من يوظف "داعش" في ليبيا؟

حسام يوسف

2020.01.18 - 07:36
Facebook Share
طباعة

 الحديث السائد في الإعلام العربي اليوم هو بدء نقل النظام التركي للآلاف من مرتزقته في سورية، إلى ليبيا، لدعم حكومة "الوفاق" في طرابلس والمعترف بها دولياَ، والتي تتقاسم السلطة مع حكومة أخرى موازية في بنغازي تلقى الدعم شبه العلني من العديد من الدول العربية، بينها الإمارات والسعودية ومصر، والدعم الضمني من دول الناتو التي دمرت الدولة الليبية قبل عقد من الزمن لضمان نهب ثرواته.


ويوصف هذا "النقل" على أنه نقل لإرهابيي "داعش" وفصائل إرهابية أخرى ممن عاثوا قتلاً وتدميراً في سورية قبل أن يهزم الجسد الرئيسي لهم على يد الجيش السوري وحلفائه.

ويوحي الحديث هذا بأن ليبيا لم تشهد ظهوراً للتنظيم الإرهابي من قبل، وأن خطره وشيك على ليبيا والقارة الأفريقية أولاً، وأوروبا القريبة شمالاً، ثانياً.

فهل حقاً أن ليبيا لم تعرف "داعش"؟ أو أنها عرفته وقضت عليه سابقاً؟

الواقع أن ليبيا شهدت ظهور "داعش" منذ ما قبل 2014، تحديداً في 13 نوفمبر 2013 حين أطلق فيديو يظهر إرهابيين يبايعون أبوبكر البغدادي، في درنة. ليعلن بعدها البغدادي عن تأسيس 3 فروع لتظيمه الإرهابي في كل من برقة (شرق ليبيا)، وفزان (جنوب ليبيا)، وطرابلس (شمال غرب ليبيا).

وهذا الظهور لم يكن محض إعلامي، بل برهن التنظيم عن وجوده الحقيقي على أرض ليبيا عبر العدديد من الجرائم والهجمات الإرهابية التي مارسها في العديد من مناطق ليبيا.

ففي العام نفسه شن التنظيم هجمات على معسكر للقوات الليبية ببنغازي، وعلى نقطة تفتيش أمنية بالقرب من مطار بنينا، وفجر البوابة الخارجية لقاعدة الأبرق الجوية في البيضاء، وأقدم على تفجير العديد من المفخخات أمام سفارات مصر والإمارات في طرابلس، وقتل الناشطين في حقوق الإنسان علي جثت محمد باتو، وسيراج القط، حسبما رصدت وسائل إعلام مختلفة بينها بي بي سي البريطانية وسي إن إن الأمريكية.

واستمرت الأعمال الإرهابية في 2015 فقتل صحفيون من تونس، وفجرت سيارة مخففة عند مدخل فندق كورنثيا في طرابلس مع هجوم مباشر أسفر عن قتل 10 أشخاص، واقتحم حقل نفطي ليبي-تونسي قرب بلدة المبروك.

كذلك تم ذبح 21 مصرياً يعتنقون المسيحية كانوا قد اختطفوا من سرت، وشنت سلسلة تفجيرات في أماكن مختلفة من ليبيا.

ولم يتوقف الذبح والقتل والتفجير منذ ذلك الحين، رغم خفوت حدته بعد نشوب خلافات أدت إلى الاقتتال بين أقسام متباينة من "داعش"، ففي الشهر الماضي، كانون الأول 2019، نشر "داعش ليبيا" الإرهابي فيديو يظهر قيامه بذبح مواطنين ليبيين بينهم موظفون حكوميون، إضافة إلى عمليات إعدام جماعية بالرصاص، في منطقة الفقهاء جنوب ليبيا، بعد أن هاجموا البلدة بسيارات رباعية الدفع، وحرقوا مقرات حكومية وأمنية، واقتحموا منازل مواطنين واعتقلوا بعضهم.

ويظهر هذا الاستعراض أن "داعش" الإرهابي أوجد مكاناً لنفسه في ليبيا بعيد تدمير الدولة الليبية من قبل حلف الناتو بذريعة "دعم الديموقراطية"، مستغلاً فرصة تخل الناتو نفسه عن البلد وحصر دوله اهتمامها بسرقة النفط وثروات ليبيا. ولم يكن توقيت نشأته في ليبيا متأخراً جداً عن توقيته في سورية التي ظهر فيها في عام 2013.

أما علاقة النظام التركي بـ"داعش" في سورية فهي قديمة أيضاً، ولم يتخللها أي مواجهة منذ نشأته، إذ لم تتعرض مقاره لضربة عسكرية واحدة، ولا تم إيقاف خلية واحدة أساسية من "داعش" في تركيا، كما لم يتم التضييق على نقل الإرهابيين من دول العالم شرقاً و غرباً عبر الأراضي التركية.

وهذه العلاقة التي أنكرها النظام التركي على الدوام، لم تختلف في جوهرها عن علاقة التحالف الدولي بالتنظيم الإرهابي. فكلاهما استخدمه لمصلحته في محاربة الدولة السورية، وكلاهما أمن له الحماية عبر منع الجيش السوري مرات عدة من استكمال عمله في تحرير المناطق التي احتلها، كما أن التحالف الدولي قام مراراً بحماية وتهريب قيادات داعشية من مناطق حوصر فيها.

ورغم أن التحالف الدولي تشكل في العام 2014، ويضم 81 دولة على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وتركيا، إلا أن أغلب عملياته العسكرية في سورية استهدفت البنية التحتية لمدينة الرقة، معقل "داعش" على مدى سنوات، دون أن تؤدي إلى أي تقليص لقوته أو حرمانه من التمويل، أو تجفيف طرق استيراده للإرهابيين.

وفيما يبدو أن فرصة "داعش" في النهوض اليوم في كل من سورية والعراق ضعيفة جداً، تبدو الفرصة أكبر بكثير في مناطق أخرى مثل ليبيا وأفغانستان. خاصة أن الحفاظ على التنظيم الذي لم يهاجم المصالح الأمريكية إطلاقاً هي أولوية لدى الناتو، فهو صالح للاستخدام مراراً وتكراراً.

لكن المشكلة التي تواجه النظام التركي اليوم هي في تناقض المصالح بينها وبين باقي دول الناتو فيما يخص ليبيا. فبينما تسعى تركيا لدعم حكومة طرابلس، يدعم الناتو في الواقع قوات الجنرال حفتر.

ومن الواضح أن دول الناتو ليست بصدد التخلي عن امتيازاتها ومصالحها في النفط الليبي، التي يؤمنها اليوم الجنرال حفتر أكثر من أي طرف آخر.

وبالتالي، فقد تصل الحركة التركية إلى طريق مسدود، فلا ترد على النظام التركي حتى تكاليف نقل الإرهابيين والمرتزقة ودعمهم.
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 7