع القبعة احتراما له.
وهذا يعني أنه يمكن للقوى السياسية أن تقرع جرس مراجعة سلوكها السياسي والوزاري ، وتتحسس مخاطر الإستمرار في ماضياتها الخاويات من برامج إدارة الدولة ، تلك الماضيات الحافلات بسجلات التلاعن والتنابذ والتلذذ بسياسة التعطيل وتبادل التنكيل.
ألفباء نجاح حكومة حسان دياب تخط أسطرها الأولى من :
أن يصوغ الوزراء الجدد مساحة مستقلة عن القوى السياسية التي رعت إنتاج الحكومة ، والإستقلالية لاتستبطن معنى التناقض مع القوى المذكورة ، ولا الإنقلاب عليها ، إنما تعني قناعة هذه القوى بأن الوزراء الجدد ليسوا " أجراء " استاجرت بهم القوى السياسية أو إستأجرتهم لقاء أبدال ومناصب ومقامات ، بل تعني ضرورة عدم " اعتقال" عقولهم وإطلاق سراح آليات تفكيرهم ، وعدم ابتداع صيغة " الوزيرالظل " و " الوزير الواجهة " ، بحيث يتحول الأخير عقلا ظاهرا يأتمر بتعليمات "العقل الظل" ، فيديره كيفما شاء وكيفما أراد.
بهذه الطريقة كأنك ما غزيت يا أبو زيد
وبهذه الطريقة تُستعاد وتُستجلب معاني وأبعاد ما قاله إبن الرومي في عصرعباسي مضى وخلا :
أقام يُجهد أياما قريحته / وفسر الماء بعد الجهد بالماء.
تلك أسطر أولى لنجاح حكومة حسان دياب ، ويعقبها أسطر تالية :
حين انطلق الحراك الشعبي في السابع عشرمن تشرين الأول / اكتوبر الماضي ، أجمعت القوى السياسية اللبنانية على القول بأن جسر الثقة مفقود بين الطبقة السياسية واللبنانيين ، الأمر الذي يعني بحسب القوى إياها تشكيل حكومة انقاذ تعيد ترميم الثقة المنهارة بين الناس وأهل السياسة.
على هذه الحال تغدو الثقة المأمولة حاجة ضرورية لتكتسب حكومة حسان دياب شرعية وجودها .
وهذه الشرعية تفترض اجتراح إجرءات أو ملامح إجرءات عملية عاجلة يلمسها اللبنانيون في واقعهم المعيشي والحياتي ، وفي طليعة ذلك، الحد من الإنهيارالمالي والإقتصادي ، فاللبنانيون لا ينتظرون طوق نجاة عاجلا وسريعا، فذاك من المستحيلات المتخيلات المستبعدات عن أذهانهم ، فيما لجم المزيد من الإنهيار وترسيم حدوده ، سيشكل منجزا معتبرا يخيط الأطراف الأولى لثوب الشرعية الداخلية التي تحتاجه حكومةحسان دياب .
إذا ... هي الشرعية الداخلية وعنوانها الثقة الشعبية
فما هي شكيمة وشوكة حكومة حسان دياب لتطويق الإنهيار الإقتصادي وحصره في ويلاته الراهنة؟.
وإلى الشرعية الداخلية شرعية أخرى هي الشرعية الخارجية
وهذه الشرعية تحتاج مصداقيتين حددتهما " مجموعة العمل الدولية " في اجتماع العاصمة الفرنسية ، باريس ، خلال كانون الاول / ديسمير الماضي ، وهما :
ـ حكومة ذات مصداقية
ـ موازنة ذات مصداقية
ذلك يعني، أن أداء الحكومة تحت امتحان الرقابة الدولية ، وأي ضوء أخضر " لإسباغ " الشرعية الخارجية " على حكومة حسان دياب ، مرتبط بالأحكام التي يطلقها " المجتمع الدولي" على الحكومة ، وهي أحكام ستكون جوانب منها خاضعة لمراقبة آليات عمل الحكومة ودقة تعاطيها مع الواقع اللبناني المنهار ، فيما جوانب أخرى ستكون لصيقة بالمضامين السياسية الشبيهة بالشروط ومحاذير " البطاقات الحمراء" .
ما القدرة على اكتساب " الشرعية الخارجية "؟
مصداقيات وخطوط حمراء؟
هذا حمل ثقيل على حكومة حسان دياب وعبء مرهق
ما المخرج؟ ... الجواب على قارعة الإنتظار.
بعد الشرعيتين الداخلية والخارجية ، تطرق " العقدة السنية " أبواب حكومة الرئيس حسان دياب ، وهذه العقدة متمثلة بعناوين عدة أبرزها :
إن حسان دياب يأتي إلى رئاسة الحكومة من خارج "معامل تصنيع " السياسيين اللبنانيين وأركانها " ثلاثة معامل " : أولها معامل العائلات التقليدية ، وثانيها معامل الأحزاب ، وثالثها معامل المال .
لا معمل من هذه المعامل المعروفة أتى منه حسان دياب ، مما يُلقي عليه مهمة تشييد " معمله الخاص " في بيئة تتحفظ عليه او ترفضه أو تخاصمه أو تحاذره ، وليس من قبيل الإشارة العابرة إلى أن دار الإفتاء ما فتئت تحجب فيئها عنه ، فلا تلتقيه ولا تحدد موعدا للقائه.
في أحد أعداد الصحيفة البيروتية " صوت العروبة " الصادر في حزيران / يونيو 1981 جاء العنوان التالي : المسلمون السنة يعانون فراغا في تمثيلهم .
كيف يمكن تفكيك هذه العقدة ؟
وما سبيل الإنتقال من التعقيد إلى التفكيك؟
هذا في علم إدارة رئيس الحكومة الجديد ووزرائه الجدد.
بعد " العقدة السنية " ، تأتي " نظرية الفرصة " ، وإذا كانت مقولة الفليسوف الصيني العظيم كونفوشيوس تعتبر أن كل أزمة هي فرصة للتصويب وبناء الجديد ، فإن " نظرية الفرصة " في الثقافة السياسية العربية لا تعني أكثر من تجعيل الناس مطواعين لإستمرار سوء أحوالهم ، وقد اعتاد أهل السياسة العرب وإثر كل احتجاج وانتفاضة غضب على شرور فسادهم أن يخرجوا على الناس ويقولون : اعطونا فرصة.
يطلبون من الناس فرصة
من أين يأتي الناس بالصبر حتى يأخذ السياسيون فرصتهم؟
حال الناس مثل حال بيت الشعر المعروف :
قالت أيا اسماعيل صبرا / قلت أيا اسما عيل صبري
هي مفارقة أن تنقلب الآيات على أعقابها ، فيرفع أهل السياسة لائحة مطالب تواجه لائحة مطالب الناس .
هذا لا يجدي ولا ينفع ، تماما مثل حال " الهراوة الأمنية " التي لا تنتج سوى مزيد من النقمة والحنق وضيق الأنفاس.
عودة إلى كونفوشويس ومقولاته ، ومنها :
العقاب ينتج ناقمين وأفرادا أشرارا
الأفعال الفضيلة تنتج أسوياء وأفرادا فضائل .
ومن منظور مقولات كونوفوشيوس ينتظر الناس أفعال الحكومة ، أفعالا فضيلة ، أفعالا تلمس الناس مفاعيلها في العيش والأحوال ، وأما الإستناد إلى مقولة " اعطونا فرصة " ، فهي دالة سلبية على عمل الحكومة وليست دليلا إيجابيا إليها.
بعد حين سيقول الناس لحكومة حسان دياب ما قاله ابن الرومي :
قدمت لي وعدا فأين نجاحه / قد حان يا ابن الأكرمين سراحه
ماذا سيكون الجواب ؟
الأمنيات ... ألا يكون جواب الرئيس حسان دياب مثلما كان جواب الرئيس أمين الحافظ بعد اعتذاره عن الإستمرار في رئاسة الحكومة إثر استقالة الرئيس صائب سلام ، إذ قال أمين الحافظ كما جاء في عنوان صحيفة " النهار " بتاريخ 15حزيران / يوينو 1973: هزموني ...لكنها أشرف هزيمة .
قال أمين الحافظ : هزموني ...
ماذا سيقول حسان دياب ؟.
عشتم وعاش ولبنان
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 1