لبنان الإشتراكي

بقلم : توفيق شومان

2019.11.30 - 05:45
Facebook Share
طباعة

 نأى لبنان بنفسه ، تقليديا ، عن السياسات اليسارية والإقتصاد الموجه منذ استقلاله في العام 1943 إلى أن ابتلعته الحرب في العام 1975.

لا داعي لإعادة استحضار سنوات الإزدهار اللبناني ، اقتصادا وفنا وأدبا وفكرا وإعلاما وحيوية مختلفة الإتجاهات والمشارب ، لم تناظرها سوى الشقيقة مصر في النصف الأول من القرن العشرين الفائت ، فمصر استاذة جميع العرب ، وحين انتكست تركوها ، وحين تركوها انتكسوا ولم تقم لهم قيامة بعدها .

كان في مصر رجل اسمه طلعت حرب

كان في لبنان رجل اسمه ميشال شيحا

الأول هو " أبو الإقتصاد المصري " و الثاني هو " فيلسوف الوطن اللبناني ومفكره الإقتصادي "، ومن جوامع الشبه والحال بين طلعت حرب (1867ـ1941) وميشال شيحا(1891 - 1954)، أن الإثنين عملا في عوالم المصارف والفكر و الكتابة وصاغا قولا وفعلا أسس الإقتصادين المصري واللبناني ، انطلاقا من ايمان مطلق بفكرة الدولة الوطنية الحديثة والإقتصاد الحر.

الإقتصاد الحر لا يعني الإقتصاد " الفلتان " من الضوابط

والضوابط لا تعني اقتصادا موجها ، أي " اللاإقتصاد " كما هي حال الدول الإشتراكية وتجربتها السوفياتية المنهارة.

من إرث التعريفات الإقتصادية لميشال شيحا، أن لبنان " رأس جسر" و " منطقة حرة " و " ملجأ الرساميل " ، وتحت ظلال هذه التعريفات صدر قانون السرية المصرفية اللبناني في الثالث من أيلول من العام 1956، مستهدفا استقطاب الأموال العربية الهاربة من سياسات التأميم الإشتراكية التي اعتمدتها دول عربية عدة ، فأفقرت شعوبها وأجاعتها ، وازداد لبنان غنى وثراء وشبعا وتخمة .

كان الإقتصاد اللبناني الحر ، مع عيوبه ونواقصه ، قد أفسح المجال لقيام طبقة وسطى عريضة كانت مهيأة لإتساع دائم قبل لعنة الحرب وشؤمها ، وكانت الرساميل تخرج وتدخل إلى البلاد بإستقلالية محمية بالقوانين وبمستوى عيش كريم، ومثل الرساميل ، كانت السلع المختلفة تتدفق إلى لبنان او تهجره بإرادة الذات وحريتها.

ومن حقائق ذلك الزمان ، أن البضائع فائقة الجودة والرفعة التي كانت موجودة في لبنان ، ما كانت متوافرة في بلاد العرب وأقطارهم ودولهم .

كان ذلك من زمان

قبل أن يتحول نمط العيش في لبنان مماثلا لنمط العيش في الدول الإشتراكية ، وهذه نماذج :

في الإتحاد السوفياتي كان ثمة سعران للدولار الأميركي ، السعر الأول تحدده الدولة وقيمته 70 كابيك في آواخر السبعينيات ، فيما سعره في السوق السوداء كان أربع روبلات .

المشهد نفسه في لبنان الآن : سعران للدولار ، ومثلما كانت الدولة السوفياتية " تشفط " روبلات ومدخرات " البروليتاريا " تعمل المصارف اللبنانية بحماية الدولة اللبنانية على " شفط " مدخرات وإيداعات اللبنانيين بفئاتهم وطبقاتهم كافة.

لا أحد كان يجرؤ على الإقتراب من إيداعات الحزب الحاكم في الإتحاد السوفياتي ، ولا أحد لديه جرأة اقتراب التفكير من ايداعات الأحزاب الحاكمة في لبنان .

كان أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية وكبار القياديين في الحزب الشيوعي السوفياتي ، ينعمون ويترفهون في " فردوسهم الإشتراكي " ، ويجلبون ألبستهم وأغذيتهم وعطورهم وأحذيتهم من الخارج ، ويستقطرون على " الجماهير" كفاف يومهم أو أقل.

يروي محمد حسنين هيكل في كتابه " بين الصحافة والسياسة " ، أنه كان في زيارة إلى الإتحاد السوفياتي برفقة الرئيس جمال عبد الناصر ، ولما كان للأخير لقاءاته الخاصة مع زعماء الكرملين ، تم ترتيب برنامج خاص لمحمد حسنين هيكل ، من ضمنه رحلة إلى بحيرة كبيرة لإصطياد الأسماك ، وما أن وضع هيكل صنارته في البحيرة حتى التقطت سمكة كبيرة ، وإذ كرر المحاولة نال ما سبق نيله ، وفي المحاولة الثالثة نصيب كما نصيباه الأولان ، فهطلت عليه الدهشة ومعها العجب والإستعجاب فسأل : ما الخطب ؟ فأجابه مرافقه الروسي : هذه البحيرة مخصصة لكبار القادة الشيوعيين في الدولة .

هكذا كان يتنعم القادة الشيوعيون

مثلما يتنعم القادة اللبنانيون

كان السؤال ممنوع هناك والسؤال ممنوع هنا

وهذه قصة ثانية يرويها محمد حسنين هيكل ، وهذه المرة من كتابه " عبد الناصر والعالم " ، وفي الكتاب يقول :

كان لرئيس يوغوسلافيا الشيوعي جوزيف بروز تيتو (1892 - 1980) جزيرة خاصة اسمها " فانجا " ، يقتني فيها القرود النادرة ، ويختزن في أقبيتها الخمور المعتقة ، ومزروع في أثلامها أطيب الأشجار المثمرة المجلوبة من كل العالم ، وفي تربتها أزكى أنواع الخضار وأفضلها ، وقد ملأ تيتو هذه الجزيرة بالطيور العجيبة والحيوانات والديوك البرية والطواويس الغريبة التي تمد أذيالها الملونة متبخترة ومتعجرفة ومتغطرسة.

كان محمد حسنين هيكل يلقب جوزيف بروز تيتو ب "الملك الشيوعي "

تماما مثل "ملوك" السياسة في لبنان

لهم إقطاعياتهم وقصورهم ورفاه عيشهم ورغد معيشتهم ولأغلب اللبنانيين القلة والحسرة والشكوى .

في الإتحاد السوفياتي وسائرالدول " الرفيقة " في المنظومة الإشتراكية ، كانت حركة الأموال مقيدة ، فخروج الأموال محال ، ومن كان يتسلط على الدولة يستبيح ما يشاء من تهريب وتغريب للمال ورأس المال ، وبما يشبه أفعال وأرذال قادة لبنان مع الأموال المنهوبة ، فأفرغوا البلاد من ثروتها وحصنوها في بلاد الغرب القصية والنائية ، فلا يطالها طارق بن زياد إذا تخيل فتح الأندلس مرة ثانية ولا هنيبعل القرطاجي إذا تطلع مجددا إلى الزحف نحو روما .

اختلف قادة لبنان على كل شيء واتفقوا على تهريب الأموال

اتفقوا على تهريب الأموال ليتساوى الناس بالفقر

الإفقار أساس العدل.

و " العدل بالإفقار " على غرار النموذج الإشتراكي ، لايقتصر على دعة عيش كبار الحاكمين وغضارة حياتهم والتنعم بسعة الغذاء وطيباته ، وإنما يشمل الصحة والطبابة والدواء ، فلهم ما يحتاجونه وما يمدهم بالديمومة والعمر الطويل ، وهذه قصة أخرى عن " طبقية الرعاية الصحية " التي كان يعتمدها قادة الإتحاد السوفياتي ، يرويها طبيب الكرملين الخاص الدكتور يفغيني شازوف في مذكراته المعروفة بعنوان " الصحة والسلطة " ، وفيها يقول :

" إن السكرتير العام للحزب الشيوعي السوفياتي ليونيد بريجنيف ، اختارني في العام 1967رئيسا للدائرة الرابعة في وزارة الصحة السوفياتية ".

ـ وما هي الدائرة الرابعة ؟

ـ الإدارة االرابعة هي الإدارة المختصة برعاية صحة الزعماء الحزبيين وكبار رجال الدولة ، ويعمل فيها أشهر وأهم الأطباء السوفييات من شعر الرأس حتى أصابع القدم ، ولا يحق للمواطنيين او حتى للحزبيين العاديين التطبب في هذه الإدارة ، فهي للذين " فوق الفوق " ، وحتى إذا احتاجوا لأدوية من الغرب ، فتأتيهم حكرا لهم من دون السماح بوصولها إلى الناس العاديين ، فللعاديين من الناس والأجناس " دواء سوفياتي عادي " ، وللزعماء غير العاديين أدوية غير عادية حتى لو جاءت من الأعداء !!.

ليس في لبنان إدارة رابعة أو إدارة خاصة للقادة والزعماء ، ولكن في لبنان مستشفيات خاصة شبيهة بالإدارة الرابعة ، لاتستقبل سوى أصحاب " الأيادي الطويلة " ، وإذا احتاجت هذه الأيادي دواء أو علاجا فبإستطاعتها أن تتمدد وتمتد إلى السماء السابعة لتحوزعلى ما تبتغيه من طبابة واستشفاء ، ولو استلزمت لزوميات العلاج والتداوي سفرا نحو دولة في الشرق او دولة في الغرب ، فلا يحول حائل في السياسة ولا يعوق عائق في المال ، فالغاية " الإستراتيجية " القصوى أن يلتقط قادة الأقوام أنفاسهم حتى لو تقطعت أنفاس العوام .

تماما كما كان النموذج السوفياتي :

طبقية سياسية حادة

طبقية مالية شرسة

طبقية غذائية غليظة

طبقية صحية فظة.

هذه الطبقيات الفجة ، جعلت أصحاب القرار السوفييت يعيشون في بروج فوقية تفصلها مجرات وأكوان عن " الجمهور العام " ، الذي خرج على عليائهم فأسقط الهيكل وأصحابه وأحجاره .

ينقل محمد حسنين هيكل في كتابه " الزلزال السوفياتي " عن مسؤول سوفياتي سابق قوله " : عزلنا أنفسنا عن الناس وعن السياسة والإقتصاد والآن تفرض الحقائق علينا أن نشارك مع بقية الدنيا ".

بعد ماذا هذا الإعتراف ؟

بعد ماذا هذا " التواضع الأسطوري ؟

بعد الإنهيار واشتعال النار ؟.

هذه روايتان أخيرتان من روايات الإتحاد السوفياتي ، وكيف كان جميع القادة السوفييت لا يثق بجميع القادة السوفييت ، كما هي الحال في لبنان ، والروايتان يقصهما الدكتور يفغيني شازوف طبيب الكرملين الخاص .

في الرواية الأولى يقول الدكتور شازوف إنه لما أبلغ صديقه مدير الإستخبارات السوفياتية يوري اندروبوف (1914ـ1984) بالحالة الصحية المتردية للأمين العام للحزب الشيوعي ليونيد بريجينف ، خشي اندروبوف مصارحة بريجينف بوضعه الصحي السيء ، وحين عرف بريجينف بحقائق مرضه طلب من الدكتور شازوف إبقاء الأمر مكتوما عن أعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي وعن أجهزة الإستخبارات السوفياتية عامة .

إنها الثقة المفقودة بين القادة السوفييت

هي الثقة المفقودة بين قادة لبنان

كأنهم تتلمذوا في المدارس والجامعات السوفياتية

ولا فرق في ذلك بين القادة والمفكرين

وهذه الرواية الثانية لطبيب الكرملين ، وفيها :

" كان فيلسوف الحزب الشيوعي السوفياتي ميخائيل سوسلوف (1902 ـ 1982) لا يثق بأحد حتى بالأطباء ، وكذلك الحال مع زوجته المرتابة والمهجوسة بكل شيء ، وحين تم تشخيص أمراض سوسلوف وبأنها ناتجة عن تصلب شرايين القلب وقصور في الدورة الدموية التاجية ، رفض سوسلوف الإعتراف بمرضه وأصر على أنه مصاب بإلتهاب أوتاد عضلاته ، وأبى تناول العقاقير اللازمة ، ومع تكرار إصابته بالذبحات الصدرية وظهور بؤر احتشاء في عضلات القلب ، تم خداع سوسلوف وإعطاؤه العقاقير نفسها بعد تحويلها إلى مراهم ، ولما حققت هذه الوسيلة غايتها ، قال سوسلوف : ألم أقل لكم إن قلبي غير مريض لقد استخدمت المرهم وأصبح كل شيء على ما يرام ".

يا له من فيلسوف

يظن الخدعة حقيقة

يظن الوهم واقعا

ولكن : هكذا كانوا يحكمون إلإتحاد السوفياتي

هكذا يحكمون لبنان

انهار الإتحادالسوفياتي ... يعيش لبنان

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 1