تحقيق: الانقسام الاميركي الداخلي هل يؤدي الى حرب تدميرية في الخارج

اعداد ياسر الطاهر ، واشنطن و خضر عواركة

2020.01.13 - 04:05
Facebook Share
طباعة

   

 

 

 
قراءة في أسباب انقسام الشعب الأمريكي حول الحرب مع إيران
مقدمة
انقسمت آراء النخب والوسط السياسي الأمريكيين، كما انقسم الشعب الأمريكي عامةً والإعلام الأمريكي، خاصةً في ردات فعلهم حول اغتيال الجنرال قاسم سليماني.
وحصلت تظاهرات شعبية لكنها لم تكن حاشدة كتلك التي حصلت قبل حرب العراق 2003.
لم تدعو الاتحادات القومية لمسيرات كبرى، بل اكتفت معظم الفعاليات الأهلية المعارضة للحرب بتنظيم تظاهرات في 70 مدينة، لكن أياً من تلك التظاهرات لم تضم أعداداً مؤثرة تجعل من الرئيس يفكر ملياً قبل القيام باغتيال آخر.
اعتراض المتظاهرين لم يكن على الاغتيال - وقد تمظهر ذلك في الخطابات السياسية والإعلامية - بل ظهر بكل وضوح أن الأمر يتعلق بالخوف من أن يؤدي الاغتيال إلى حرب مع إيران.
الاغتيال بحد ذاته ليس مرفوضاً، فأمريكا تقتل يومياً مدنيين، وتقصف أهدافا في اليمن وليبيا وكينيا ومالي والصومال وأفغانستان، ولا يثير ذلك أي ردة فعل مؤثرة، لا في الإعلام ولا في الأوساط السياسية ولا في الشارع العادي. لكن اغتيال شخصية إيرانية تحتل موقع رسمي هو أمر مرفوض في أوساط واسعة لأن من قام به ترامب، ولأن الخوف من أن يؤدي الاغتيال لحرب مع إيران حقيقي، والحرب مرفوضة عند معظم يمين الوسط من الجمهوريين وعند 90 بالمئة من اليسار الديمقراطي وعند المستقلين.
في الأساس انتخبت القوى الشعبية دونالد ترامب كممثل للحزب الجمهوري لأنه كان ضد الحرب من بين أسباب أخرى، لذا كان مفاجئاً للجميع أن يقوم بمخاطرة استفزازية مع إيران، ما وضع واشنطن وطهران لخمسة أيام على شفير الحريق الكبير والحرب الطاحنة.
يقول معظم المحللين إن ترامب لا يدرس قرارته، ويتصرف بطريقة بدائية غرائزية، وإن الرؤساء عادةً ما يستعينون بفريق عمل يخالفهم في الرأي ليصوب آرائهم، وليعطي للرئيس فرصة دراسة أكثر من وجهة نظر، لكن فريق ترامب المحيط به غير جدير بلعب دور فاعل في إدارة تؤثر قرارتها على 350 مليون أمريكي، فضلاً عن تأثيرها على مليارات البشر حول العالم.
ويرى محللون ومعلقون أن "ترامب يبحث عن إنجاز لا عن حرب، وهو يعرف أن الحرب ستقضي على فرصه في الانتخابات المقبلة في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، لكنه يريد إنجازاً ليبدو قوياً وفاعلاً وحازماً، فلم يعد يكفيه التهديد والوعيد دون فعل أي شي، بينما يقول محللون آخرون إن "بومبيو رئيس السي آي إيه الأسبق؛ وهو إنجيلي متطرف وصهيوني مخلص وصديق مقرب جداً من وزير الدفاع زميله السابق في الكلية العسكرية مارك إسبر، وزميله في الكنيسة أيضا نائب الرئيس المتأنجل مايك بينس، هم ثلاثي يقف خلف الاغتيال والسعي نحو حرب ولو محدودة مع إيران تؤدي للقضاء على خطرها النووي وعلى نفوذها الإقليمي وسط الميليشيات المسلحة في الشرق الأوسط الموالية لطهران والتي تخيف إسرائيل وجودياً.
تظاهر الأمريكيون في الطرقات بزخم معتدل، لكن الرد السياسي من الديمقراطيين ومن المستقلين كان عنيفاً جداً، ووصل إلى حد تقديم نانسي بيلوس مقترح قانون يقيد قدرة ترامب حتى على تنفيذ ضربات متفرقة، فضلاً عن القيام بشن حرب على إيران.
مئات المعلقين والسياسيين والباحثين ألقوا باللوم على "لاعقلانية" فريق ترامب، وعلى "إنجيلية" وتطرف الثلاثي بنس (مولود كاثوليكي وتحول للمذهب الإنجيلي الصهيوني وهو يصف نفسه بالكاثوليكي الإنجيلي ليخدع الكاثوليك المحافظين)، والصهيوني بومبيو، واسبر( غير المعروف تماما بأنه من نفس عقيدة وكنيسة الصهيوني بومبيو، لكن قلة من المحللين والباحثين كشفوا عن ذلك)
احتمالات الحرب مع إيران هي التي تسببت بالتظاهرات، وطبعاً هناك مؤيدون للحرب من جماعات المولودين الجدد من الإنجيليين وفي أوساط الصهاينة المسيحيين، لكنهم مقارنة بغالبية رافضة لا يمثلون أكثر من 18 -25 % من الأمريكيين، وهم القلة، بينما معارضي الحرب هم الأغلبية المطلقة.
لكن مع انحسار خطر الحرب واتضاح أن الرد الإيراني لم يوقع ضحايا بشرية أمريكية كسب ترامب الرهان بين النخب اليمينية المتطرفة، وكسب تأييد الجمهوريين الذين اعتبروا الأمر مغامرة محسوبة ورهان خطر، لكن ترامب اتخذ الخيار الصائب، بينما معظم الديمقراطيين رأوا في الأمر مغامرة لا يجب أن تتكرر.
الأمة الأمريكية .. انقسام يتعمق.


 
 
اولا: على ماذا ينقسم الاميركيون في الوقت الحالي؟
 
اميركا بالنسبة لليمين
- أمريكا بيضاء مسيحية.
- طرد المهاجرين وإقفال الأبواب أمام الهجرة الشرعية من أميركا اللاتينية ومن البلاد الإسلامية.
- إجبار الوسط المالي والاقتصادي على العودة لبناء المصانع التي نقلت إلى الصين وأندونيسيا وفيتنام في أمريكا، و صرف جزء من أرباحهم الهائلة داخل أمريكا للاستثمار في تأمين وظائف جديدة، و رفع مستوى المعيشة للمواطنين.
- الحفاظ على النظام والتقاليد الاجتماعية المحافظة في كافة المسائل، و يطابقون بين قناعاتهم العنصرية كبيض متفوقين على أي عرق أو دين آخر، ويعترون أن كونهم بيضاً متفوقين يتطابق و التعاليم المسيحية المحافظة؟
- القوة الفاعلة في المجتمع، بمعنى أنه لا يجب أن تكون القوة للحكومة، بل للفعاليات الاقتصادية الخاصة والكنيسة والجمعيات الأهلية . لهذا ينادون بحرية تشكيل التنظيمات المسلحة التي لديهم منها الآلاف، ولهذا أيضاً يساندون قانون السلاح الذي لا يحتاج المواطن معه لأي معاملات معقدة عند شرائه أي نوع من أنواع الأسلحة، حتى تلك الحربية المتوسطة.
- اليمين لا يريد للحكومة أن تتدخل حتى في مساعدة المواطنين العاجزين والفقراء، لأن ذلك من صلاحيات الكنائس والمؤسسات الخيرية التابعة لها، ومن وجهة نظرهم أنه كلما تدخلت الحكومة في حياة المجتمع كلما زاد الفساد في مؤسساتها، لأن النفوذ والمال يولدان الفساد وسوف يتمكن نافذون مالياً من شراء ذمم القادة الحكوميين، لهذا يفضّل اليمين حماية الدولة من الفاسدين عبر تقييد سلطاتها على المجتمع إلا في أدنى حد مثل الدفاع والسياسة الخارجية والتنظيم الإداري ورعاية الأمن الداخلي الفيدرالي.
- بالنسبة لليمين فإن حرية قطاع الأعمال في فعل ما يشاء دون وجود أي قوانين تحدّ من قدرته على الحركة والاستثمار؛ بما فيها عدم فرض ضرائب على الشركات وعلى قطاع الأعمال المنتج وحتى الفردي منه، هو أفضل حل لضمان عدم انهيار الدولة.
- برأي اليمين فإن الحكومات حين تتحول إلى دولة رعاية تقدم المساعدة لمواطنيها كما في كندا وبعض دول شمال أوروبا (السويد والنرويج) فإن ذلك يعني انهياراً حتمياً لقطاع الأعمال وللدولة اقتصادياً، لأن ما يحصل هو أن دافعي الضرائب المنتجين سوف يضطرون لدفع المزيد كلما زاد عدد الفقراء، وكلما توسعت الدولة في تقديماتها. وطالما أن المنتجين هم أقلية وباقي الشعب هو المستفيد، فسوف يهرب المنتجون إلى خارج أمريكا، وهو ما كان وراء انتخاب ترامب، المعوّل عليه أن يفعل عكسه، أي أن يدفع الشركات إلى العودة للعمل في أمريكا وليس من خارجها، وهذا جزء من صراعه الاقتصادي مع الصين.
- يعادي اليمين (المتطرف) في الحزب الجمهوري العولمة رغم أنها ولدت من رحم السياسات الجمهورية.
- يفضل اليمين المتطرف في الحزب الجمهوري الموالي لترامب الشعوبية، ويتناغم مع الحركة الشعوبية التي أوصلت أمثال بوريس جونسون للحكم في بريطانيا، والتي يمثلها "مانفيستو" القاتل الإرهابي للمسلمين في نيوزيلندا ومثيله الذي سبقه في السويد، هذه الحركات التي ترى أن لها حقا مكتسبا في بلادها التي هي ملك حصري لها لأنها من العرق الأبيض (بعضهم يرى بلاده بوصفها البيضاء المسيحية، وبعضهم لا يهمه التدين كما يهمه العرق).
- يتطابق اليمين واليسار الأمريكي في رفضهم للعولمة، ولكن الأول يرفضها لأنها أخرجت صناعيي أمريكا منها، في حين يريد اليسار أن يحمي الصناعة الأمريكية بإبقائها في البلاد.


 
 
اميركا بالنسبة لليسار:
 
- أمريكا متعددة الأعراق والألوان.
- أمريكا أكثر علمانية وتقبلاً للمساواة والحريات الجنسية والإنسانية بالنسبة لليسار
- الحكومة يجب أن تلعب الدور الأكبر في حياة المجتمع، ويجب أن تكفل التعليم لكل الأطفال حتى الثانوية العامة، ويجب ان تؤمن الضمان الصحي لكل المواطنين حتى العاطلين عن العمل.
- يجب فرض ضرائب تصاعدية على قطاع الأعمال ليشارك الناس في أرباحه.
- يجب أن تتحكم الحكومة عبر قوانين خاصة بكل التفاصيل المتعلقة بعمل الشركات، كي تسيطر الحكومة على قطاع الأعمال لا العكس.
- بالنسبة لليسار (وليس ليسار الوسط) في الحزب الديمقراطي، لا قوى يجب أن تنافس سلطة الحكومة على المجتمع؛ لا الحريات الفردية ولا الأحزاب ولا المؤسسات الدينية ولا المؤسسات الاقتصادية.
لكن هذه الأفكار لا تطبق فعلياً عبر الديمقراطيين، لكن اليسار المتطرف الذي يمثله كل من إليزابيث وارن و السيناتور بيرني ساندرز يؤمن بذلك ويخوض معركة الرئاسة على هديها.
 
- إن الانقسام وسط الشعب تصاعد وتعمق وأصبح أكثر حدةً من العام 2010، وهو ظهر بكل وضوح كنتيجة لقناعة المواطن العادي بأن الحروب تسببت في خسائر فقط للمواطن العادي ولم يكسب منها سوى النخب وخصوصا النخب الجمهورية التي ساندت الحروب الأمريكية ولا تزال تدافع عنها.
ويبدو أن الانقسام تصاعد وتعمق لأن اليميني في الشارع أصبح أكثر يمينيةً، وقد ولدت وسط اليمين حركات شعوبية متطرفة لأمريكا التقليدية؛ أمريكا التي كانت دوما بيضاء محافظة وبروتستانتية.
كما تعمق بسبب موقف اليمين من المهاجرين الذين يأتي أغلبهم من أمريكا اللاتينية، وبالتالي برأي اليمينيين هؤلاء من أهم اسباب المصاعب الحياتية التي يعانون منها.
في حين يؤيد الديمقراطيون المهاجرين ويقدمون حلولا لغير النظاميين منهم.
 
 
الانقسام الديني
- يمثل البروتستانت ما نسبته 48 % من الشعب الأمريكي (بما فيهم الإنجيليين وهو 26 % والتيار التقليدي البروتستانتي يمثل 18% والأربعة بالمئة الباقون هم طوائف صغيرة منشقة ) وغالبيتهم من البيض.
- السود والملونون هم أقلية محافظة اجتماعياً من البروتستانت، لكن البيض لا يتقبلونهم بينهم، وخاصةً التيار الشعوبي المتطرف المؤيد لترامب، فهؤلاء عنصريون حتى ضد البيض المؤيدين لترامب من الكاثوليك المحافظين والذين صوّت له منهم 49 % إلى 51 % بحسب بعض الإحصاءات التي نشرها مركز " ريال سيرش الشهير"
- الكاثوليك 23% وهم منقسمون اجتماعياً وسياسياً بين يمينيين محافظين ويساريين مناصفةً، ويصوتون بشكل متساوٍ تقريباً بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري.
(حتى العام 1844 كانت نسبة البروتستانت 99% من الأميركيين. وتصاعدت نسبة الكاثوليك في الفترة ما بين عامي 1880 و1920 فوصلت مع قدوم البولونيين والإيطاليين والإيرلنديين إلى 12 % قبل العام 1940 بينما يشكل البروتستانت والمنشقون عنهم من الإنجيليين بكافة تنويعاتهم (ثلاثة كنائس رئيسية )
- 18.3 % من الأمريكيين يصنفون أنفسهم ملحدين أو غير منتمين إلى دين.
- اليهود 2% والمورمون 1% ، المسلمون 0.8 % البوذيين والهندوس والكونفوشيوسيين والسيخ يشكلون 2.5 % و تقريبا 2.7 لا يعطون جوابا عن عقيدتهم في الدين أو الإلحاد.
المصدر
Robert P. Jones, founder and CEO of the Public Religion Research Institute, a nonpartisan organization that studies the role of religion in politics.


 
 
الانقسام العرقي
ينقسم الأمريكيون عرقيا وطبقياً، والانقسامان خطيران على استقرار المجتمع، لكن الأمر تحت السيطرة لأن الأغلبية البيضاء لا تواجه تحدياً حقيقياً، والأقليات الصغرى تبحث عن اعترافٍ بحقوقها ولا تملك طاقة فرض ما تشاء بشكل دراماتيكي.
- البيض القوقازيين 60.7 % (من أصول أوروبية)
- الهيسبانيك المجنسين 17 %
- الأفريكان أميركان 14 %
- باقي الأعراق تحتل النسبة الباقية
- 11 مليون مهاجر غير شرعي معظمهم هيسبانيك.
Edison Research for the National Election Pool, a consortium of media organizations including CNN
Public Religion Research Institutes annual American Values Survey

 

 
 
ثانيا: ما الذي تسبب بالتظاهرات الرافضة للاغتيال؟
 
الفعاليات التي انطلقت بعد اغتيال سليماني
انطلقت السبت في الرابع من هذا الشهر مظاهرات في واشنطن ونيويورك ومدن أمريكية أخرى رفضاً لأي حرب مع إيران، ومطالبةً بخروج القوات الأمريكية من الشرق الأوسط، وذلك غداة العملية الأمريكية التي قُتل فيها قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري.
وأمام البيت الأبيض، تجمّع نحو مئتي شخص تلبيةً لدعوة منظمات يسارية، وطالبوا "بانسحاب القوات الأمريكية من العراق فوراً"، وبرفض الحرب على إيران والعقوبات المفروضة عليها. وكانت المنظمات اليسارية قد دعت إلى مظاهرات في 70 مدينة أميركية.
في ساحة "تايمز سكوير" بمدينة نيويورك، نظّم المتظاهرون مسيرةً رفعوا فيها لافتات تطالب بعدم الدخول في "حرب ضد إيران"، وبسحب الجنود الأمريكيين من العراق. وكُتب على إحدى اللافتات "الحرب ليست استراتيجية للفوز بولاية رئاسية جديدة".
وكذلك نُظّمت مظاهرات أمام برج ترامب في شيكاغو وفي لوس أنجلوس، لإدانة الهجوم الجوي الذي أمر الرئيس دونالد ترامب بشنه في العراق وأدى إلى قتل سليماني، وإدانة قراره إرسال نحو ثلاثة آلاف جندي إضافي إلى الشرق الأوسط.
وتظهر استطلاعات الرأي اعتراض الأمريكيين بشكل عام على التدخلات العسكرية في الخارج. وأظهر استطلاع أجراه مجلس شيكاغو للشؤون العالمية في العام الماضي أن 27% من الأمريكيين يعتقدون أن التدخلات العسكرية تجعل الولايات المتحدة أكثر أمناً، في حين قال نحو 50% إنها تجعل البلاد أقل أمناً.


 
 
نقطة الإشكال الأولى التي أثارها معارضو ترامب هي وقاحته، إذ إنه هرب من محاكمته أمام مجلس الشيوخ محاولاً إشعال حرب مع إيران .
ومعظم من علقوا على الأمر هالهم أن يلجأ رئيس الولايات المتحدة الأمريكية إلى وسيلة مافياوية للهرب من العدالة. إذ إنه أراد إشعال حريق دولي بقتله سليماني ليخفي آثار جريمته الدستورية..
هل يكفي أن ندرس أسباب ترامب لاغتيال سليماني كي نفهم سبب التظاهرات المعترضة على الاغتيال؟؟
لدراسة المجتمع الأمريكي يجب تقسيم الدراسة بحسب الانتماء الديني (عند البيض والهيسبانيك)
وعند البيض يجب تقسيم الدراسة بحسب الانتماء العرقي (أوروبي غير أوروبي) وديني (إنجيلي وغير إنجيلي).
أي انقسام حول مسألة خارجية عادة ما تحصل بين النخب وليس بين الجمهور التابع والمتأثر بنسبة كبيرة جداً بالإعلام.
الإعلام الأهلي والسوشال ميديا سلاح بيد الأمريكيين ضد شعوب الشرق الأوسط، لكنها في أمريكا سلاح بيد الفئات المعارضة للمؤسسة التقليدية الحاكمة، ما يعطيها فرصة نشر أفكارها والتأثير على المواطنين لأن الستريم ميديا، إي الخط العام للفضائيات ولوسائل الاعلام والنشر الرئيسية خاضعة للمؤسسة الحاكمة و99% من الشركات الإعلامية والإنتاجية للإعلام هي ملك شركات المال والسلاح والنفط.
لكن يبقى للستريم ميديا تأثير حاسم.
في هذه المرحلة اختلفت لوبيات الحكم ضد بعضها البعض، وترامب يمثل جزءا طارئا من اللوبي الحاكم، وقد روضوه بالقضايا المرفوعة ضده، لكن "الماين ستريم ميديا" تقف ضده مما يعطي لمعارضي المؤسسة كلها زخما.
لهذا من خرجوا ضد ترامب ليسوا حلفاء لشعوب الشرق الأوسط ولا للشعب الإيراني، ولا هم راضون عن سليماني، بل هم خليط من المعارضة الجذرية من خارج المؤسسة التقليدية، ومعارضون لترامب من داخل المؤسسة.
الانقسام لم يكن أبدا حول وجوب اغتيال عدو خطير للولايات المتحدة الأمريكية، ولا لأن الشعب الأمريكي محب للسلام، بل لأن الحروب السابقة في العراق وأفغانستان مثلت نموذجاً يرفض الأمريكيون، يمينهم ويسارهم، ديمقراطيون وجمهوريون العودة إليه. ليس لأن الحروب تلك تسببت بكوارث إنسانية، بل لأنها تسببت بمشاكل اقتصادية للأمريكيين، ولأنها تسببت بخسائر في الأرواح، ولأن الشعب الأمريكي سمع مطولا من المتنافسين في الكونغرس، وفي الإعلام، ومن المتنافسين على الرئاسة، منذ العام 2004 إلى هذا الوقت عن التريليونات المهدورة من أجل كذبة صنعها طاقم المحافظين الجدد في إدارة ترامب لغزو بلدين لم يكونا ليشكلا خطراً حقيقياً على الأمريكيين في أمريكا نفسها.
من تظاهروا لم يكونوا من الجماعات القادرة على تأسيس حركة فاعلة ومؤثرة على الإدارة لتوقف عملياتها الحربية ضد إيران لو أنه أراد ذلك، لأن الحركة المعارضة للحرب التي كانت قوية جداً في عام 2003 لم تبدل شيئا في خطط الإدارة بالرغم من أنها عمت كل المدن بل عمت كل مدن العالم وشارك فيها الملايين، وهي ضعفت بعد الانسحاب الأمريكي من العراق وبعد تراجع الخسائر البشرية التي تسقط بين الأمريكيين في أفغانستان. إن مقتل الأمريكيين هو ما يثير معارضة الشعب الأمريكي، أما فيما لو أن الحروب الأمريكية لا تتسبب بخسائر اقتصادية ومالية وبشرية للأمريكيين فلا أحد سينتبه للحروب ولا لمضاعفاتها على شعوب تقع ضحية الغزو الأمريكي.
ما أثار موجة التظاهرات ليس الحس الإنساني ولا الأسف على الجنرال قاسم سليماني، بل الانقسام العميق وسط فئات الشعب الأمريكي حول الكثير من القضايا التي تنسحب على مواقف المواطنين والنخب، خاصةً اولئك الذين يرفضون أي شيء يصدر عن دونالد ترامب.
وكذلك يتخذ السياسيون والصحافيون والإعلاميون والفنانون والأكاديميون ورجال الأعمال والمال والصناعة والزراعة والثقافة والأدب والسينما مواقفهم من الاغتيال بناءً على موقف عام رافض للحرب أولاً، وثانياً لأن الاغتيال أمر به دونالد ترامب مع ما يمثله لمعارضيه من شر مطلق وغباء مطلق وعدم عقلانية مطلقة. وأغلب المعارضين له هم معارضون لأنصاره بناءً على موقف داعميه متعددي المنابع الفكرية والشعبية والمصلحية والمرفوضين من معارضيهم اليساريين.
تاريخياً، أمريكا منقسمة بين يمين ويسار؛ يمين وسط تقليدي يمثله الحزب الجمهوري، ويسار وسط يمثله الحزب الديمقراطي، لكنها الآن منقسمة بشكل أعمق بين يمين متطرف يزداد تطرفاً ويسار متطرف يزداد تطرفاً.
كلاهما؛ اليمين واليسار يتفق على أن الوجوه التقليدية مثل جورج بوش وباراك أوباما وكلينتون لم تقدم أي شيء للمواطن العادي، لذا من يعادي ترامب يعاديه لأنه يمثل استمرارية المؤسسة برأيهم، ومن يوالونه فلأنه يمثل انقلاباً ولأنه من خارج الطبقة الجمهورية التقليدية.


ثالثا: الانقسامات وتأثيرها على الموقف من الحرب على إيران
 
يمثل الحزب الجمهوري 34 بالمئة من الأمريكيين وفق إحصاءات " أميركان بروغرس إنستيتو" فيما يمثل الحزب الديمقراطي 38 بالمئة من الأمريكيين، بينما باقي الأمريكيين هم من المستقلين. ولهذا فإن القتال في الانتخابات يكون دوما على فئة المستقلين. وأغلب هؤلاء مثل أغلب الأمريكيين غير المؤدلجين، والذين يؤثر في تصويتهم أمر واحد فقط هو وضعهم المالي، وانعكاس سياسات الرئيس الضريبية على حياتهم، وانعكاس سياساته على الوظائف والرواتب.
لكن ثلاثة من كل أربع ناخبين في أمريكا عرضةٌ لتبديل آرائهم نحو قضايا داخلية بتأثير الإعلام ورجال السلطة، وأما الإنجيليين المتطرفين الموالين لإسرائيل دينياً فهم 1 من كل 4 ناخبين، ولا يبدلون آراءهم قط طالما السياسة المتبعة ترضي إسرائيل ( يشارك في الانتخابات الأمريكية كحد أقصى 52 إلى 54 بالمائة ممن يحق لهم التصويت فقط لا غير، لكن من يحق لهم التصويت من الإنجيليين المتطرفين أتباع الصهيونية يصوتون بما نسبته 80 بالمائة، فهم ليسوا ربع الشعب لكنهم ربع المصوتين، وهؤلاء لو ضرب ترامب قنبلة نووية على مدينة أمريكية وقال إن فيها أمريكيين موالين لأعداء إسرائيل لقالوا هللويا).
- حقق ترامب في الموضوع الاقتصادي إنجازات وأمّن وظائف كما لم يفعل غيره منذ انتهت عهدتي الرئيس الأسبق بيل كلينتون.
لم يكن الشعب الأمريكي والنخب السياسية الرسمية وأولئك الناشطين في المجتمع الأمريكي المدني منقسمين ومتحاربين سياسيا وإعلاميا كما هم اليوم، وخاصةً منذ وصل الرئيس دونالد ترامب إلى منصب الرئيس من خارج الحزبين الجمهوري والديمقراطي، لكن معظم الجمهوريين والمستقلين يقرّون بأنه حقق إنجازات اقتصادية، وهذا مكمن الخوف عند "الديمقراطي" مثلاً من المفاجأة التي قد يحققها للمرة الثانية في الانتخابات المقبلة.
أربعون بالمائة هي نسبة مؤيدي ترامب الآن، لكن 56 بالمائة من الأمريكيين يقولون إن سنوات الحكم الثلاث الماضية شهدت تحسناً في وضعهم الاقتصادي. ومن بين الأربعين بالمائة الراضين عن ترامب حالياً لا يوجد مستقلين من أصحاب الآراء المترددة، وهؤلاء هم من يحققون له الفوز إذا كان معيار الانتخاب عندهم جيوبهم، وإذا استطاع هو هزيمة الإعلام الأمريكي في قنواته الرئيسية من خلال نشاطه ونشاط حملته عبر السوشال ميديا، وهو أمر حققه من قبل لأنه خاطب الشعوبيين الذين أصبحوا الرقم اثنين حجما في نسبة التأييد التي يتمتع بها ترامب بعد الإنجيليين.
وعلى الرغم من أن ترامب يقول بأنه انتمى دوما للحزب الجمهوري، لكنه في الحقيقة لم يكن على علاقة البتة بالجسم التنظيمي للحزب الجمهوري، وكان جل اهتمامه ينحصر في البزنس و العقارات وفي وول ستريت(شارع شركات البورصة والمال)، وأما نشاطه العام فكان في مجالات التلفزة وبرامج الواقع وحفلات ملكات الجمال.
بالتأكيد كان لترامب علاقات واسعة جداً مع النخب السياسية، لكنه لم يكن محسوباً على أي منها، لهذا يمكن القول إن أحد أهم أسباب فوزه بترشيح الحزب الجمهوري هو خيبة امل الناخبين الجمهوريين من المرشحين التقليديين لسببين أساسيين:
- الأزمة الاقتصادية التي دفعوا ثمنها باهظاً في العام 2008
- خشية الجمهوريين من أن يجري توريطهم أكثر فأكثر في حروب جديدة، خاصةً وأن معظم منافسي ترامب دعموا حربي العراق 2003 وأفغانستان2001.
- توجّه ترامب إلى الناخبين الساخطين والغاضبين في الحزب الجمهوري، وتطرّق إلى همومهم ومصالحهم بأساليب فعالة. ورغم التعليقات الهجومية والأوقات التي بدت أنها ستقضي على حملته بشكل مؤكد، إلا أنه فاز لأنه عرف كيف يتواصل مع المواطنين المأزومين، وعرف كيف يقدم نفسه كشعوبي للشعوبيين الذين يتوسع تيارهم ليس في أمريكا فحسب، بل في كل العالم الغربي، ممن تعيش فيه أغلبية بيضاء ترى نفسها أحق بالبلاد من الطارئين والمهاجرين والملونين والمسلمين.
- من عوامل قوة ترامب أيضا الغضب بسبب الهجرة، بينما السياسة الخارجية ليس لها أي مكان في تقرير الخيار الانتخابي إلا عند الإنجيليين وكارهي المهاجرين والمتعصبين البيض (الشعوبيين).
- لهذا كل من تظاهروا ليسوا من الفئات التي تعتبر أن ترامب يمثلها في الانتخابات المقبلة.
الخلاصة أن المتظاهرين هم:
- ديمقراطيون يكرهون ترامب، حتى لو قال أي شيء أو فعل أي شي، فهم ضده.
- معارضو الحرب من النخب.
- معارضو الحرب من آباء وأمهات الجنود المنتمين إلى القوات المسلحة، الذين يخشون موت أولادهم.
- أهالي القتلى الأمريكيين في الحروب الماضية.
- فئة من السود الناشطين في مجال حقوق الإنسان.
- فئة من البيض والملونين والسود التي ترى بأن الحروب تجعلهم يزدادون فقراً.
- الشاذون جنسياً وجمعياتهم، لأنهم تقدميون في المسائل الإنسانية والخارجية.

 

 
 
رابعا: من هم المتعصبون لترامب ولماذا؟
 
يقول لي دروتمان (Lee Drutman) ، وهو كبير الباحثين في برنامج الإصلاح السياسي في معهد البحوث " نيو أمريكا" New America، إن الأمة الأمريكية منقسمة، وكذا أحزابها، بسبب ستين عاماً من العمل الحكومي الذي أدى إلى كوارث، والصراع الآن بين الأطراف المنقسمة حول القيم بين التقدميين والتلقيديين، وهو انقسام حول القيم والشكل والمواصفات التي يجب أن تكون عليها أمريكا.
ويتابع دروتمان كلامه فيقول في بحثٍ منشور على موقع المعهد الذي ينتمي إليه "إن دونالد ترامب فاز في الانتخابات الأخيرة في 2300 مركز انتخابي هي بالكامل في المزارع والبلدات الريفية الصغيرة التي هي بالتأكيد تقليدية ومحافظة ويمينية ومسيحية وبيضاء، في حين فازت هيلاري كلينتون في معظم المناطق الحضرية والمدن الكبرى.
- إن المخاوف من الإرهاب تجعل صورة ترامب باعتباره الرئيس الذي قتل أخطر رجل في العالم - كما يصفه الإعلام "الترامبي" - الذي يعتمد على السوشال ميديا، لكنه أيضا يعتمد على الإعلام المتلفز اليميني والصهيوني، وخصوصا الإنجيليين الذين يملكون قنوات دينية تبث بعدة لغات ويتابعها عشرات الملايين. كما أن الإعلام "الترامبي" مدعوم بقوة من أدوات مالية سخرت له وجوهاً أكاديمية وإعلامية جعل منها الوسط البحثي الأمريكي اليميني وجوهاً ذات مصداقية، وهؤلاء هم الإيرانيون الأمريكيون المعارضون لنظام بلادهم الأم والذين أصبحوا أشد معارضةً، إذ ينطقون بما يريده ترامب وبما ينفع ترامب تحت عنوان " وشهد شاهد من أهله".
الأمر لا يتعلق بالإعلامية "نجاد علي" التي اتهمها الإعلام الأمريكي الديمقراطي بأنها بوق ترامب ضد إيران، وأنها تقبض من إدارة ترامب لتتحدث في الإعلام بما يخدم ترامب بعيداً عن الموضوعية والشفافية. الأمر يتجاوز امرأة واحدة إلى المئات من الأكاديميين والإعلاميين الأمريكيين الإيرانيين الذي يخدمون كأبواق لترامب شخصياً ولإسرائيل.
وفي هذا السياق ليس مستبعدا أن يصبح المسلمون بعد اغتيال الجنرال سليماني هدفاً محدداً لأكثر خطابات المرشحين الجمهوريين حدّةً كما كانوا في الانتخابات الماضية.
وترامب ليحمي نفسه، سيلعب لعبة التطرف، وسيخاطب الخوف الغرائزي من المسلمين عامةً ومن الإيرانيين خاصةً، مستعينا بإنجازه الأوحد، أي (اغتيال الجنرال قاسم سليماني) ليقول بعد تخويف الأمريكيين ونشر الرعب من عدو وهمي مثل إيران "بأنه هو ترامب فقط من يستطيع أن يحميهم" .
فعل ذلك بن كارسون - وهو أفريقي أمريكي - خلال الانتخابات الماضية، إذ وصف المسلمين بـ”الكلاب المسعورة”، واقترح عددٌ من المرشحين حظر استقبال اللاجئين المسلمين، وانتقد تيد كروز الذين يعارضون الخطاب المعادي للمسلمين. وفي الوقت عينه، اقترح دونالد ترامب فرض حظر على جميع المسلمين الذين يدخلون إلى الولايات المتحدة، واقترح أيضاً إغلاق المساجد وتسجيل جميع المسلمين الموجودين أصلاً في البلاد في قاعدة بيانات تديرها الحكومة. اعترف دونالد ترامب أكثر من أي مرشّح آخر بواقع الغضب وكراهية الأجانب، وعزّز ذلك الدعم. وما يبدو مسيئاً أو غير مناسب للبعض يروق كثيراً لجزء كبير من الناخبين الجمهوريين، ويعكس الدعم الذي يحظى به ترامب هذا الواقع، ولهذا سيكرر ترامب خطابه ليبقي على هؤلاء داعمين له بقوة.

 

 
 
ترامب والانجيليين
 
يهدف حدث الجمعة في كنيسة "كنغ جيسوس انترناشونال"، المعروف أيضاً باسم "إل ري جيسوس"، إلى ضمان عدم تآكل الدعم لترامب بين هذه الشريحة المهمة من السكان.
ويمكن لأي استنزاف - بخاصة في ولايات تعتبر ساحة معركة مثل فلوريدا - أن يقضي على فرص إعادة انتخابه . ففي عام 2016، ساعد الفوز بالعديد من الولايات المتأرجحة الحاسمة ترامب على الفوز بأصوات الهيئة الانتخابية، على الرغم من أن هيلاري كلينتون تخطت ما يقرب من ثلاثة ملايين صوت في الاقتراع الشعبي.
وشعر فريق ترامب ببعض القلق عندما نشرت مجلة "كريستيانيتي توداي" مقالا انتقد ترامب بشدة قبل عيد الميلاد، ودعا إلى عزله عن منصبه.
وقالت المجلة بعد يوم من إحالة مجلس النواب ترامب على مجلس الشيوخ لمحاكمته بهدف عزله، إنه "من الضروري من حين إلى آخر أن نوضح آراءنا بشأن القضايا السياسية".
وأضافت أن "الحقائق في هذه الحالة لا لبس فيها"، في إشارة إلى محاولة ترامب الضغط على أوكرانيا لفتح تحقيق ضد منافسه المحتمل في انتخابات 2020 الديموقراطي جو بايدن.
وقالت المجلة إن "رئيس الولايات المتحدة حاول استخدام سلطته السياسية لإكراه زعيم أجنبي على مضايقة أحد خصوم الرئيس السياسيين وتشويه سمعته"، معتبرة أن "هذا ليس انتهاكاً للدستور فحسب، إنما أيضا، والأهم من ذلك، أمر غير أخلاقي بشكل كبير".
وبالطبع، فقد سارع ترامب إلى الرد بسلسلة من التغريدات، وكتب: "الحقيقة أنه لم يفعل أي رئيس مطلقاً ما فعلته للإنجيليين أو للدين نفسه".
وأضاف أن المجلة "تفضل رئيساً غير دونالد ترامب يكون يسارياً متطرفاً غير مؤمن، يريد أن يأخذ دينكم وبنادقدكم". وكان من الملفت أن ترامب أشار في تغريدته إلى أمرين: بنادق ودين الإنجيليين، وهما أمران لا يهمان الإنجيليين فقط، بل كافة البيض البروتسانت، وجزء محافظ ومتطرف ومتصهين من الكاثوليك.
وسارعت العديد من الشخصيات الكبرى من الحركة الدينية إلى دعم ترامب.
المجلة التي انتقدت ترامب تؤثر في 25 مليون مسيحي متطرف، إذ إن مؤسسها هو بيلي غراهام المبشر المسيحي البارز الذي توفي العام الماضي، ولكن عائلة غراهام لم تعد مرتبطة بالمجلة. إلا أن نجله فرانكلين غراهام هو أيضاً زعيم إنجيلي مسيحي مؤثر ومؤيد قوي لترامب، وندد غراهام الابن بالمجلة. وقال في صفحته على فيسبوك: "نعم، أسس والدي بيلي غراهام المجلة، ولكنه لم يكن ليوافق على هذا المقال (...) بل كان سيشعر بخيبة أمل كبيرة".
وأضاف: "كان أبي يعرف دونالد ترامب، وكان يؤمن به، وصوّت لصالحه (...) كان يؤمن بأن دونالد ترامب هو رجل الساعة في هذا الوقت من تاريخ أمتنا".
وتابع غراهام أنه بالنسبة الى "كريستيانيتي توداي" فإن الوقوف إلى جانب الحزب الديموقراطي في هجوم محض حزبي على رئيس الولايات المتحدة أمر غير مفهوم... من الواضح أن المجلة انتقلت إلى اليسار وتمثل الجناح الليبرالي النخبوي للإنجيلية".
وقال توني بيركنز، رئيس مجلس أبحاث الأسرة "فاميلي ريسرتش كاونسل" المحافظ المتشدد، إن المقال هو "صوت منفرد"، وإنه غير قلق مطلقا من أن يقوض دعم الإنجيليين لترامب.
وصرح في مقابلة: "أرى التأييد (لترامب) الآن بقوة التأييد له في 2016، وربما أقوى".
ويقول واحد من بين كل أربعة أميركيين إنه انجيلي، بحسب استطلاع مركز بيو الأميركي.
ملاحظة المحرر: (يوجد بين الإنجيليين فئات كبيرة مثل الكنيسة المشيخية التي لا تتعاطى القضايا السياسية بالنظرة ذاتها للإنجيلية الصهيونية، وهم محسوبون من نسبة الـ 48%، وهي نسبة كل البروتستانت والإنجيليين، وهم أيضا محسوبون من الثلاثين بالمائة تقريباً من الإنجيليين كافةً، وهم ليسوا جميعا صهاينة وإن كان هناك صهاينة هم الأغلبية، فإن الكنائس الإنجيلية غير الصهيونية والتي تعارض أيضا الجمهوريين ليسوا قلة صغيرة).
بالنسبة إلى جونز، فإن مقال مجلة "كريستانيتي توداي" يعكس الانقسامات بين قادة الإنجيليين التي كانت موجودة سابقاً، لكنها لا تعكس الاستياء بين أتباع الإنجيلية.
وأوضح أنه "في عام 2016 لم يعتمد ترامب كثيراً على قادة الإنجيليين، بل اعتمد على الدعوات المباشرة للإنجيليين الذين دعموه في بداية حملته الانتخابية".
ويتعين على ترامب، الذي لم يعمل بجد لجذب ناخبين جدد، ضمان الحصول على الدعم من جميع الذين صوتوا لصالحه في عام 2016 إذا كان يريد البقاء في المكتب البيضاوي لأربع سنوات أخرى.
ونظراً إلى أن 81 في المائة من المسيحيين الإنجيليين البيض صوتوا لصالحه قبل أربع سنوات، فإن حملته ترى بوضوح ما يجب أن تفعله.
والملياردير الجمهوري، الذي تزوج ثلاث مرات ولا يُعرف بتدينه، عرف مع ذلك كيفية توصيل رسالته عام 2016 لليمين المتدين.
فقد اختار مايك بنس -الذي وصف نفسه بأنه "مسيحي ومحافظ وجمهوري، بهذا الترتيب" - نائبا له.
ثم وعد بترشيح قضاة المحكمة العليا والقضاة الفدراليين فقط ممن يعارضون الإجهاض والمؤيدين لتليين قوانين امتلاك الأسلحة.
لكن جونز يقول إن جاذبية ترامب بين الناخبين الإنجيليين لا يمكن حصرها في بضع نقاط سياسية رئيسية، بل إنها تكمن في قدرته على طمأنة مجموعة تشعر بضعف متزايد في أمريكا التي يقل فيها عدد البيض بشكل متزايد.
وقال جونز إن ترامب "يقضي كل وقته في الحديث عن المهاجرين والطريقة التي تتغير بها البلاد، وهو الشخص "الذي سيبني الجدار" على الحدود مع المكسيك.
وفقا لبيانات "فاميلي ريسرتش كاونسل" ..

 

 
 

 

 
 
خامسا: هل سيعود ترامب رئيسا عام 2020 وهل عملية الاغتيال تساعده في ذلك؟
 
يعتمد كل رئيس يعاد انتخابه على إنجازاته الاقتصادية أكثر مما يعتمد على إنجازاته الخارجية، ومع ذلك أصبحت السياسة الخارجية في الواقع موضع التركيز المهيمن على حملات مرشحي كلا الحزبين، وهذا أمر غير اعتيادي من بعض النواحي، لطالما اعتُبرت السياسة الخارجية مجال الحزب الجمهوري، وأظهرت استطلاعات الرأي العام منذ عقود أنّ الأمريكيين يثقون في الحزب الجمهوري أكثر من الحزب الديمقراطي عندما يتعلق الأمر بمثل هذه القضايا. ولكن في انتخابات العام 2016 مثلا كان الطرفان يرغبان في مناقشة السياسة الخارجية. يناقش الجمهوريون هذه المسألة من المنطلق الاعتيادي عينه، ويعتبرون أنّ قيادة الرئيس ترامب ناجحة جداً وقد حل العديد من المشاكل التي تسبب بها باراك أوباما، مثل المشاكل التي تواجه منطقة الشرق الأوسط، وأفريقيا، وجنوب شرق آسيا، والصين، وروسيا، وشبه جزيرة القرم، وأوروبا.
تتنوع قضايا السياسة الخارجية التي تجري مناقشتها في سباق العام 2020، ولكن إيران ستكون على رأسها، ولا شك بأن المعضلة الاميركية المزمنة كانت " كيف نعالج موضوع إيران".
لو أن الأمر أدى إلى حرب (الاغتيال) لخسر ترامب الانتخابات قبل أن تظهر نتائج الحرب. ولو كان خروجه من الاتفاق النووي أدى إلى انهيار إيران واستسلامها لكان ضمن الفوز منذ الآن. لكن أيضا لم يؤدي تشديد العقوبات على إيران وعناد ترامب في الخروج من الاتفاق إلى ما يخشاه الأمريكيون، أي الحرب، ولهذا سيسوق ترامب هذا الأمر (الخروج من الاتفاق) كإنجاز له وسط اليمينين، وسيروج لاغتيال سليماني على أنه ايضا علامة فارقة له شخصياً، حيث لم يجرؤ عليها ثلاثة من الرؤساء الذين سبقوه والذين عاصروا سليماني.
في الوقت الحاضر، فإن قطب العقارات الذي تحول إلى رئيس، ليس لديه ما يخشاه. فوفقاً لاستطلاع حديث أجراه معهد "أبحاث الديانة العام"، أبدى 77% من الجمهوريين الإنجيليين البيض رضاهم عن أداء ترامب
والناخب الديمقراطي المعارض لترامب أصبح في العام 2020 اكثر تطرفاً، ما يعني تكتل البيض الجمهوريين خلف ترامب خوفاً من مرشحين ديمقراطيين قد يسايرون قاعدتهم التي تريد الذهاب بعيداً في برامجها اليسارية.
ويقول روبرت ب. جونز، الرئيس التنفيذي للمعهد: "لم نرَ بالفعل خلال فترة رئاسة ترامب أي تصدعات واضحة، و قال جونز، مؤلف كتاب "نهاية أمريكا المسيحية البيضاء"، إن "استطلاعاتنا تظهر أنهم لم يتأثروا إلى حد كبير بإجراءات الإقالة".
ولعل النشاطات المتطرفة لدعم ترامب اهتزت لفترة، فهل كان الاغتيال فرصة لإعادة تأكيد دعم الإنجيليين لترامب؟


 
 
 
 
خاتمة:
 
من الواضح ان اميركا المنقسمة هي اخطر من اميركا التي تعرف ما تريد، لكنها اميركا الأضعف مما عرفناه منذ الحرب العالمية الثانية. فهي لا تواجه تحديثا يمكن لحرب باردة ان تقضي عليه كما حصل مع الاتحاد السوفياتي لان العدو داخلي وهو الشعب والنخب الاميركية التي لم تعد اساليب السيطرة القديمة قادرة على ابقائهم ضمن السياق القطيعي الغبي المسيطر عليه بالاعلام. فكما ان للسوشال ميديا ايجابيات على اميركا كذلك لها سلبيات فهي وسيلة المقموعين والنخب المتنورة لاعلاء الصوت ومنبر لتوعية الطبقات المسحوقة لواقعهم الذي يمثلون فيه دور " السوبرمان" بينما هم واقعا ادوات تملك ثروات باطنية هائلة يسرقها منذ قرون بضع شركات والاف قليلة من البشر يستعبدون 328 مليون انسان يظنون انهم الاكثر حظا من بين البشر.
 واميركا المنقسمة هي اخطر من اميركا التيى عرفناها ابان حكم المحافظون الجدد الذين سادوا في الفترة الذهبية لهم ابان حكم جورج بوش الابن حيث وقفوا خلف غزو كل من العراق وافغانستان لان الاضعف عن مواجهة شعبها لذا قد تذهب الى كارثة خارجية لتعيد السيطرة على تيارات تنازع الخاكمين سلطانهم ولو بخجل وبقوة بسيطة لم تملك النفوذ الشعب المؤثر بعد لكنها في الطريق الى امتلاكه.
  اميركا المنقسمة ستزداد انقساما لان لا شيء يلوح في الافق سوى المزيد من اسباب الانقسام الطبقي، والديني والعرقي والاثني والمصلحي. ولان العالم لم يعد سهلا لتحقيق مصالح الطبقة الحاكمة دون اثمان على الشعب – الاداة.
واميركا المنقسمة قد  تأخذ العالم معها في خلافاتها بالطريقة التي حصلت من خلال هروب ترامب من استحقاقات التحقيق بملفات داخلية امام الكونغرس الى مغامرة  ضد ايران. و لولا تكاليف الحرب مع ايران لما تورع ترامب عن الرد على الضربة الايرانية الانتقامية.
مع اميركا المنقسمة كل شيء قابل لأن يكون منطقياً حتى الجنون الذي يتمثل في هياج الشعوبية وانتشارها في اميركا بالتزامن مع صعودها في كل بلاد يعتبر بعض اهلها ان للبيض حق الهي فقط لانهم بيض.
والمنطقي القول ان كل شيء وارد الى ان يستقر النفوذ بين جبابرة الصراع من خلف الكواليس في اعظم قوى التدمير في العالم التي هي واقعا اعظم قوى اقتصادية بعد الصين.
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 9