الوظيفة آلهة طوائف و قديسين، والراتب عشرة مليارات سنويا

خضر عواركة – وكالة انباء اسيا

2019.12.16 - 12:31
Facebook Share
طباعة

 

 

 

من الصعب إقناع شعب لبنان بأن الفساد الذي يتحدثون عن انه افقرهم وافلس دولتهم وعتم بيوتهم وطرقاتهم وابعد ابنائهم الى المهاجر انما هو من صنع قائدهم المفدى كليا او جزئيا.

ملايين اللبنانيين متفقون على ان هناك فساد، لكنهم جميعا متفقون أيضا ان زعيم كل منهم الطائفي ليس فاسدا البتة. فمن ميزات الشعب اللبناني الوارث في أجياله الشابة لعصبيات الحرب الاهلية وشرورها الطائفية ان كل من فئاته الطائفية لا ترى القذى في عين زعيمها بل تراه في عين الزعماء الآخرين.

 

الانهيار حاصل والافلاس قريب فمن المجرمين الذي نهبوا المال العام؟؟

واقعا، يعرف اللبنانيون الحقائق ويرونها بأم العين في يومياتهم، لكن المشاعر الغرائزية تبرر للزعيم ما لا يجب تبريره. لذا يتقبلون فساد الزعيم المفدى لأن الزعيم ليس فاسدا سوى لانه زعماء الطوائف الاخرى فاسدون وهو يحفظ حصة الطائفة ويحميها.

 

هل وصل لفقراء الطائفة شيء؟؟

الجواب دوما عند المحازبين في تعداد الانجازات وكأن تلك الانجازات الحقيقية تبرر للزعيم منح نفط البلاد لابناءه هدية لعشرين جيلا بموجب المرسوم التطبيقي للقانون الخاصة باستثمار النفط رقم 43 2017.

كاتب النص سأل اكثر من طرف حزبي ان كان اي منهم نوابهم قد حصلوا على فرصة الاطلاع على ذلك المرسوم قبل اقراره بالاجماع في جلسة لمجلس الوزراء فلم يحصل على جواب من اي طرف والكل سوف وتهرب. والواقع يثبت ان مرسوما سريا انما يحتوي ما يشين الحكومة السابقة ووزرائها واحزابها والا لماذا ينشرون كل ما يتعلق بالقانون المعني بالثروة النفطية الا هذا المرسوم جعلوه سريا؟؟.

لكن للمواطن البسيط عذره. فمن نهبوا 400 مليار دولار على الاقل خلال السنوات الثلاثين الماضية هم انفسهم ابطال الطوائف الفعلييين. بل ان بعضهم ابطال وطنيين لا ابطال طوائفهم فقط. و هم العظماء و هم الاخيار في جانب، لكن في جانبهم الاخر هم من مارسوا الغش والتزييف في علاقتهم بأنصارهم بما يخص المال العام وهم الجشعون بلا حدود.

البعض منهم مثل المرحوم رفيق الحريري عمت افضاله ثلاثين الف عائلة في لبنان ممن ارسل ابنائهم دون تمييز طائفي فعلي الى الجامعات العالمية. وله افضال كثيرة على السلم الاهلي الذي مارس دور الوسيط لتحقيقه حتى ولو كان هو نفسه بموجب شهادات ارباب الحرب من مولهم ايضا في احيان كثيرة بتكليف من السعوديين.

 

من ينسى ان الحريري جعل من بيروت المحطمة درة جميلة؟؟

حتى لو ان ذلك تم عبر بيع املاك اصحاب الحقوق فيها لشركات وهمية تمثل الحريري نفسه وعائلته وشركاءه.

آلهة الطوائف خيرهم كثير، لكن شرهم المالي انهى قدرة هذه البلاد على احتضان بيئة صالحة لعيش الانسان بكرامة وفقا لمقاييس دول العالم الثالث في الخمسينيات من القرن الماضي.

 

فكيف ننكر مساهمة جنبلاط في دحر الفاشيين التابعين لأمين الجميل؟

وكيف ننكر فضله وفضل نبيه بري في طرد الفاشيين العملاء في جيش العميل طنوس الذي اختطف واخفى مع الفاشيين الكتائبيين 17 الف لبناني من ضحاياهم الذين فقدوا خلال سيطرة امين الجميل وجيشه العنصري على بيروت الغربية.

 

ومن قاتل لفتح طريق بيروت دمشق التي أمنت خط امداد لتحرير لبنان؟؟ اليسوا مقاتلي الحزب التقدمي الاشتراكي وحلفائه في حركة امل والقوى الوطنية والفلسطينية؟

لكن العظماء انفسهم، احتكروا استيراد الغاز والنفط ، واحتكروا المولدات واستيراد مازوتها وعتموا بيوتنا وطرقاتنا وقرانا ومدننا منذ ثلاثين عاما لان قطاع المولدات يجني لهم مليارا عدا ونقدا. كما ان النصب والاحتيال على المال العام باسم مشاريع الكهرباء واصلاح المحطات يجني لهم ايضا مجتمعين مليارات عدة.

ورثتهم كبروا، وصار لدينا الزعيم الجشع، وابنائه وبناته وشركائهم في الحب والزواج وزادت حاجاتهم للنهب والسلب باسمنا وباسم الطوائف.

وخرج من بين الجميع شرير ليس فيه حسنة واحدة حتى لطائفته فنهب 11 مليارا وزع منها حصصا وازنة لكل الشركاء فغطوا سرقاته.

هم من افقروا بلادنا، وابعدوا الابن عن امه والابنة عن ابيها طلبا للرزق في الهجرة لان الوظائف محصورة للاتباع الخلص ولمن يدفع الخوة لمستشاريهم.

وانظروا الى نائب بحجم مختار في عكار تبين انه يسيطر عبر زبانيته على ادار السير(النافعة) ويجني له منها من يدعمهم المبلغ المرقوم فكم يجني زعيم بحجم الطائفة؟؟

المشكلة ليست في الناهبين، بل في العقلية الشعبية التي تبايعه وهي تعرف يقينا انه سارق.

فكل منهم يعتقد ان زعيمه يستحق ان ينهب ما يشاء "فنحن صنيعتهم، وجميلهم علينا اكبر مما اخذوه"

هكذا يراهم الأنصار وهكذا هم يرون انفسهم.

 

أما الواقع المجرد من العواطف؟

نحن لسنا فقراء لكن هناك ٥٠ شخص استعاروا منا ٤٠٠ مليار دولار. هم يرونها من حقهم لاننا لم نطالبهم بها. ولان هتافات انصارهم وعبادة الزعيم تحول هؤلاء حقا الى آلهة بنظر انفسهم.

لذا لا يهمهم المصاعب التي يعانيها الناس، ولا يهمهم الجوع ولا فقدان الوظائف ولا جوع المساكين ولا ارباب العائلات المقطوعين من قرش يسدون بهم كرامتهم، او يدفعون به ثمن طعام ابنائهم. هم لا يرون انفسهم مقصرين واغلبهم مثيل لاحمد الاسعد الذي كان يعتقد ان تعليم ابنه " كامل" يغني عن بناء مدارس في جنوب لبنان لذا لم يطالب بذلك.

زعماء الطوائف يعتقدون كما الشيخ الحزبي الذي قال مرة " لشو تعب القلب ما بس تمرضوا راح تتصلوا بالنواب ليدخلوكم مستشفى"

تخيلوا شيخا في حزب مقاوم يتفوه بهذا الكلام لجمهور غاضب من نواب حزبه الغير معني حقا وفعلا بأي حصة من فوائد الفساد نظرا لتركيبته التي تجعله يبادل الصمت عن النهب مقابل الصمت عن سلاحه، فتخيلوا كيف يفكر غيره من ارباب المليارات المنهوبة؟

هكذا حين يمرض الفقراء يعتقد الزعماء الابطال المحررين العظماء ان كل مريض يكفي ان يتصل بنوابهم فيشفى. او ربما اذ ينظرون الى ابنائهم باسمين يعتقدون ان كل المواطنين بخير.

والزعماء أنواع فليسوا جميعا على نفس المستوى من النهب والاجرام، فمنهم من نهبنا بالفطرة ظنا منه ان البلاد ملكه مثلما السعودية كانت ملكاً لصديقه فهد.

ومنهم من نهب قطاعات النفط والغاز والمازوت بالشراكة مع ارباب المهنة منذ ايام الحرب الاهلية ولم ينزع منه السلم المستمر منذ الطائف تلك المصادر المالية الهائلة وقد قاسمها مع باقي الحكام كل بحصته التي تساوي قدرته على التعطيل.

ومنهم من لم تكن نيتهم النهب لكن اخذوا حصة لأن " اذا بدهم يتحاصصوا بدي حصتي"

ومن آلهة الطوائف الجدد من لم يتمتع كثيرا باضطراره لمسايرة الناهبين كون مشاركته في الحكومة حكمتها تسوية " ان الاقتصاد لنا،والسياسات الداخلية والخارجية لكم"

وبالطبع،كلهم مسؤولون. حتى الذي لم يحصل على فلس من المال العام فلأنه الساكت عن الفساد بحجة الخوف من الفتنة هو أيضا مسؤول. و هذا الطرف عذره مقبول لو كان ضعيفا ولا يستطيع الحسم. لكنه لبنان ولا يحسم الوضع فيه قادر دون اتفاقيات دولية واقليمية وقد رأينا كيف بدا السابع من ايار 2008 حيث توقع الجميع انقلابا على الطائف وتصحيحا للخلل فولدت من تلك الحركة الانقلابية الجذرية الراديكالية تسوية " الدوحة" التي لم توصل حتى الى واحد بالمئة مما كان المنقلبين قادرين على اخذه توقيعا وقانونا من الناهبين او من اغلبهم.

الحجة الدائمة لعدم محاربة الفساد هي خوف القادرين من حرب مع السنة، وهي في ذلك التاريخ حصلت. ولكن سيئاتها بقيت وحسناتها لم تتجاوز خطوط الشبكة الهاتفية الخاصة بالمقاومة. الامر يشبه تحرير لبنان من اسرائيل ثم تسليم السيطرة عليه لجيش لحد اقتصادي سياسي ومشاركته في الحكومة بحصص لا تغني ولا تسمن من جوع

إنه القرار الدولي والاقليمي الذي يفرض سطوته حتى على اصحاب السطوة المحلية الذين يتباعون منذ نشأوا بأنهم لا يقفون عند الخطوط الحمر.

خاب امل الانصاروالمعجبين بخلو تلك الجهة من الفساد والافساد في حينه، ولكن المتمسكين بعدم فتح ملفات الفساد جديا يتذرعون بأن الفتنة كانت لتحصل لو اكملوا ما يجب. عدا عن الخوف من حرب داخل الشيعة.

الثورة والفرصة الضائعة

في اول ايام الحراك كانت قلوب 99% من السياسيين الفاسدين قد وصلت الى الحناجر، وظن اغلبهم ان الشعب اللبناني سيقلب الطاولة عليهم واخذ كثيرون منهم يستذكرون ما حصل لتشاوشيسكو وعائلته. لكن شيئا لم يحصل لان هناك من خاف من الانقلاب الاميركي الذي يدبر له الاميركيون منذ العام 2006 على اقل تقدير. فوقف بوجه الحراك وترك الاميركيين يسيطرون عليه وهو يراقب جمعياتهم التي تمددت حتى صارت هي الثورة.

 

كانت "كفى،للفاسدين" مدعومة بالخيار الشعبي المتبني للحراك كافية لوضع مصير الهة الطوائف وثرواتهم على طاولة التسوية " هاتوا وخذوا سلامتكم الشخصية".

كانت كفى بالقانون تكفي، ولم يكن الخوف من الحرب الاهلية سيكون مبررا لان الجمهور الذي يصاب بالهستيريا العاطفية يتحرك مع الجماعة والشعب كله كان مستعدا لينزل الى الشارع خلف اي طرف ينتقم حقا من ارباب الفساد.

انتهت فرصة تحويل الحراك الى ثورة عارمة يوم استقالة الحريري، حين تحولت الثورة الى استعادة لوحدة وفاعلية قوى 14 اذار يضاف اليهم نشاط جمعيات لحدية واخرى تعمل بوحي الاميركيين بدون مبارة.

اما الحراك اليوم فهو أداة، يستغلها تافهون ومغرضون ودول معادية لتحقيق اهداف لن توصل اللبنانيين سوى الى الفوضى او الحرب الاهلية.


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 8