تقرير أممي مكتوب بحبر الكذب: من يتاجر بمستقبل أطفال سورية !

إعداد _ حسام يوسف

2020.01.22 - 09:17
Facebook Share
طباعة

 صدر تقرير عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، قبل أيام، قدمته "لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالجمهورية العربية السورية"، قال في موجزه إن "وحشية الحرب في الجمهورية العربية السورية تركت آثارها على حياة الأطفال".


وقال الموجز إن الأطفال السوريين حرموا من طفولتهم "وأرغموا على المشاركة في حرب وحشية، وتعرضوا للقتل والتشويه بأعداد هائلة".


واستطرد الموجز في ما زعمه عن قيام الحكومة السورية "باحتجاز الأطفال وإخضاعهم للضرب الشديد والتعذيب، وحرمانهم من الغذاء والماء واستخدام الاغتصاب والعنف الجنسي ضد الرجال والنساء والأولاد والفتيات في مراكز الاحتجاز". بل إن التقرير زاد على ذلك بأن ما قامت به القوات الحكومية السورية والقوات الموالية لها أدى إلى "تقييد حركة الفتيات، وإخراج الكثيرات منهن من المدارس، وإرغام أسرهن على الانتقال إلى أماكن أخرى"!


الموجز نفسه، لم يجد ما يقوله عن الميليشيات التي تقاتل باسم "الثورة"، باستثناء "داعش"، سوى أنها استخدمت "المدارس وقامت بالهجوم على مناطق تخضع لسيطرة الحكومة مما تسبب في عشرات الضحايا بين الأطفال. وتعرض الأطفال أيضاً للاحتجاز واستخدامهم للحصول على فدية أو كأوراق مساومة لفتح عمليات تبادل الأسرى مع القوات الحكومية والميليشيات التابعة لها"!


وتكفي هذه المقارنة وحدها للقول إن التقرير قد صيغ بدقة ليكون ورقة بيد الغرب ضد سورية. فبعيداً عن تفنيد المزاعم التي تطال الجيش السوري والمجموعات الموالية له، متقصداً إغفال ما قامت به ميليشيات "الأخوان المسلمون" و"القاعدة (النصرة/هيئة تحرير الشام)، وجيش الإسلام، والمئات من الميليشيات الإرهابية التي تعلن بلا مواربة معاداتها لأي حق من حقوق الأطفال، ما قامت به من تفجير المئات من السيارات في مراكز مدنية في المناطق التي يسيطر عليها الجيش السوري، مثل مدارس حمص، وكراجات جبلة وطرطوس، وجرمانا وغيرها، إلى جانب استخدامها المدارس والمستشفيات والمراكز الطبية ومراكز الدفاع المدني، وحتى أماكن اللجوء بصفتها مواقع عسكرية تستخدم من خلالها المدنيين، وخاصة الأطفال، دروعاً بشرية.


ويعترف التقرير، في السياق، بأحادية "مصادر معلوماته"، فهو يقول أن المعلومات الواردة فيه استندت إلى "قرابة 5 آلاف مقابلة جرت في الفترة من عام 2011 إلى تشرين الأول/أكتوبر 2019 مع الأطفال السوريين وكذلك مع شهود العيان والناجين وأقارب الناجين والمهنيين الطبيين والمنشقين وأعضاء المجموعات المسلحة والعاملين في مجال الرعاية الصحية والمحامين وأعضاء المجتمعات المتأثرة".


ومن الواضح أنه لم تشمل آلاف السوريين الذين قاموا بآلاف المبادرات تجاه تجمعات نزوح السوريين هرباً من الإرهاب إلى مناطق أخرى، وخاصة الأطفال، دون تمييز بين طفل ذكر وطفلة أنثى.


كما لم يشمل أحداً من ضحايا "المجموعات المسلحة" من الأطفال، الذين اضطروا للبقاء تحت سيطرة هذه الميليشيات في دوما وحرستا ودرعا والمخيمين والحجر الأسود والرقة ودير الزور وإدلب وبعض مناطق حلب. فهؤلاء الأطفال أجبر الكثيرون منهم على القتال مباشرة في صفوف تلك المجموعات (غير داعش)، واستخدم عدد أكبر في "مهمات لوجستية" مثل الاستطلاع المتقدم، ونقل الذخيرة، وفي التمويه. كما أن مدارس عديدة من تلك التي بقيت تعمل (ولم تنقطع رواتب أساتذتها يوماً واحداً)، تم تغيير منهاجها التعليمي ليتحول إلى منهاج أصولي ينشر العنف والخرافة والكراهية والتعصب.


وفي الوقت نفسه استمرت المدارس التي تقع في مناطق تحت سيطرة الحكومة السورية بعملها وتقديمها التعليم للأطفال والطفلات الذين زاد عددهم عن الضعف، إذ لم يعد امرا استثنائياً مشاهدة أكثر من 72 طفل في قاعة لا تتسع لأكثر من 30، بهدف ضمان استيعاب أكبر عدد من الأطفال الذين هجرتهم الميليشيات الإرهابية.


أما أكثر ما يثير الدهشة فهو استناد التقرير إلى "القانون التعاهدي والقانون الدولي العرفي" للحديث عن ضرورة التزام "الأطراف في أي نزاع مسلح" بالالتزامات التي تفرضها تلك المواثيق الدولية، ومن ثم يخلص إلى القول نصاً: " الجماعات المسلحة تلتزم رغم ذلك باحترام قواعد حقوق الإنسان الأساسية التي تُشكل جزءاً من القانون الدولي العرفي في الأراضي التي تمارس فيها هذه الأطراف الفاعلة سيطرتها الفعلية"! فأن يشن الهجوم على الحكومة السورية هو "أمر مفهوم"، أما أن تبرأ الميليشيات الإرهابية، النصرة والأخوان المسلمون وجيش الإسلام وفيلق الرحمن، والتركستاني والجيش الحر وغيرها.. وتعتبر أنها "ملتزمة باحترام قواعد حقوق الإنسان الأساسية، فهو أمر لم يعد يقوله حتى كبار المدافعين عن هذه الميليشيات، من الشخصيات السورية التي تصف نفسها بـ"المعارضة".


وبعد استعراض للقانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي، فيما يتعلق بالنزاعات المسلحة، يستطرد التقرير مرة أخرى في اتهام الجيش السوري والمجموعات المسلحة الموالية له بقتل الأطفال برصاص قناصة "الجيش وحلفائه"! وبواسطة "القنابل العنقودية والقنابل الحرارية الضغطية والذخائر اليدوية الصنع مثل البراميل المتفجرة" وغيرها! ليس فقط دون أن تقدم أية أدلة سوى ما يزعمه الإرهابيون أنفسهم، بل أيضاً دون أي إشارة إلى ما ارتكبته تلك الميليشيات الإرهابية. فعلى مدى سنوات مثلاً، كانت مناطق القصاع وباب توما في دمشق تشهد يومياً عشرات قذائف الهاون التي أصابت المدنيين، وبينهم الأطفال والنساء وكبار السن. ولا مجازر أخرى مثل مجزرة "مدرسة عكرمة المخزومي" في حمص التي أودت بحياة أكثر من 40 طفلاً في لحظة واحدة! أو تفجير سيارتين في جرمانا أوديتا بحياة أكثر من 30 مدنياً بينهم العديد من الأطفال والنساء.


وبعد عدة صفحات من المزاعم حول ما ارتكبه الجيش السوري، أشار التقرير خجلاً إلى بعض الهجمات التي شنتها "مجموعات مسلحة غير تابعة للدولة" أدت إلى "العديد من وفيات الأطفال"! لينتقل فوراً إلى الحديث عن "داعش" الإرهابي، بصفته الشماعة التي جرى تعليق كل جرائم الميليشيات الإرهابية الأخرى عليها.


وفي الواقع، فإن التقرير برمته، والذي يشغل 37 صفحة باللغة العربية، ينسج على هذا المنوال دون أي استثناء، إلى حد أنها لم تر تقريباً التجنيد الإجباري للأطفال الذي مارسته على نطاق واسع وعلني جميع الميليشيات الإرهابية، ضمنا الأخوان المسلمون وجيش الإسلام وغيرها، لكنها ركزت على ادعاءاتها بأن المجموعات المسلحة الموالية للحكومة جندت الأطفال على نطاق واسع!


وأخيراً: للأسف أن هذا التقرير، كما هو حال الكثير من التقارير الأخرى الصادرة عن منظمات الأمم المتحدة مختلفة المهام، والمتعلقة بسورية أو بلدان لا يرضى الغرب (والولايات المتحدة بشكل خاص) عن سياساتها، لا يعدو أن يكون بياناً شبه مطابق لأي بيان يصدر من مثقفي تلك الميليشيات وأصواتها في الخارج.


وبالتالي فإنه لا يفعل سوى أن يوجه صفعة أخرى لحقوق الأطفال في سورية، عبر تجاهله الواقع الفعلي لمن ينتهك حقوقهم وكيف ينتهكها، وتكريسه الجهود للدفاع عمن لا يعترف أصلاً لا باتفاقية حقوق الطفل، ولا بالبروتوكلات المتعلقة بالأطفال، ولا بأي حق يرى شيوخهم أنه "يتعارض مع الإسلام.

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 6