ملء "الفراغ الديني".. بيضة القبان في شرق سوريا

محمود عبد اللطيف - وكالة أنباء آسيا

2020.01.13 - 07:01
Facebook Share
طباعة

 خلال عمر الأزمة السورية، كان العامل الديني محركاً أساسياً للحراك المسلح في سورية عموماً، إلا أن المنطقة الشرقية على وجه الخصوص تشهد حالة مغايرة عن بقية الجغرافية السورية، إذ يعمل الطرف المسيطر على إنشاء قاعدة شعبية من خلال عملية ملء الفراغ الديني الذي ينتج عن انسحاب الطرف الذي كان يسيطر على المنطقة.


بدأت هذه العملية منذ دخول الفصائل المسلحة الناشطة تحت اسم "الجيش الحر"إلى المنطقة، فآثرت نشر عقائدها المتشددة بدلاً من العقائد الصوفية التي كانت تسود المنطقة.

ومع سيطرة تنظيم "جبهة النصرة"، على معظم أجزاء المنطقة بدأ التطرف في الشعائر الدينية يأخذ طابعاً أوسع، حتى وصل أوجه في أواخر عام ٢٠١٣ بسيطرة تنظيم "داعش" على المنطقة, والذي استمر بممارسة التطرف في أشد صوره حتى بدأ بخسارة مناطق انتشاره منذ بداية العام ٢٠١٧.

مع وصولها, نحت "قوات سورية الديمقراطية" نحو المزاوجة بين خطين متوازيين في العمل الديني، الأول ضمن مناطق ريف دير الزور الواقعة شرق الفرات، حيث ترك لرجال الدين المتطرفين المعتنقين لأفكار تنظيم "داعش"، حرية العمل الدعوي من خلال الدروس الدينية والمسابقات.

أما الخط الثاني فتمثل بتشكيل "اتحاد الإسلام الديمقراطي"، الذي يعمل في مناطق الشمال القريبة من الحدود وحتى ريف الحسكة الجنوبي، ومن خلال المزاوجة بين الوسطية والصوفية بما يرسخ وجود "قسد" كقوة عسكرية حامية للإسلام الذي تتم "دمقرطته" وفقاً لمعتقدات "قسد" الإيدولوجية.

الفراغ الديني في الشرقية بدأ من انسحاب قادة الحركات الصوفية من أمثال "آل الخزنوي"، من المنطقة نحو الأراضي التركية، ما جعل مريدي تلك الحركات عرضة للتأثر بالمد المتطرف، وقد تحول "آل الخزنوي"، نحو الولاء المطلق للنظام الحاكم في تركيا، والذي يتزعمه "رجب طيب أردوغان"، الذي تتلمذ دينياً في شبابه ضمن إحدى حلقات العلم التابعة للطريقة "النقشبندية"، التي تعد بدورها واحدة من الحركات الصوفية.

ومن خلال المزاوجة بين الحركة الدعوية للإخوان المسلمين، ودعاة الحركات الصوفية يحاول النظام التركي التأصيل لوجوده ضمن ما يسمى "المنطقة الآمنة"، وهي الجغرافية التي احتلتها القوات التركية والفصائل الإخوانية الموالية لها من السوريين، بما يضمن الولاء لأنقرة ضمن خطة تغيير ديموغرافي تحمي "الأمن القومي التركي" على حد زعم أردوغان، من انتشار الفصائل الكردية المسلحة قرب الحدود، وينتهج رجال الدين الأتراك ممارسة التكفير بحق "قوات سورية الديمقراطية"، ومن خلفها "حزب العمال الكردستاني"، بوصفهما من "الملاحدة"، وهو الوصف ذاته الذي يطلقه تنظيم "داعش"، على التشكيلات الكردية المختلفة في الراية، والمتفقة بالنهج الإيديولوجي القائم على بناء "كردستان الكبرى".

لا يمكن إغفال قوة العامل الديني في بناء الحاضنة الشعبية ضمن أي منطقة خارجة عن سيطرة الدولة السورية، وهذا العامل يأخذ قوته من إهمال الجهات المختصة وعلى رأسها "وزارة الأوقاف"، نشر الوسطية وبناء الوعي الديني الحقيقي في مختلف أرجاء سوريا في مرحلة ما قبل الحرب، مع إهمال ضبط حالات التطرف الموجودة في مختلف المشارب الإسلامية، ويحتاج الأمر في مرحلة ما بعد الحرب لجهد كبير من الحكومة السورية لهدم الكم التراكمي للأفكار التي زرعت في "الشرقية"، التي مر بها كل أشكال التطرف والسلاح.
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 2