كتب حقي أوجال: أحفاد العثمانيين يلقنون الكابتن ماكرون دروساً في تعريف الإرهاب

2019.12.13 - 07:08
Facebook Share
طباعة

 لا بد أن السيد ماكرون قد  تعلم لطريقة الصحيحة للجلوس من  كابتن هادوك. ولمن لا يعرفون فإن هادوك قبطان البحر المتقاعد كان صديقًا للصحفي الشهير والمغامر تان تان في المسلسل الهزلي البلجيكي مغامرات تان تان. وغالبًا ما يصور مبتكر المسلسل، رسام الكاريكاتير هيرجيه، القبطان المخمور وهو جالس في وضع مستقيم ويمد إحدى ذراعيه على مسند الكرسي، ويشير بيده الأخرى موجها أصبع الاتهام إلى الشخص الموجود أمامه.


أمضى الكابتن ماكرون نحو عشر دقائق كاملة جالسا أمام ترامب بنفس الطريقة بالضبط. وفقًا لإرشادات حول تفسير لغة الجسد، تشير هذه الإيماءة إلى مستوى معين من العدوانية والتسلط. يقولون إن لغة الجسد هي المفتاح لكشف مشاعرنا الداخلية. وإذا فتح المرء معاني مختلف العلامات، فإنه يستطيع أن يقرأ شخصًا مثلما يقرا كتابا.


 على أن الكابتن ماكرون بدا وكأنه يعطي الانطباع بأنه لم يكن شديد الغضب خلال لقائه مع ترامب الذي وبخه قبل ذلك بساعتين فقط بسبب تشبيهه لحلف الناتو بشخص ميت، كما فعل الرئيس أردوغان، الذي أشار على ماكرون أن يفحص دماغه قبل أن يقلق بشأن حلف الناتو.


أقبل أن أي سياسي شاب لا يزال يواصل تدريبه أثناء العمل سيكون غاضبًا من هذه السخرية. لكن مزاج كابتن ماكرون المنهار يعمل بشكل أعمق قليلاً؛ ففرنسا لم تتلق لطمة واحدة بل عدة لطمات في سوريا من ترامب وأردوغان.


إذا كنت تتذكر تاريخك، فقد كان الموظف البريطاني مارك سايكس هو الذي وقع اتفاقية مع الدبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج بيكو بشأن مصير الإمبراطورية العثمانية التي كانت على وشك السقوط في سوريا والعراق. اتفق الاثنان على أن يأخذ البريطانيون شاطئ البحر المتوسط ​​الجميل في لبنان وسوريا وأن يأخذ الفرنسيون رمال الصحراء العراقية. لم يعجب ذلك الحكومة الفرنسية، لكنها لم تستطع فعل شيء لأنها كانت بحاجة إلى مساعدة البريطانيين. ابتلع الفرنسيون كبرياءهم. ولكن دون علمهم، سرعان ما اكتشف الجيش البريطاني النفط في العراق، ولذلك قام بتحويل المسروقات، حيث قدم الشواطئ الجميلة في سوريا ولبنان إلى الفرنسيين بدلًا من رمال ونفط الفرات. كانت تلك هي الخسارة الأولى في العلاقة الفرنسية.


بعد كل هذه السنوات، مستفيدين من الاضطرابات التي خلقتها الولايات المتحدة في سوريا مع البقاء وراء ظلال الشخصية المغامرة، أنشأ الفرنسيون صلة جديدة مع بلاد الشام. قاموا بتصدير مصانع الأسمنت. لقد ساعدوا حزب الاتحاد الديمقراطي المرتبط بتنظيم بي كي كي وجناحه المسلح ي ب ك على إنشاء دويلة خاصة بهم على الأراضي السورية. وحتى قبل أن تعرب الولايات المتحدة عن دعمها، أعلنت فرنسا عزمها على الاعتراف بما يسمى "الكانتون الكردي" تحت اسم "روجافا". يمثل انتهاك القانون الدولي هذا اعتداءً على السلامة الإقليمية لسوريا وأساء إلى تركيا باعترافها بكيان تديره منظمة إرهابية.


بيد أن تركيا دافعت عن حقوقها في مطاردة الإرهابيين وأرسلت قواتها المسلحة لطرد الجماعة من سوريا، وهو ما وافقت عليه الولايات المتحدة وروسيا. ليس ذلك فحسب، فقد سحب الرئيس ترامب القوات الأمريكية من منطقة الحدود التركية. فقد إرهابيو ي ب ك سيطرتهم بالكامل في جميع أنحاء شمال سوريا، وبدأ نظام بشار الأسد وحلفاؤه الروس والإيرانيون في السيطرة على الأراضي التي احتلها الإرهابيون في يوم من الأيام.


ماذا سيفعل السيد ماكرون؟ لا يستطيع إرسال قوات لتحل محل الجنود الأمريكيين، ولا يمكنه العثور على "دولة" كردية يتبرع لها بمصنع أسمنت آخر (المصنع الأول تحت سيطرة الجيش الوطني السوري). كل ما يمكن أن يفعله هو ما يفعله الفرنسي الجيد: أن يفتح مناقشة نظرية حول التعريف الأنطولوجي والإبستيمولوجي لـ "الإرهابي".


ولذك، كانت تلك الخسارة الثانية للعلاقات الفرنسية. 


مر 100 عام على اتفاقية سايكس - بيكو، ومرة ​​أخرى اجتمع الفرنسيون في لندن لمناقشة سوريا، لكن هذه المرة مع البريطانيين والألمان.


وفي هذه المرة، كان وريث الإمبراطورية التي تقابلوا من أجل تفكيكها  قبل 100 عام يجلس في نفس المبنى الآن على الطاولة ويعلمهم تعريف الإرهابي.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 5