الأحد 15 كانون الأول 2019م , الساعة 07:12 صباحاً بتوقيت بيروت

إتصل بنا أعلن معنا عن آسيا أخبار الرئيسية

آخر الأخبار :



لبنان الإشتراكي

بقلم : توفيق شومان

2019.11.30 05:45
Facebook Share
طباعة

 نأى لبنان بنفسه ، تقليديا ، عن السياسات اليسارية والإقتصاد الموجه منذ استقلاله في العام 1943 إلى أن ابتلعته الحرب في العام 1975.

لا داعي لإعادة استحضار سنوات الإزدهار اللبناني ، اقتصادا وفنا وأدبا وفكرا وإعلاما وحيوية مختلفة الإتجاهات والمشارب ، لم تناظرها سوى الشقيقة مصر في النصف الأول من القرن العشرين الفائت ، فمصر استاذة جميع العرب ، وحين انتكست تركوها ، وحين تركوها انتكسوا ولم تقم لهم قيامة بعدها .

كان في مصر رجل اسمه طلعت حرب

كان في لبنان رجل اسمه ميشال شيحا

الأول هو " أبو الإقتصاد المصري " و الثاني هو " فيلسوف الوطن اللبناني ومفكره الإقتصادي "، ومن جوامع الشبه والحال بين طلعت حرب (1867ـ1941) وميشال شيحا(1891 - 1954)، أن الإثنين عملا في عوالم المصارف والفكر و الكتابة وصاغا قولا وفعلا أسس الإقتصادين المصري واللبناني ، انطلاقا من ايمان مطلق بفكرة الدولة الوطنية الحديثة والإقتصاد الحر.

الإقتصاد الحر لا يعني الإقتصاد " الفلتان " من الضوابط

والضوابط لا تعني اقتصادا موجها ، أي " اللاإقتصاد " كما هي حال الدول الإشتراكية وتجربتها السوفياتية المنهارة.

من إرث التعريفات الإقتصادية لميشال شيحا، أن لبنان " رأس جسر" و " منطقة حرة " و " ملجأ الرساميل " ، وتحت ظلال هذه التعريفات صدر قانون السرية المصرفية اللبناني في الثالث من أيلول من العام 1956، مستهدفا استقطاب الأموال العربية الهاربة من سياسات التأميم الإشتراكية التي اعتمدتها دول عربية عدة ، فأفقرت شعوبها وأجاعتها ، وازداد لبنان غنى وثراء وشبعا وتخمة .

كان الإقتصاد اللبناني الحر ، مع عيوبه ونواقصه ، قد أفسح المجال لقيام طبقة وسطى عريضة كانت مهيأة لإتساع دائم قبل لعنة الحرب وشؤمها ، وكانت الرساميل تخرج وتدخل إلى البلاد بإستقلالية محمية بالقوانين وبمستوى عيش كريم، ومثل الرساميل ، كانت السلع المختلفة تتدفق إلى لبنان او تهجره بإرادة الذات وحريتها.

ومن حقائق ذلك الزمان ، أن البضائع فائقة الجودة والرفعة التي كانت موجودة في لبنان ، ما كانت متوافرة في بلاد العرب وأقطارهم ودولهم .

كان ذلك من زمان

قبل أن يتحول نمط العيش في لبنان مماثلا لنمط العيش في الدول الإشتراكية ، وهذه نماذج :

في الإتحاد السوفياتي كان ثمة سعران للدولار الأميركي ، السعر الأول تحدده الدولة وقيمته 70 كابيك في آواخر السبعينيات ، فيما سعره في السوق السوداء كان أربع روبلات .

المشهد نفسه في لبنان الآن : سعران للدولار ، ومثلما كانت الدولة السوفياتية " تشفط " روبلات ومدخرات " البروليتاريا " تعمل المصارف اللبنانية بحماية الدولة اللبنانية على " شفط " مدخرات وإيداعات اللبنانيين بفئاتهم وطبقاتهم كافة.

لا أحد كان يجرؤ على الإقتراب من إيداعات الحزب الحاكم في الإتحاد السوفياتي ، ولا أحد لديه جرأة اقتراب التفكير من ايداعات الأحزاب الحاكمة في لبنان .

كان أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية وكبار القياديين في الحزب الشيوعي السوفياتي ، ينعمون ويترفهون في " فردوسهم الإشتراكي " ، ويجلبون ألبستهم وأغذيتهم وعطورهم وأحذيتهم من الخارج ، ويستقطرون على " الجماهير" كفاف يومهم أو أقل.

يروي محمد حسنين هيكل في كتابه " بين الصحافة والسياسة " ، أنه كان في زيارة إلى الإتحاد السوفياتي برفقة الرئيس جمال عبد الناصر ، ولما كان للأخير لقاءاته الخاصة مع زعماء الكرملين ، تم ترتيب برنامج خاص لمحمد حسنين هيكل ، من ضمنه رحلة إلى بحيرة كبيرة لإصطياد الأسماك ، وما أن وضع هيكل صنارته في البحيرة حتى التقطت سمكة كبيرة ، وإذ كرر المحاولة نال ما سبق نيله ، وفي المحاولة الثالثة نصيب كما نصيباه الأولان ، فهطلت عليه الدهشة ومعها العجب والإستعجاب فسأل : ما الخطب ؟ فأجابه مرافقه الروسي : هذه البحيرة مخصصة لكبار القادة الشيوعيين في الدولة .

هكذا كان يتنعم القادة الشيوعيون

مثلما يتنعم القادة اللبنانيون

كان السؤال ممنوع هناك والسؤال ممنوع هنا

وهذه قصة ثانية يرويها محمد حسنين هيكل ، وهذه المرة من كتابه " عبد الناصر والعالم " ، وفي الكتاب يقول :

كان لرئيس يوغوسلافيا الشيوعي جوزيف بروز تيتو (1892 - 1980) جزيرة خاصة اسمها " فانجا " ، يقتني فيها القرود النادرة ، ويختزن في أقبيتها الخمور المعتقة ، ومزروع في أثلامها أطيب الأشجار المثمرة المجلوبة من كل العالم ، وفي تربتها أزكى أنواع الخضار وأفضلها ، وقد ملأ تيتو هذه الجزيرة بالطيور العجيبة والحيوانات والديوك البرية والطواويس الغريبة التي تمد أذيالها الملونة متبخترة ومتعجرفة ومتغطرسة.

كان محمد حسنين هيكل يلقب جوزيف بروز تيتو ب "الملك الشيوعي "

تماما مثل "ملوك" السياسة في لبنان

لهم إقطاعياتهم وقصورهم ورفاه عيشهم ورغد معيشتهم ولأغلب اللبنانيين القلة والحسرة والشكوى .

في الإتحاد السوفياتي وسائرالدول " الرفيقة " في المنظومة الإشتراكية ، كانت حركة الأموال مقيدة ، فخروج الأموال محال ، ومن كان يتسلط على الدولة يستبيح ما يشاء من تهريب وتغريب للمال ورأس المال ، وبما يشبه أفعال وأرذال قادة لبنان مع الأموال المنهوبة ، فأفرغوا البلاد من ثروتها وحصنوها في بلاد الغرب القصية والنائية ، فلا يطالها طارق بن زياد إذا تخيل فتح الأندلس مرة ثانية ولا هنيبعل القرطاجي إذا تطلع مجددا إلى الزحف نحو روما .

اختلف قادة لبنان على كل شيء واتفقوا على تهريب الأموال

اتفقوا على تهريب الأموال ليتساوى الناس بالفقر

الإفقار أساس العدل.

و " العدل بالإفقار " على غرار النموذج الإشتراكي ، لايقتصر على دعة عيش كبار الحاكمين وغضارة حياتهم والتنعم بسعة الغذاء وطيباته ، وإنما يشمل الصحة والطبابة والدواء ، فلهم ما يحتاجونه وما يمدهم بالديمومة والعمر الطويل ، وهذه قصة أخرى عن " طبقية الرعاية الصحية " التي كان يعتمدها قادة الإتحاد السوفياتي ، يرويها طبيب الكرملين الخاص الدكتور يفغيني شازوف في مذكراته المعروفة بعنوان " الصحة والسلطة " ، وفيها يقول :

" إن السكرتير العام للحزب الشيوعي السوفياتي ليونيد بريجنيف ، اختارني في العام 1967رئيسا للدائرة الرابعة في وزارة الصحة السوفياتية ".

ـ وما هي الدائرة الرابعة ؟

ـ الإدارة االرابعة هي الإدارة المختصة برعاية صحة الزعماء الحزبيين وكبار رجال الدولة ، ويعمل فيها أشهر وأهم الأطباء السوفييات من شعر الرأس حتى أصابع القدم ، ولا يحق للمواطنيين او حتى للحزبيين العاديين التطبب في هذه الإدارة ، فهي للذين " فوق الفوق " ، وحتى إذا احتاجوا لأدوية من الغرب ، فتأتيهم حكرا لهم من دون السماح بوصولها إلى الناس العاديين ، فللعاديين من الناس والأجناس " دواء سوفياتي عادي " ، وللزعماء غير العاديين أدوية غير عادية حتى لو جاءت من الأعداء !!.

ليس في لبنان إدارة رابعة أو إدارة خاصة للقادة والزعماء ، ولكن في لبنان مستشفيات خاصة شبيهة بالإدارة الرابعة ، لاتستقبل سوى أصحاب " الأيادي الطويلة " ، وإذا احتاجت هذه الأيادي دواء أو علاجا فبإستطاعتها أن تتمدد وتمتد إلى السماء السابعة لتحوزعلى ما تبتغيه من طبابة واستشفاء ، ولو استلزمت لزوميات العلاج والتداوي سفرا نحو دولة في الشرق او دولة في الغرب ، فلا يحول حائل في السياسة ولا يعوق عائق في المال ، فالغاية " الإستراتيجية " القصوى أن يلتقط قادة الأقوام أنفاسهم حتى لو تقطعت أنفاس العوام .

تماما كما كان النموذج السوفياتي :

طبقية سياسية حادة

طبقية مالية شرسة

طبقية غذائية غليظة

طبقية صحية فظة.

هذه الطبقيات الفجة ، جعلت أصحاب القرار السوفييت يعيشون في بروج فوقية تفصلها مجرات وأكوان عن " الجمهور العام " ، الذي خرج على عليائهم فأسقط الهيكل وأصحابه وأحجاره .

ينقل محمد حسنين هيكل في كتابه " الزلزال السوفياتي " عن مسؤول سوفياتي سابق قوله " : عزلنا أنفسنا عن الناس وعن السياسة والإقتصاد والآن تفرض الحقائق علينا أن نشارك مع بقية الدنيا ".

بعد ماذا هذا الإعتراف ؟

بعد ماذا هذا " التواضع الأسطوري ؟

بعد الإنهيار واشتعال النار ؟.

هذه روايتان أخيرتان من روايات الإتحاد السوفياتي ، وكيف كان جميع القادة السوفييت لا يثق بجميع القادة السوفييت ، كما هي الحال في لبنان ، والروايتان يقصهما الدكتور يفغيني شازوف طبيب الكرملين الخاص .

في الرواية الأولى يقول الدكتور شازوف إنه لما أبلغ صديقه مدير الإستخبارات السوفياتية يوري اندروبوف (1914ـ1984) بالحالة الصحية المتردية للأمين العام للحزب الشيوعي ليونيد بريجينف ، خشي اندروبوف مصارحة بريجينف بوضعه الصحي السيء ، وحين عرف بريجينف بحقائق مرضه طلب من الدكتور شازوف إبقاء الأمر مكتوما عن أعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي وعن أجهزة الإستخبارات السوفياتية عامة .

إنها الثقة المفقودة بين القادة السوفييت

هي الثقة المفقودة بين قادة لبنان

كأنهم تتلمذوا في المدارس والجامعات السوفياتية

ولا فرق في ذلك بين القادة والمفكرين

وهذه الرواية الثانية لطبيب الكرملين ، وفيها :

" كان فيلسوف الحزب الشيوعي السوفياتي ميخائيل سوسلوف (1902 ـ 1982) لا يثق بأحد حتى بالأطباء ، وكذلك الحال مع زوجته المرتابة والمهجوسة بكل شيء ، وحين تم تشخيص أمراض سوسلوف وبأنها ناتجة عن تصلب شرايين القلب وقصور في الدورة الدموية التاجية ، رفض سوسلوف الإعتراف بمرضه وأصر على أنه مصاب بإلتهاب أوتاد عضلاته ، وأبى تناول العقاقير اللازمة ، ومع تكرار إصابته بالذبحات الصدرية وظهور بؤر احتشاء في عضلات القلب ، تم خداع سوسلوف وإعطاؤه العقاقير نفسها بعد تحويلها إلى مراهم ، ولما حققت هذه الوسيلة غايتها ، قال سوسلوف : ألم أقل لكم إن قلبي غير مريض لقد استخدمت المرهم وأصبح كل شيء على ما يرام ".

يا له من فيلسوف

يظن الخدعة حقيقة

يظن الوهم واقعا

ولكن : هكذا كانوا يحكمون إلإتحاد السوفياتي

هكذا يحكمون لبنان

انهار الإتحادالسوفياتي ... يعيش لبنان

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق:
* الاسم  
   البريد الالكتروني  
   العنوان  
* التعليق
* اكتب ناتج 6 + 8
 
مع الأستاذ توفيق شومان المزيد ...   الافتتاحية المزيد ...   منبر آسيا المزيد ...   المجهر مع علي مخلوف المزيد ...   إقتصاد المزيد ...   رياضة المزيد ...  
شاهد المزيد
ألبوم الصور
عن اداء الشيوعيين، أين الحزب الشيوعي من الثورة؟ عن الجديد وأريج وال Mini CIA  كيف نحول الانتفاضة الشعبية لعملية تنقذ اللبنانيين من الدمار؟؟  عن الغزو التركي والفرص الضائعة بحث حول الشيرازية:  النشأة - المرجعية والتاريخ ماذا فعل الرئيس سعد الحريري حتى استحق عقوبة نيويورك تايمز؟ خامنئي: العراق القوي مفيد جداً لإيران بالصور: هكذا أحيت بلدية القاع ذكرى "فجر الجرود" بالصور: البخاري يودع الحجاج في مطار بيروت روحاني: لا مفاوضات مع ترامب بعد تخليه عن الإتفاق النووي