بين التهكم والأمل السوريون يترقبون الأيام المقبلة

علي مخلوف _ خاص آسيا

2020.01.21 - 03:10
Facebook Share
طباعة

يقول أرسطو "لن نتعلم شيئاً بدون تجرع الألم".
الألم قد يكون أشد أنواعه فيما يخص الشعوب هو الألم المعيشي الاقتصادي، لأن كل ما يمس البطون يتحول إلى قنبلة متشظية اجتماعياً وإنسانياً ونفسياً.

في حانة تقع ضمن سوق البزورية الشهير بدمشق، يجلس رجل أربعيني على كرسي، متأهباً بانتظار أحد المارة ينظر إلى بضاعته، مما يجعله زبوناً محتملاً يدفئ درج غلته بالعملة التي فقدت الكثير من قيمتها لأسباب مختلفة.

يقول الرجل، لقد انخفض البيع كثيراً، وتأثرنا بانخفاض قيمة عملتنا"، "نحن نأخذ من مستوردي البهارات الكبار، وهؤلاء يتحكمون بالسعر وفق ما يناسبهم لنعلق نحن في مصيدة فتح نقاش اقتصادي مع الناس".
تطورات اقتصادية ملأت الدنيا وشغلت الناس في الشارع السوري، بدأ الأمر من تزايد مضاربات السوق السوداء في الفترة السابقة، جعلت قيمة العملة في أدنى مستويات لها، ما دفع الدولة للتحرك، حيث صدر مرسوم رئاسي يجرم التعامل بغير الليرة السورية ويشدد عقوبة المخالفة، فيما انبرت وزارتي العدل والداخلية للتأكيد على التشدد في مسألة العقاب.
هذه التطورات أحدثت حالة خوف لدى محلات الصرافة بالسوق السوداء، سواءً كانت محلات الذهب أو محلات في مناطق أخرى كالبحصة وغيرها، يقول أحد أصحاب المحال: "بعد أن أصبح الأمر رسمياً في الملاحقة والعقاب توقف الغالبية العظمى عن التصريف للناس"، ف حين قال آخر:" نحن مواطنون في هذا البلد في نهاية الأمر وارتفاع قيمة ليرتنا سيعود علينا جميعاً بالنفع، لن تجد مواطناً سيتمنى ارتفاع (يلي ما بينذكر) " في إشارة لمدى الخيفة التي اجتاحت السوق السوداء من مجرد ذكر اسم الدولار.

في تجولنا ضمن أسواق دمشق، لفت نظرنا انخفاض اسعار الذهب بشكل كبير، فقد بلغ الغرام عيار 21 الواحد 40 الفاً منخفضاً بقدر ستة آلاف ليرة عما كان عليه من ثلاثة أيام، ويرشح مراقبون انخفاضه بدرجة أكبر خلال الأيام القادمة، ويعزي هؤلاء السبب إلى ضعف القدرة الشرائية للغالبية الساحقة من السوريين، وقيام جزء منهم ممن يملكون ذهباً ببيعه خلال فترة الارتفاع الأخيرة، ما جعل السوق في حالة شبه ركود، كما أن الانخفاض المستمر بشكل يومي لسعر الصرف يعني بدوره انخفاضاً لسعر الذهب.

منصات مواقع التواصل الاجتماعي شهدت كعادتها تبايناً في الآراء، بين متشائم ومتفائل، فمن حملة دعم العملة الوطنية التي أُطلق عليها "حملة الليرة .. اشتر بليرة سورية واحدة" تهكم آخرون بترداد المثل الشعبي الشائع " الجمل بليرة ومافي ليرة"، في إشارة منهم لندرة العملة المعدنية من فئة الليرة الواحدة وعدم التداول بها منذ سنين طويلة.
في حين رأى آخرون بأن تلك الحملة من حيث النوايا أدت لنوع من التكافل الاجتماعي، لكنها لا تغني ولا تسمن من جوع، فهي اقتصادياً لن تؤدي إلى شيء، لكنها أحدثت شعوراً جميلاً لدى فئة واسعة من المواطنين وفق قولهم.
كذلك رأى ناشطون بأن الحل الوحيد الذي يمكن اتخاذه في هذه المرحلة، هو أن تقوم الدولة بمنح التجار مهلة شهر واحد لتصريف بضائعهم التي يقولون أنهم اشتروها بسعر عالٍ، وعند نهاية المهلة على جميع التجار مستوردين كبار و موزعي جملة وبائعي تجزئة أن يبيعوا بالسعر الذي يحدده المركزي، تحت طائلة عقوبات يتم الإعلان عنها لا تقل عن تلك التي دُبجت بقرار رسمي لمن يتعامل بغير الليرة أو يساهم في خفض قيمتها.

من جهتهم ذكّر مواطنون بأن التجار الكبار والمستوردين كانوا يشترون الدولار من المركزي بالسعر الحكومي ولكنهم يقومون ببيع بضائعهم للناس على سعر السوداء، وهذا بحد ذاته مأساة، فإما أن تتحرك السلطات حيال ذلك وإما يكون كل ما قيل مجرد "بعبعة" وفق تعبيرهم.

لم يخف السوريون امتعاضهم وغضبهم من حكومة بلادهم، حيث يرون بأنها لم تكن على مستوى الحرب التي يمرون بها، وساعد في تأجيج الاحتقان التصريحات غير المدروسة لبعض المسؤولين، يقول أحمد وهو طالب بكلية الاقتصاد سنة رابعة: " التصريحات اللامسؤولية لبعض المسؤولين" عبارة بحد ذاتها مفارقة مضحكة ومبكية بحسب توصيفه.

كذلك كان لافتاً عودة بعض الناشطين والمثقفين للحديث عن سبب الأزمة الأقدم وفق رؤيتهم، حيث يقلون بأن الأمر بدأ في العام 2010 عندما تم الحديث عن اعتماد مبدأ اقتصاد السوق الاجتماعي، والذي يهدف لتحرير المنافسة والأسعار، وهو ما لم نكن مجهزين له، لأن ذلك ساعد في تغول حيتان المال واحتكارهم للكثير من السلع التي تحكموا بأسعارها، ما جعل حماية المستهلك اشبه بطفل يتيم لا حول له ولا قوة بحسب رأيهم.

أخيراً يتم الآن اتخاذ إجراءات متتمة للمرسوم الصادر، فالمركزي يشتري الدولار من المواطنين بسعر تفضيلي 700 ليرة، دون الحاجة لوثائق او ثبوتيات، منعاً لابتزازهم في السوق السوداء، وهناك حديث عن إغلاق 14 مؤسسة صرافة وحرمانها من ممارسة نشاطها لغاية 30-4-2020 بسبب عدم قيامها بالدور المطلوب منها خلال الفترة السابقة، يتزامن ذلك أيضاً بالحديث عن مشروع تتم دراسته في وزارة المالية يقضي بإعادة النظر في الحد الأدنى المعفى من ضريبة الدخل للرواتب والأجور، بما يحقق فائدة وعدالة أكثر بين مختلف فئات وشرائح الموظفين، بعبارة اخرى الاستفادة أكثر من الزيادة الأخيرة على الأجور، لا سيما أن الضريبة على الراتب بلغت 20% الأمر الذي وصفه كثيرون بأنه غير منطقي أبداً.

بين حملة دعم الليرة و إجراءات المركزي، والمعلومات التي تم الحديث عنها حول الضرائب، يبقى المواطن السوري منتظراً أن تنتعش قدرته الشرائية، لأنها الدليل الوحيد فقط على نجاعة أي قرار أو خطوة تتخذها أي دولة في العالم. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 5