طلاب الكليات العملية في الجامعات المصرية أمام معضلة : الدفع أو الرسوب

أحمد عبد الحميد - القاهرة

2020.01.25 - 08:31
Facebook Share
طباعة

 تعددت أزمات ارتفاع الأسعار في مصر خلال الآونة الأخيرة بدرجة كبيرة، لتنال طلاب الكليات العملية في كافة الجامعات الحكومية والخاصة المختلفة، ما بين كليات الطب والصيدلة والعلوم والفنون التطبيقية والفنون الجميلة وغيرها، حيث ارتفعت أسعار الأدوات العلمية التي يستخدمها طلاب هذه الكليات بشكل كبير قارب الضعف وأكثر، ما أثر بالسلب على كثير من الطلاب، لاسيمًا غير المقتدرين منهم، الذين لم يجدوا أمامهم بدًا من البحث عن حيل لتوفير النفقات، والتي تؤدي بدورها في أغلب الأحيان إلي فقدانهم كثير من الدرجات في الاختبارات العملية، ومن ثم حصولهم على تقديرات منخفضة في نهاية العام الدراسي.

 
وفقًا لبيان صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري، في أكتوبر / تشرين الأول الماضي، بلغ عدد الطلاب المقيدين بالتعليم العالي للعام الجامعي الماضي نحو 3 مليون و104 ألف طالب، مقيد منهم في الجامعات الحكومية والأزهر نحو 2 مليون و263 ألف طالب، ما هو نسبته 72.9% من إجمالي طلاب التعليم العالي، في حين سجل عدد الطلاب المقيدين بالجامعات الخاصة 195 ألف طالب، بنسبة 6.3% من إجمالي طلاب التعليم العالي، بينما يوزع باقي عدد الطلاب على المعاهد العليا الخاصة، والأكاديميات، والمعاهد الفنية فوق المتوسطة، والمعاهد المتنوعة.
 
الطب البشري.. شراء الأدوات على مراحل
في كلية الطب البشري كانت المعاناة التي لا مفر منها حسبما أوضح "محمد فاضل" الطالب بالسنة الخامسة لكلية الطب البشري بجامعة الأزهر، حيث هناك مجموعة من الأدوات الطبية يستخدمها الطالب في الكلية لا غنى عنها، ومنها "السماعة والترمومتر وجهاز الضغط والمطرقة الطبية والمازورة"، مشيرًا إلى أن أسعار هذه الأدوات في الظروف العادية كانت تشكل عائقًا أمام طالب كلية الطب، ما زاد الأمر تعقيدًا بعد ارتفاع الأسعار.
 
ويبيّن فاضل ارتفاع الأسعار قائلا: "السماعة المتوسطة كنا نشتريها بـ 150 جنيه بينما الآن سعرها وصل إلى ما هو أكثر من 250 جنيه، وجهاز قياس ضغط الدم الذي كان سعره 200 جنيه، وصل الآن إلى 400 جنيه وأكثر، حتى المطرقة اللتي كانت بـ 20 جنيه وصل سعرها إلى 50 جنيه، وهكذا في كافة الأدوات التي نحتاج إلها، كل منها زاد الضعف وأكثر". موضحًا أن اقتناء الطالب لهذه الأدوات يعد أمرًا إجباريا حتى لو لم يتم استخدامها، وحتى لو كان الطالب غير قادر على شرائها، يقول: "حتى يحاول الطلاب توفير النفقات منهم من يشتري هذه الأدوات على مراحل، فيشتري مثلا السماعة في بداية العام، وبعد شهرين من الدراسة يشتري جهاز قياس ضغط الدم وهكذا، وفي بعض الأحيان تقوم الأسر الطلابية التابعة لاتحاد الطلاب بتوفير هذه الأدوات بأسعار مخفضة، وكذلك هناك بعض المجهودات الذاتية التي يقوم بها الطلاب، فمثلا قامت مجموعة طلاب بفتح مكتبة بجوار الجامعة يحاولون توفير الأدوات بأسعار مخفضة بعض الشيء عما تباع به في أماكن أخرى تيسيرا على الطلاب".
 
ارتفاع الأسعار دفع "فاضل" وزملاؤه إلي البحث عن الأرخص، إلا أنه في الوقت نفسه لا يمكنه شراء الأدوات الصينية لرداءتها، كما لا يمكنه شراء الأدوات الألمانية، وهي الأفضل وفق حديثه، وإنما يستخدم الأدوات ذات الأسعار المتوسطة والتي "تقضي الغرض" حتى ينتهي من سنين دراسته، معبرًا بقوله: "هذه الأدوات كلما قل سعرها كلما قلّت جودتها وكانت متعبة أكثر لمستخدمها".
 
الأسنان والصيدلة.. لا بديل عن غالي الثمن
في كلية طب الأسنان للجامعة نفسها، أشار طالب، فضل عدم ذكر اسمه، أن استخدام طلاب كليات طب الأسنان للأدوات الطبية يزيد عامًا بعد عام، بحيث تكون السنة الثانية هي البداية الحقيقة لاستخدام الطالب إلى كميات كبيرة من الأدوات، وهو الأمر الذي يمثل عائقا أمامه، خاصة وأنه في السنة الرابعة، يقول: "من الأدوات التي نستخدمها بكثرة في الكلية أطقم الأسنان الصناعية، والطقم الواحد منها يصل سعره حاليًا إلى نحو ألف جنيه، بعدما كان سعره لا يتخطى 500 جنيه، في الوقت الذي أتحمل أنا فيه تكلفة تركيب هذا الطقم للمريض المُعالج في مستشفى الكلية، حيث يكون مطلوب مني في العام الواحد تركيب 8 أطقم أسنان كنوع من التدريب العملي، فضلا عن أدوات الحشو التي بلغ سعرها ألف جنيه أيضًا بعدما كانت لا تتخطى 300 جنيه، بالإضافة إلى أدوات حشو العصب التي يجب أن أشتريها بداية كل عام بـ 1700 جنيه، وكل نوع من هذا يكون تابع لمادة مختلفة وهو الأمر نفسه في مختلف المواد الدراسية".
 
وأوضح الطالب أن هناك بعض كليات طب الأسنان في الجامعات الأخرى توفر لطلابها بعض الأدوات التي يستخدمونها، على عكس كليته التي لا توفر له أي شيء من أدواته بحسب قوله، مضيفًا: "بعد هذه الأسعار الجديدة لم يعد هناك ما يندرج تحت مسمى الأدوات الرخيصة التي تناسب مستوى الطالب العادي، وهناك طلاب لا يتمكنون من أداء الجزء العملي في الكلية لأنهم غير قادرين على شراء هذه الأدوات، وبالتالي يخسرون درجات كثيرة ومن الممكن أن يرسبوا في المادة".
 
ولم يختلف الوضع كثيرًا مع طلاب كليات الصيدلة، فيقول أحمد عصام، طالب بكلية الصيدلة جامعة عين شمس، أنه بالإضافة إلي صندوق الأدوات الذي يشتريه طالب الصيدلة في السنة الأولى له بالكلية، فإنه مع بداية كل عام يقوم بشراء مجموعة أخرى من الأدوات مثل الأنابيب والقوارير الزجاجية والمساند وغيرها، والتي تختلف من حيث الحجم والمساحة، كلٌ على حسب الغرض من استخدامه، مضيفًا: "أسعار هذه الأدوات زادت أكثر من الضعف خلال الآونة الأخيرة، وصندوق الأدوات الذي كنا ندفع فيه 100 جنيه، وصل إلى 200 جنيه، هذا غير باقي الأدوات التي لا غنى عنها".
ولم تكن أزمة ارتفاع أسعار الأدوات المعملية هي التي تقع على عاتق طالب الصيدلة فحسب، وإنما هناك بعض الأزمات الأخرى التي يواجهها طلاب السنوات الأخيرة في الكلية، يقول "عصام": "يُطلب منا في الأعوام الأخيرة الكثير من المشاريع التي تحتاج إلى طباعة أوراق بشكل كبير، وهذه الأمور أيضًا أصبحت تكلف الكثير عما كانت عليه من قبل، فضلا عن أسعار المراجع التي نحتاج إليها بشكل مستمر". وهو الأمر الذي دفع "عصام" وأصدقائه في الكلية إلى البحث عن طرق بديلة يتمكنوا من خلالها توفير بعض النفقات: "فيما يخص المذكرات والمراجع نحاول توفيرها بنسخ pdf بدلا من شرائها، وهو الأمر نفسه بالنسبة للأدوات، أصبحنا نتشارك فيها، كل 5 طلاب في "سيكشن" نجمع ثمن أدوات واحدة لنا جميعا نستخدمها".
 
العلوم.. معامل خالية من العينات
وتختلف أزمة طلاب كلية العلوم عن غيرهم، فلم تشتكِ "سمر رضا" الطالبة في السنة الأخيرة من قسم الكيمياء والجيولوجيا لكلية العلوم جامعة عين شمس، من ارتفاع أسعار أدواتها التي تستخدمها نظرًا لقلتها وعدم تشكيلها عائقًا كبيرا على الطلاب، وإنما كانت أزمتها الحقيقة في الأجهزة والعينات التي يفترض أن تقوم الكلية بتوفيرها.
تقول "سمر": "في قسم الكيمياء نتدرب على أجهزة لا تعمل، والذي يعمل منها يكون قديم جدًا ومتعب في التعامل معه، هذا بخلاف قلة العينات الذي نعاني منه منذ فترة كبيرة، وعندما نتحدث أو نشتكي يكون الرد بان الطلبيات الجديدة لم تصل الكلية بعد، حتى عندما يكون هناك عينات للعمل عليها تكون منتهية الصلاحية في أغلب الأحيان ما يجعل النتائج خاطئة بطبيعة الحال، وحتى يتمكنوا من توفير هذه العينات يجعلون كل 5 او 6 طلاب يشتركون في تجربة واحدة ما يقلل من الاستفادة بشكل كبير"، موضحة أن الأمر ذاته متبع في معامل الجيولوجيا التي تحتوي على "ميكروسكوبات" قديمة يعمل عليها في التجربة الواحدة نحو 5 طلاب.
 
الفنون.. إبداع تحكمه الأسعار
في كليات الفنون الجميلة والفنون التطبيقية كانت أزمة الطلاب كبيرة نظرًا لارتفاع أسعار الورق الذي يستخدمه طلاب هذه الكليات بكثرة خلال العام الدراسي في المشاريع المختلفة التي يقوموا بتنفيذها، إضافة إلي الألوان التي لم تختلف عن غيرها في ارتفاع سعرها.
تقول "آلاء محمد" الطالبة في السنة الأخيرة من كلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان قسم التصوير الجداري، إنها تعاني في الحصول على المواد الأساسية للرسم التي تستخدمها في قسمها من الزجاج، مشيرة إلى أن أسعار هذه المواد كانت مرتفعة بطبيعة الحال وهو الأمر الذي جعل أسعارها تزيد بشكل "غير معقول" خلال الآونة الأخيرة.
وتضيف "ألاء": "كان هناك مكانين معروفين نشتري منهم الأدوات التي نحتاجها، وبعدما ارتفعت الأسعار أُغلق أحدهم ولم يتبقى سوى محل واحد ما جعله يستغل الأمر ويرفع الأسعار بشكل جنوني، وأصبحنا أمام مشكلتين، مشكلة الأسعار ومشكلة عدم توافر المواد التي نحتاجها من الأساس".
تحتاج "آلاء" أن تنجز مشروعين كبيرين في كل عام، على أن تقوم بتسليم مشروع في نهاية كل فصل دراسي، بالإضافة إلى مشاريع تجريبية أخرى قبل كل مشروع نهائي، وهو ما يكلفها كثير من النفقات، تقول: "المشروع الأول كان من الممكن أن يكلفني حولي 500 جنيه، بينما الآن يتكلف أكثر بكثر، فكانت تكلفة آخر مشروع أنجزته على سبيل المثال حوالي ألف جنيه، وهكذا في كل الأدوات".
تهتم "آلاء" بتقديراتها في المواد وهوا ما جعلها تقتص بعض من مصروفها لتوفير فارق الأسعار بدلا من أن تحمل أسرتها مزيد من النفقات: "لن أتمكن من إنجاز مشروعي بجودة ضعيفة لأنني مهتمة بدرجاتي، كما أنني أرقب أن يخرج المشروع في النهاية بشكل جيد، ولكن هناك طلاب كثر لا يتمكنون من توفير ثمن هذه المشاريع ويضطرون إلى شرائها بجودة قليلة جدًا ومن ثم يحصلون على درجات متدنية في مشاريعه".
 
في حين لم تهتم "رضوى عمرو" الطالبة في قسم التصوير الزيتي من الكلية ذاتها بجودة المشروع، فذهبت إلي أدوات رديئة ترشيدًا للنفقات، تقول: "أنا أدرس 7 مواد وكل مادة لها المشاريع الخاصة بها التي أعمل عليها طوال السنة بخلاف المشروع النهائي، وبالطبع لكي أنجز كل هذه المشاريع لم يكن أمامي سوى استخدام الأدوات صينية المنشأ لتوفير بعض النفقات، فما كان سعره 10 جنيهات وصل الآن إلى 20 جنيه، حتى أن الصيني نفسه زادت أسعاره، لكنه في كل الأحوال أرحم من غيره حتى لو كان على حساب الجودة".
ويقول عبد المنعم مصطفى، الطالب بكلية الفنون التطبيقية بإحدى الجامعات الخاصة، إن ارتفاع الأسعار دفعه إلي تغيير الأماكن التي تعود أن يشتري منها أدواته، فأصبح يتردد على محلات "الفجالة" بوسط البلد بدلا من المكتبات الكبرى ليشتري الورق والألوان والأقلام الرصاص والمساطر والبراجل، في محاولة لتوفير بعض النقود حتى وإن لم تكن كثيرة، معبرًا بقوله: "أنا حاليا في آخر سنة في الكلية وهي السنة التي يكون بها أكبر عدد من المشاريع التي نعمل عليها، وبالطبع في ظل ما نحن فيه الآن تكون التكلفة كبيرة جدا".
بحسب بيان الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، الصادر في أكتوبر / تشرين الأول، من العام الماضي، يصل عدد الجماعات المصرية "الحكومية والأزهر"، إلى 28 جامعة، بلغ عدد الكليات النظرية بها إلى 513 كلية، بها مليون و756 ألف طالب، بما هو نسبته 77.6% من إجمالي عدد طلاب هذه الجامعات، في حين كان هناك 236 كلية عملية، يصل عدد طلابها إلى 507 آلاف طالب، ما هو نسبته 22.4% من إجمالي طلاب هذه الجامعات.
في حين أوضح البيان أن عدد الجامعات الخاصة في مصر بلغ العام الماضي 25 جامعة تحتوي على 153 كلية، كان للكليات العملية فيها نصيب الأسد، حيث بلغ عددها 99 كلية عملية 144.9 ألف طالب، ما هو نسبته 74.4% من إجمالي طلاب الجامعات الخاصة.
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 2