لا حل قبل سنوات

بقلم : توفيق شومان

2019.12.12 - 08:21
Facebook Share
طباعة

  إجراء وحيد وفريد اتخذته السلطة اللبنانية منذ السابع عشرمن تشرين الأول الماضي : حماية المصارف وحراسة كل فرع مصرفي بعنصرين من قوى الأمن الداخلي .


طبقة السلطة وقواها السياسية ، لم تمتلك تصورا او رؤية لإخراج لبنان من انهيار مالي واقتصادي محتوم كان ظاهرا وجليا قبل الحرك الشعبي ، فقد كان لأهل السلطة ثلاثة رهانات للحد من الإنهيار : رهان على مؤتمر " سيدر " الفرنسي ورهان على قطاع الغاز والنفط ورهان على إعادة إعمار سوريا.


ثلاثة رهانات مرتبطة بالخارج ويعصف بها اضطراب العلاقات الإقليمية والدولية ، واضطراب الأمن على الحدود الجنوبية ، واضطراب السلام في سوريا.


ثلاثة رهانات وليس رهانا واحدا


كيف يمكن بناء اقتصاد وطني بالرهان على الرهان ؟


الرهانات الثلاثة أصابها الخسران المبين ، فضرب لبنان الإنهيار المبين .


خسران الرهانات يفتح الذاكرةعلى ما قاله الشاعر المصري ابراهيم ناجي (1898ـ1953) في قصيدته الشهيرة " الأطلال " إذ جاء في مطلعها :


يا فؤادي لا تسل اين الهوى / كان صرحا من خيال فهوى.


ثمة عشرات الدول هوت إلى قاع الإنهيار أو الإفلاس في القرنين الماضين بفعل الفساد أو الحروب مع الخارج أو صراعات الداخل ، وفي قائمة الإنهيار 85 دولة ، منها الولايات المتحدة في عام 1929وألمانيا (مرتان) بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية ، واليابان وبريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية ، والصين في الستينيات والسبعينيات حيث كاد شعبها يتحول آكلا للحوم البشر خلال حقبة ماوتسي تونغ ، وروسيا في عام 1998جراء التحول من النظام الشيوعي إلى النظام الرأسمالي ، والأرجنتين في عام 2001 ، وايسلندة في عام 2008، وقبرص في عام 2013واليونان في عام 2015.

كل هذه الدول تعافت أو شفيت بعد أعوام معدودات او تماثلت إلى الإستشفاء كما هي حال اليونان ، والسؤال الذي يختصر أسئلة التعافي والتشافي : كيف برأت هذه الدول من أمراض الإنهيار ؟.


في اليابان ، امتحن الإمبراطور هيروهيتو(1901 ـ 1989) عقله ،واستقر على قناعة بعد هزيمة بلاده في الحرب الثانية ، بأنه ليس من " سلالة الآلهة " وما يحوزه من مُلك مطلق ووعلو مقام وجلال ليس إرثا متوارثا من " جدته آلهة الشمس " ، التي انبثق عن التسليم بعقيدتها الإيمان بالتفاوت الطبقي والإجتماعي كما كانت تُجهر وتُفصح ديانة " الشنتو"، وحين استبدل هيروهيتو عقله ونظر في مرآة نفسه فرآها بشرا سويا ، لم يعد ينطق ويقول: يا سبحاني .


حين غدا امبراطور اليابان بشرا غدا اليابانيون شعبا


وحين غدا اليابانيون شعبا غدت اليابان امثولة الزمان .


في ألمانيا وبحسب ما يقوله تقريرمنشور على موقع التلفزيون الألماني dw.com/ar/(14ـ4ـ2014) : " يرغب الكثير من الأطفال في ألمانيا معرفة صلة والديهم أو جديهم بحقبة النازية إذ يحيرهم سؤال مهم وهو: هل كان جدي وجدتي من جناة أم ضحايا هذه الحقبة أم أنهم غضوا الطرف عما كان يحدث آنذاك؟ " ، ومثل هذه الأسئلة تنم عن حالة انعتاق العقل الألماني إثر الحرب الثانية من العقل النازي قبل الحرب ، وهو الأمر الذي مهد إلى سبيله كونراد أديناور(1876ـ1967) أول مستشار لألمانيا الغربية في مرحلة ما بعد النازية .


العقل ينقلب على حاله مرة أخرى


من اليابان إلى ألمانيا

وعلى ما يقال : يتغير الإنسان حين تتغير أفكاره ، والإنسان الجديد هو الفكر الجديد الذي ينتجه العقل الجديد.


في الحقبة الشيوعية الماوية ، لم يكن لدى الصينيين ما يأكلونه ، وللحفاظ على الجنس الصيني أصدر الحاكم بأمره صاحب التبجيل والتجليل والتهليل " الرفيق " ماوتسي تونغ (1893ـ1976 ) قرارا بقتل العصافير حتى لا تأكل الحبوب والمزورعات ، فيُضاف إلى ملايين الصينيين الموتى بالجوع ملايين أخرى ، ولما رحل ماو تسي تونغ ، خلفه هوا جيو فينج ( 1921 ـ 2008 ) فاحتمل صوابية الوقوف في منتصف الطريق بين الماوية والتغيير بعدما اعتقل جيانغ كينغ زوجة ماو تسي تونغ و " عصابة الأربعة " التي سعت إلى شد حبال الصين إلى الوراء الشيوعي ، ولما كان من المستحيل والمحال إخراج الصين من ظلمات الماوية ومهالك المجاعة بإنقلاب نصف العقل على نصفه الآخر ، برز إلى الواجهة عبقري اسمه دينج شياو بينج(1904ـ1997) في العام 1979، فأزاح هوا جيو فينج وأحاله على التقاعد، وأكمل نصف انقلاب العقل الثاني وقال : القرن الواحد والعشرون هو قرن الصين ، وهكذا كان .


من قال إن الإنسان لا يغير أفكاره مثلما يغير ملابسه ؟


تصدأ الأفكار مثلما تعتق الملابس


هكذا فعلت اليابان وألمانيا والصين .


ما جرى في روسيا يناظر ما جرى في الصين، فبعد انهيار الإتحاد السوفياتي في آوائل التسعينيات من القرن الفائت ، تسلطت عصابات المال والسلاح والمخدرات واللصوص على الروس و " رفاقهم " السابقين ، وتسلطت على الأحياء والشوارع في المدن الروسية الكبرى "مافيات " القتل والسلب والخطف ، وباتت دولة غير منظورة على خارطة العالم اسمها الشيشان تتحدى دولة القيصر ايفان الرهيب (1530 ـ1584)، وما أن حل عام 1998 حتى أعلنت روسيا إفلاسها ، وحين وصل فذ وخلاق اسمه فلاديمير بوتين إلى رأس السلطة في عام 1999 استلم جثة اسمها روسيا ولكنه قال : من يريد عودة الإتحاد السوفياتي ليس عنده عقل.


هوالعقل الذي أحيا رميم روسيا


العقل الذي يجدد أفكاره ولا يستعبده ماضيه .


عقل عظيم أعاد روسيا عظيمة بعدما كانت عظاما .


قد يقال تلك دول كبرى ، وفي الإجابة على " فذلكة " الوصف النحيل : إن الناظرإلى المدن الألمانية واليابانية بعد الحرب العالمية الثانية أو إلى " قارة " مقابر الجوعى في الصين وأشلاء روسيا السوفياتية ، يستدرك هزالة الوصف حين يأتيه يقين الواقع : بأن الموت لا يستثني الكبار ويطارد الصغار فحسب ، فتلك دول كانت ميتة ، وأحيتها عقول لبيبة وأفكار وهاجة .


ومع ذلك ، ومجاراة ل" الفذلكة " النحيلة ، هذا مثال من دولة ايسلندة الصغيرة و الواقعة في أقصى شمالي المحيط الأطلسي :


في آواخرعام 2008 انفجرت في ايسلندة " ثورة القرع على الطناجر" جراء عدوى الأزمة المالية العالمية التي تفشت آنذاك ، فاستقالت الحكومة وجاءت بديلتها حكومة يسارية جريئة وجادة ، فأممت مصارف عدة بعدما تركتها تسقط وتتلظى بسوء أفعالها ، وألقت الفاسدين في السجون ، ولم تعمل الحكومة على إلقاء تبعة الإنهيار على عامة الشعب ، بل أسقطت ديون الرهن العقاري ، وتعقبت المتورطين فصادرت منهم ما تسنى لها وتيسر ومن دون الذهاب إلى صناديق المال الدولية، وخلال سنوات ثلاث تم تصنيف ايسلندة دولة مستقرة ماليا واجتماعيا ،عادت بعدها أحزاب اليمين لتحكم وتدير البلاد.


في مثال أيسلندة ذهبت حكومة طالحة وجاءت حكومة صالحة


الوجوه التي أفسدت ما أطلت برؤوسها مجددا في حكومة جديدة


ولا استبدلت هذه الوجوه جلود ألسنتها بجلود الوعود والعهود.


خلاصة التجربة الأيسلندية أنها شرعت آليات العقل على التفكير بأسباب لجوء الناس إلى اليسار عند الشدائد وانزياحهم إلى اليمين بعد زوال المصاعب ، فبرزت مقولة مضمونها أن اليسار ينجح في إدارة الدول حين تصيبها كوارث او حين تشتعل بالحروب ، وبمعنى آخر ان حكومات اليسار هي حكومات طوارىء ناجحة او حكومات انتقالية صالحة لتقطع مع مرحلة وتمهد إلى اخرى .


مقولة قابلة للتأمل


مقولة ناتجة عن عقل ينتج أفكارا.


هذا مثال آخرمن قبرص جارة لبنان وقريبته في التاريخ والجغرافيا :


قبل سبعة أعوام، وبالتحديد في عام 2013، انزلقت قبرص إلى حافة الإنهيار المالي وإعلان الإفلاس ، وأصاب القبارصة ما أصاب اللبنانيين من قيود على السحوبات المالية أو تحويلها إلى الخارج ، وإثر مفاوضات عسيرة مع الإتحاد الأوروبي قررت الحكومة القبرصية إعادة هيكلة المصارف ودمجها ، وفرضت سياسة الإقتطاع الصارم على الحسابات المالية التي تتعدى 100 ألف يورو ، فيما الحسابات دون هذا الرقم بقيت في مأمن وأمان ، وفي غضون سنتين ابتعدت قبرص عن حافة الإنزلاق إلى الهاوية والإنهيار .


لو يجنح الخيال من النموذج القبرصي نحو المسؤولين اللبنانيين : من يقبل منهم بسياسة الإقتطاع من ودائعه المالية ؟


هذا المسؤول أو ذاك ، قد يستنجد بأعمامه وأخواله من بني تغلب وقضاعة لو اقترب الإقتطاع من أمواله وأنعامه؟.


لو سرح الظن من الإمتحان الإيسلندي إلى اليسار اللبناني : هل يوافق هذا اليسار على الخروج من الحكم نزولا عند رغبة الناخبين الذين رفعوه في وقت النضب وأسقطوه في زمن الخصب؟


سيصرخ اليساريون : يا للثورة المغدورة .


لو شرد الذهن نحو التجربة الروسية : من لديه في لبنان رؤية إنقاذ مماثلة لرؤية فلاديمير بوتين لإنقاذ روسيا ؟


هل تلك الرؤية " مخبأة " في " أهرامات خوفو " او في " أهرامات خفرع "؟.


لو جمح التخمين نحو الأمثلة اليابانية والصينية والألمانية : من في لبنان لديه جرأة القول : أفكارنا السابقات أنزلت بنا الكوارث الماحقات ؟


من لديه شجاعة القول : أول التغيير تغيير التفكير


من يتقمص دور هيروهيتو او كونراد أديناور او دينج شياو بينج أو فلاديمير بوتين او يسار ايسلندة او يمين قبرص ؟.


من يبدأ أول الحكاية ؟


من ينطق أول الكلام ؟


عشتم وعاش لبنان .

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 4