باب الفساد العالي: "البطاقة الذكية" باقية وتتمدد !

محمود عبد اللطيف - وكالة أنباء آسيا

2020.01.14 - 05:17
Facebook Share
طباعة

يشتكي السوريون قلة توافر مادة "مازوت التدفئة" بالسعر المدعوم الذي تؤمنه "البطاقة الذكية"، إلا أن هذه المادة متوافرة وبكثرة في كل محطات الوقود بالسعر المحرر الذي يبلغ ٣٥٠ ليرة سورية لليتر الواحد، والحال ينسحب على مادة البنزين التي كانت وزارة النفط قد سجنت صاحب أحد المواقع الالكترونية بسبب نشره خبراً عن زيادة سعره ورفع الدعم عنه، متهمة أياه بالعمل لصالح المافيات وزعزعة الثقة بالاقتصاد الوطني، كما أنه لن يكون صعبا على المواطن تأمين أسطوانة غاز من السوق السوداء بسعر خيالي، ومن المستغرب ألا تجيب الحكومة على سؤال يقول: من أين يجلب تجار السوداء بضاعتهم حكومية المنشأ..؟

واليوم، يسخر المواطنون ويعبرون عن سخطهم من قرار الحكومة تحديد كميات ضئيلة من مواد "السكر - الشاي - الرز"، عبر البطاقة الذكية، حيث يعيد هذا القرار سيدة تبلغ من عمرها ستون عاما إلى العام 1990، لتتذكر كيف كانت تقف في طابور طويل أمام أبواب المؤسسة الاستهلاكية لتحصل على علبة سمن خلال فترة الحصار الاقتصادي الذي فرض على البلاد، وتسخر من حال أسواقنا اليوم، إذ إن كل المواد متوافرة وبكثرة لكن تحت ظل الأسعار التي تحدد وفقا لسعر الصرف اليومي للعملة الأمريكية في السوق السوداء، وتقول بلكنتها الشعبية "مو على أساس داعمين استيرادها..؟"، مشيرة إلى عدم إمكانية ضبط أسعار السوق للمواد المدعوم استيرادها من "مصرف سورية المركزي" بسعر 435 ليرة للدولار الواحد، ما يجعل التاجر يربح ضعفي رأس المال الموظف في عملية الاستيراد، قبل أن تخرج بضاعته من مستودعاتها، فيكون بذلك مضاربا بالعملة بطريقة غير مباشرة.

بالعودة إلى البطاقة الذكية التي تذكر بالبونات الورقية التي كانت العائلة السورية تستفيد من خلالها في الحصول على المواد الأساسية بسعر مدعوم، مع العلم أن آخر سنوات العمل بهذه "البونات" كانت سيئة لجهة نوعية المواد، فتخلى عنها المواطن قبل أن تلغيها الحكومة.

ويتساءل مواطنون عن الآلية التي تم بموجبها تحديد الكميات، إذ إن الكمية المحددة بكيلو واحد من السكر شهريا للفرد لم تبنى على أساس واقعي يقدر حاجته الشهرية من هذه المادة، الأمر الذي يمكن وصفه بالقرار الذي لم يكن ثمة داع لصدوره، بل ويمكن اعتباره بالاستفزاز المتعمد للشارع، وظهر ذلك من خلال المثير تفاعله مع القرار عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إذ لن يقدم أو يؤخر مبلغ ألف ليرة - على أبعد تقدير- في مساعدة الأسر السورية التي تشير بعض التقارير الاقتصادية إلى أن متوسط ما تحتاجه شهريا يصل ل ٣٨٠ ألف ليرة سورية لتجاوز خط العوز بسبب ارتفاع أسعار آجار البيوت، والمواد الأساسية، علما أن دخل المواطن الذي قد يعيل هذه الأسرة بمفرده لا يتجاوز ٨٠ ألف ليرة سورية في أحسن الأحوال، وعلى المسؤولين أن يسألوا المواطن "من أين لك بالباقي"، فالأمر قد يكشف عن حجم الفساد الذي يعشعش في بنى مؤسسات الدولة، وعن مشاكل وأمراض مجتمعية أخرى لن تقل خطورة عن الفساد، وهذه نتيجة يجب أن يحاسب الفريق الحكومي عليها.

لم تكن البطاقة الذكية إلا عملية لتقنين الدعم الحكومي للمواد النفطية، لكنها على ما يبدو "باقية وتتمدد"، لتشمل مواد أخرى من المضحك بمكان أن تشملها. ومن غير المنطقي أن يترك المواطن نهباً لجشع التجار وعدم قدرة الفريق الحكومي على ضبط سعر الصرف أو تحسين مدخول الدولة من العملة الصعبة.

وقد يكون من المهم الإشارة هنا المآلات التي يمكن أن تؤدي إليها هذه الأحوال، ففي ظل هذه الفوضى العارمة قد يكون على المسؤولين أن يتوقعوا ارتفاعاً في معدل الجريمة في سورية أكثر مما هي عليه الآن.

لا يمكن لمجتمع يرى عجز معظم العائلات عن تأمين متطلباتها أن يلوم رب هذه العائلة أو تلك إن انضم لسرب الفاسدين الذين ينهشون جسد الدولة، مع التذكير هنا أن "عمر بن الخطاب" الذي عُرف عنه تشدده في تطبيق "الحدود"، كان قد أسقط "حد السرقة" في أوقات تقارب ما يعيشه السوريون اليوم.

هي دعوة للفريق الحكومي لإيجاد سبل يسقط من خلالها أسباب الفساد وليس فتح أبواب جديدة له، فما كانت البطاقة الذكية منذ ولادتها إلا بابا عاليا لمرور المواد الأساسية إلى السوق السوداء، وما أسهمت القرارات الحكومية الأخيرة إلا في زيادة الهوة بين المواطن واحتياجاته، ما يدفعه لمد جسر يجتاز به هذه الهوة أيا كان نوع هذا الجسر.
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 6