كتب أسعد أبو خليل: ليلة الزجاج المكسور: وقَع الفرز

2020.01.25 - 04:24
Facebook Share
طباعة

 لم تكن تلك الليلة، في أوّل يوم من «أسبوع الغضب» المُعلن، عندما تكسّر زجاج بعض المصارف في بيروت، عادية. وسائل إعلام السلطة تعاملت مع الحدث كأنه تكرار لليلة «البلّور المكسور» في ألمانيا، عام ١٩٣٨. محطّات «الثورة» الثلاث، كانت الأكثر انتحاباً على زجاج المصارف من غيرها في الإعلام، ربّما لأنها اكتشفت أنه يمكن للاحتجاج أن يتطوّر بصورة تضرّ بمصالح الأثرياء، ومنهم مالكو المحطات. تخيّلوا أنّ مراسلة «الجديد» ليال بو موسى، تحدّثت قبل أيّام عن الأذى الذي أصاب الزجاج، لعلّه نزفَ دماً! أما يزبك وهبة، فقد سجّل في سيرته الذاتية تفجّعاً على زجاج المصارف، في اليوم الأوّل من الاحتجاج في شهر تشرين الأول/ أكتوبر. لكن بعد غياب الفقراء عن الاحتجاج (بعد أوّل يومين)، سهلَ على الأثرياء والفاسدين، والإعلام المرتبط برياض سلامة، أن يعتنق «الثورة». لا، لم يروّج لفكرة أن هناك ثورة جارية في لبنان، أكثر من المحطات الثلاث (بالإضافة إلى الحناجر التي هتفت بـ«ثاو، ثاو، ثورة، هاي ثورة مش حراك»). إعلام المحطات الثلاث، كما إعلام النظام السعودي والقطري، يريد ثورة هادئة ومستكينة، ولا تشكّل خطراً على مصالح دول الخليج. يريد تخفيض سقف الثورة، كي لا تخرج عن النطاق الذي يريده له. وهذا ينطبق أيضاً على الرؤية الأميركية. أميركا لا تمانع العنف، إذا كان موجّهاً ضدّ أعدائها: حرق القنصلية الإيرانية في النجف، لاقى استحساناً وتأييداً في كلّ وسائل إعلام الغرب، فيما تعامل الإعلام نفسه باستفظاع شديد مع محاولة اقتحام السفارة الأميركية في بغداد، إثر الاعتداء الأميركي قرب مطار بغداد. هم يريدون العنف في لبنان لو أنه تركّز ضد المصالح الإيرانية، أو ضد حزب الله، وهذا هو حلمهم.

قد يكون مستغرَباً أن يكون لليلة واحدة من تكسير بعض الزجاج، هذا الأثر البالغ على حياة هذه الانتفاضة الجارية. لكن التكسير أجبر الانتفاضة، أو العناصر المُشاركة فيها، على مراجعة مواقفها ما فضحَ الكثير من الانقسامات التي كانت مدفونة. هناك قوى في الحراك لم تكن تريد، منذ البداية، الإفصاح عن هويّتها أو عن برامجها ومطالبها. قد تكون هي القوى ذاتها التي قادت تحرّك عام ٢٠١٥، وأودت به إلى الفشل الذريع والسخرية. كان دافع التحرّك، يومها، الاعتراض على تراكم النفايات، لكن قيادات تلك الحركة حرصت على إبقاء الأمور في سياق المقبول من السلطة، وكان بعض رموز هذا الحراك يظهرون على الشاشات، ويرسلون التحيّات إلى هذا المسؤول الأمني أو ذاك، على طريقة الساسة. لكنّ هؤلاء اختفوا عن الواجهة، هذه المرّة، وقد يكون ذلك بسبب سجلّ فشلهم السابق، أو بسبب نفور عناصر أخرى مشاركة في الانتفاضة من بعض الأسماء والمجموعات، ما أضفى طابعاً غامضاً على خلفية وتنظيم الانتفاضة. وزاد من الغموض أن عناصر ذات صلة بوسائل الإعلام التفلزيونية المؤثّرة، رفضت بشدّة تشكيل تنظيم تمثيليّ للحراك، كما أنها رفضت وضع رؤية مشتركة بين المجموعات المُشاركة. والمحطات أضفت طابعاً ساخراً على ضرورات التنظيم والتنسيق، عندما كان المراسلون والمذيعون والمراسلات يصرّون على أنّ «الجميع يعرف المطالب»، لكن لا أحد يعرف حقيقة المطالب، ولا أحد يعرف من يوافق ومن يختلف، ومَن يجتمع مع مَن (اختارت قناة «العربية»، مثلاً، إليسا ممثّلة لـ«الثورة» فيما يتوجّه مارسيل غانم لسامي الجميّل بالقول: «أنتم، كثوّار»).
والعنف، على بدائيّته وصغر حجمه، يكسر الجمود السياسي ويفرز بين الحركات السياسية. قد تكون أفكار جورج سوريل في كتابه «تأمّلات عن العنف» قد تعرّضت لتشويه، خصوصاً في ما وصفته أن العنف هو الذي يقضي على البربرية (مع أن الشواهد التاريخية تدعم حجّته). لكن سوريل قدّم بديلاً عن الصراع البرلماني الذي يجمع، في الدفاع عن الأمّة ونظامها الرأسمالي، بين الأحزاب الاشتراكية والمحافظة. سوريل حضَّ الطبقة العاملة على انتهاج العنف لكسر رتابة الصراع البرلماني (ليست هذه مناسبة للحديث عن سوء استعمال أفكار سوريل من قبل اليمين الفاشي). ومن نظرية سوريل عن الأسطورة، فإنّ عنف الطبقة العاملة «الجمالي»، يخدم ليميّز بين «تمرّد البروليتاريا وبين الاستخدام البربري للقوة»: أي بين تكسير زجاج المصارف، وبين الرصاص المطّاطي في عيون المحتجّين وفي أجسادهم. وأضفى سوريل طابع البطولة على العنف الثوري، لأنه «يحمل التعبير البسيط والنقي عن مشاعر الصراع الطبقي». فهِمت الطبقة الحاكمة الأمثولة سريعاً، مع تكسير زجاج أوّل مصرف: تعالت الصيحات محذّرة من الصراع الطبقي، الذي يخيف زعماء الطوائف أكثر من أي شيء آخر (ومروان خير الدين يحذّر من الشيوعية). ينسى البعض كيف أنّ زعماء الطوائف في بيروت الغربية تقاعدوا عن الخدمة، عند اندلاع الحرب في السبعينيّات، لأن الوعي الطبقي غلب الوعي الطائفي (باستثناء الحالة الدرزية، وإن تكيّف كمال جنبلاط معها عبر الترويج لاشتراكية، وإن من نوع آخر). كيف يمكن أن يثير تكسير زجاج المصارف كلّ هذه الاعتراضات والإدانات: قد تكون الإدانات (من نبيه برّي إلى وليد جنبلاط إلى سعد الحريري، مروراً بوسائل الإعلام مجتمعة) المرّة الوحيدة منذ اندلاع الانتفاضة، التي تلاقت فيها كل قوى السلطة والإعلام (كيف يمكن التعامل مع المحطات التلفزيونية، على أنها من خارج السلطة وملّاكها ينتمون إلى المراتب العليا من الطبقة الثرية؟). الخوف من العنف هو دليل على فعاليته، وليس على عبثيّته. إجماع قوى السلطة على رفض وإدانة العنف (ضد الزجاج)، هو تعبير عن خوفها من اكتشاف المحتجّين لفعالية العنف. هل كان يمكن، مثلاً، إجهاض المشروع الانعزالي في عام ١٩٧٥، بالهتافات والأغاني؟
 
إنّ هذا الإسراع في تشكيل الحكومة لم يكن إلا بسبب العنف (ضد الزجاج)، لأنّ الطبقة الحاكمة خافت على مصالحها منه. والعنف له أكثر من هدف: هو يُسرِّع التاريخ ويعجّل في تجاوز المراحل، كما أنه يفرض فرزاً بين القوى السياسية. إنّ فرز قوى اليسار اللبناني، منذ أوائل السبعينيّات، بين يسار ثوري ويسار إصلاحي (تمثّل بالحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي) كان حول موضوع العنف. كان اليسار الإصلاحي يصرّ على أنّ الصراع اليساري يجب أن ينحصر في النطاق البرلماني الانتخابي، فيما كانت قوى اليسار الثوري تحذّر من أنّ السلطة لن تتخلّى طواعيةً عن الحكم، وأنّ الدفاع عن المقاومة الفلسطينية بات واجباً من باب الدفاع عن النفس، لأنّ قوى الانعزال لا تضمر شرّاً للمقاومة فقط، بل لحلفائها أيضاً. طبعاً، كان اليسار الإصلاحي هو السائد، وكان مدعوماً من كمال جنبلاط وياسر عرفات، فيما لم تكن قوى اليسار الثوري بحجمٍ يمكّنها من فرض رؤيتها وممارستها، أو من صدّ قوّة حركة «فتح» الحاسمة. وفي المراجعة التاريخيّة لتلك المرحلة، يتّضح أنّ اليسار الثوري كان على حق، ولو أنّ اليسار الإصلاحي قبِل بالتسلّح والإعداد المبكّر، ردّاً على الأعداد والتجهيز الانعزالي الذي انفضح أمره في أواخر الستينيات، لكان مسار الحرب مختلفاً ولكان أجلها أقصر بكثير.
ليلة تكسير الزجاج فصلت بين قوى اليسار واليمين في الحراك، وفصلت بين قوى اليسار نفسها. حاول أعداء القوى الجذرية في الحراك، نسب أعمال التكسير إلى مناصري حزب الله، لعلمهم أن ذلك يستفزّ الغرائز الطائفية ويسرع في إفقار الحراك العنيف (بعض الشيء) من مشروعيّته السياسية والشعبية. تخبّطت قوى السلطة، وتخبّطت بعض قوى الحراك في تلك الليلة، وصمت الكثير من الصفحات على مواقع التواصل من الذين واللواتي كانوا يهتفون باسم «الثورة»، على مدار الساعة. أصابهم البكم في تلك الليلة.
وتآزرت قوى السلطة (المتحالفة مع طغاة الخليج وإعلامهم الطاغي) في ردّ فعلها ضد تكسير الزجاج. موقع النظام القطري، «المدن»، نشر مقالة وصف فيها الكاتب، الشباب اليساري الذي شارك في التكسير بأنهم مرتزقة. والوصف في موقع يدين بمواقفه بما يأتي من أوامر عليا، مثل كلّ المواقع المموّلة من طغاة الخليج أو من الحكومات الأوروبية. واليسارية لم تكن ارتزاقاً في لبنان، إلا في حالة واحدة: عندما نشأت حركة طفيلية يسارية (اسماً) على ضفاف اليمين الرجعي الحريري، بعد اغتيال رفيق الحريري. اليسارية لا تأتي على معتنقها بالمال والمرتّبات والمنافع، كما اليمينية والرجعية وموالاة أنظمة الخليج. لو كان هؤلاء الشبيبة في شارع المصارف مرتزقة بالفعل، لكان كتّاب المواقع الخليجية بين صفوفهم (في المواقع الخلفية). وكاتب في صحيفة ولي العهد السعودي أخذ على المحتجّين استعانتهم برمزية علي شعيب. علي شعيب مرتزق؟ علي شعيب لم يطلب فلساً واحداً له، ومات، مثل كل رفاق المرحلة اليسارية الثورية، فقيراً مُعدماً (صادفتُ في سيارة سرفيس في بيروت قبل سنوات، واحداً من مناضلي مدرسة وديع حداد، وقال لي بحسرة شديدة: لم يعد لي مصدر دخل غير هذه السيارة). علي شعيب أراد استهداف المصارف والسيطرة الإمبريالية، في ضربة واحدة في لبنان. رمزية علي شعيب تتّسع، وهي تخيف كتّاب السلطة والطغاة. والحكومة الأميركية لم تعد بعيدة عمّا يجري: هي ترفض تغيير حاكم مصرف لبنان، وهي تدافع عن النظام المصرفي الذي يحمي عملياتها السرية، ويطارد ويعاقب أعداءها حتى في لبنان وجهاراً. (جمعية المصارف ورياض سلامة يستعملان كلمة «امتثال»، في إشارة إلى التزامهم بأوامر وزارة الخزانة الأميركية بشأن محاربة المقاومات العربية). وكاتب في صحيفة خليجية، اعترض على رمزية علي شعيب، لأنّ الشاعر عباس بيضون تنصّل من قصيدته عنه (مع أنّ بيضون نفى تنصّله، أو عاد عنه)، كأنّ ليس من علي شعيب خارج هذه القصيدة.
تمزّقَ جسم الحراك، بعدما تأخرت عملية التمزّق. ساعات فقط فصلت بين تكسّر الزجاج وبين إشعال الحرب على مواقع التواصل الاجتماعي بين عناصر مختلفة فيه. وهناك انسلاخ في بعضه نحو اليسار، مع محاولات للتخريب عبر استعانة حريريّين (سابقين أو تائبين أو حاليين) باللامركزية في الحزب الشيوعي، لجذبه نحو يسارية على نسق اليسار الديموقراطي الحريري. وقد شارك نشطاء في الحزب الشيوعي اللبناني في تكسير الزجاج، لكن من دون أوامر حزبية علياً. لكننا نتحدّث عن تكسير زجاج. كلّ هذا الحديث والنقاش عن العنف يتعلّق بتكسير زجاج بعض المصارف. ماذا لو أنّ العنف أصبح ثورياً، واستهدف الأعداء الطبقيّين للفقراء والمضطهدين في لبنان؟ ماذا لو أن أصحاب المصارف باتوا هم، لا الزجاج، المستهدفين من الفقراء والمعدمين؟ (لا يزال الفقراء والمعدمون مغيّبين عن الانتفاضة).
هنا يبرز دور دول الغرب. إن حقيقة تدريب ورعاية الحكومة الأميركية (وحلفائها الغربيّين) للجيوش وأجهزة الشرطة والمخابرات العربية، هي بهدف محاربة أعداء أميركا (تحت شعار «محاربة الإرهاب»)، ومحاربة الأعداء الطبقيين للسلطات التي تحميها أميركا. وبالرغم من الترابط المفضوح بين الطبقات الحاكمة في بلادنا وبين دول الغرب، فإنّ بعض المحتجّين (ليس حصراً في العراق)، يصرّ على تحييد أميركا بحجّة أن السياسة الخارجية ليست هي الهم، كأنّ رياض سلامة ظاهرة محلية أكثر ممّا هو ظاهرة للسيطرة الاستعمارية الغربية على بلادنا. السيطرة الغربية على أدوات النهب والقمع، تعني أنّ التغيير من ٨ إلى ١٤ آذار، أو العكس، لا تبدّل تبديلاً. جوزيف عون، الذي أصبح قدوة عند صهاينة واشنطن، كان تعييناً من ٨ آذار، كما كان ميشال سليمان ــ صنيعة المخابرات السوريّة في لبنان. وكما أنّ أميركا، من سفارتها في بيروت، رعت وأدارت عملية قمع اقتحام «بنك أوف أميركا»، في عام ١٩٧٣، فإنّ الإدارة الأميركيّّة سترعى عملية قمع اليسار الثوري في لبنان (وهناك في هذا اليسار من تحاشى التظاهر أمام السفارة الأميركية، ردّاً على تدخل أميركي في شؤون لبنان، مُفضّلاً التظاهر أمام مكتب جبران باسيل).
والسيطرة الأميركية على أدوات القمع وأدوات النهب الرأسمالي في بلد مثل لبنان (حيث يُقال إن الحكم بيد حزب الله)، تعطي فكرة عن نطاق السيطرة الأميركية في بلادنا. عندما تحارب أميركا نفوذ حزب الله في لبنان: هي لا تكون تحمي إسرائيل فقط، بل هي تحارب من يمنع عليها احتكار السلطة والاستحواذ على السلطة السياسية برمّتها في لبنان. ليس هناك من معالم ليسار ثوري منظّم في لبنان بعد. لكن الشبيبة اليسارية تتعلّم بسرعة وتأخذ الدروس. هي تعلّمت بسرعة بعد ليلة الزجاج المكسور، أنّ هناك في الحراك مَن يناصبها العداء ولا يتشارك معها في الأهداف والوسائل. ولهذا، سارع يساريّون ناشطون في الحراك، متأخرين جداً، إلى التنبيه من نفوذ وأدوار منظمات الـ«إن.جي.أو»، التي تتحرّك تحت سقوف المموّلين المحكومين بالدفاع عن النظام اللبناني الفاسد وزعمائه الفاسدين، بسبب ولائهم للغرب ولعدم تشكيلهم أي خطورة أو أوجاع للعدو الإسرائيلي. وبرز بين اليسار من استنكر العنف، وانقسمت صفوف «الثوّار» بين معترض على تكسير الزجاج وبين مؤيّد، كما انضمّ إعلام السلطة (المُتسربل بثوب «الثورة») إلى الهمروجة ليميّز بين «الثوّار» وبين «الزعران». وحتّى قوى الأمن، في بياناتها، أصبحت تميّز بين «الثوّار» الحقيقيين وبين مثيري الشغب، كأنّ للسلطة حق التصنيف.
وكثر الحديث على مواقع التواصل الاجتماعي بين المحتجّين والناشطين، عن منظمّات الـ«إن.جي.أوز». فكان هناك مَن حذّر منها، وهناك مَن أيّدها، وهناك من طالب بالتمييز بينها وعدم الإجمال في الحديث عنها (كيف يكون التمييز بينها؟ على أساس اسم الدولة المُموِّلة أم على غرض المنظّمة بعينها؟ وهذا التصنيف هل يكون بناء على مسافة الشخص منها، أم على المسافة بينها وبين تلك المطالب التي لا تروق للدول الغربية ــ إذ ليس بين منظّمات الـ«إن.جي.أوز» مَن يحمل، مثلاً، أجندة أفريقية أو آسيوية أو حتى عربية شعبية).
 
 
الأخبار
 
المقال يعبر عن رأي كاتبه
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 3