الأحد 15 كانون الأول 2019م , الساعة 04:59 مساءاً بتوقيت بيروت

إتصل بنا أعلن معنا عن آسيا أخبار الرئيسية

آخر الأخبار :



شارعان ... بانتظار الحوار

بقلم : توفيق شومان

2019.11.25 09:12
Facebook Share
طباعة

 

لم تقتنع مكونات السلطة اللبنانية حتى الآن ، بأن متغيرا نوعيا طرأ على المشهد السياسي اللبناني ، وما عاد بالإمكان العودة إلى ما قبل السابع عشر من تشرين الأول 2019.
ولم تقتنع مكونات الحراك الشعبي حتى اللحظة ، بأن الأحزاب اللبنانية الكبرى تُكمل المشهد الآخر من الواقع السياسي والإجتماعي ، فمن الإثم الخطير الظن بأن الحراك انقلاب على هذه الأحزاب  واعتبارها من مخلفات الماضي أو أوراقا تتساقطها مناخات خريف عابر . 
ليس لبنان لمكونات الحراك وحدها كما أظهرت مرحلة ما بعد الحراك 
ليس لبنان لمكونات السلطة  وحدها كما أظهرت ميادين الحراك 
وقائع اليوم تبدو نسخة وليدة عن وقائع الأمس 
تلك الوقائع التي تغافل عنها المتغافلون فوقع اللبنانيون في حروب الغفلة .
هذه نماذج  من ماضينا ومن ذاكرة " حصاد الأيام " :
أوردت صحيفة  " النهار" بتاريخ 24ـ 9ـ 1975، بيانا صادرا عن " لجنة الحوار الوطني " تضمن التالي :
" قامت لجنة الحوار الوطني بنشاط متواصل ، فاجتمعت برئيس الحكومة السيد رشيد كرامي ، وبالأحزاب وبالقوى الوطنية والتقدمية برئاسة السيد كمال جنبلاط ، كما أجرت حوارا طويلا مع ممثلين عن  المكتب السياسي لحزب الكتائب برئاسة الشيخ بيار الجميل ، وترى لجنة الحوار أن  ثمة نقاط التقاء في شروط الطرفين الرئيسيين المتصارعين  وأن بالإمكان البدء بالحوار حول النقاط المشتركة الآتية : الإلتزام بوقف إطلاق النار والتعهد بعدم استخدام العنف ـ الإلتزام بتحديث لبنان وجعله دولة عصرية  مع الحفاظ على كيان لبنان والصيغة اللبنانية ـ الإلتزام بتعديل الأنظمة والقوانين بما يكفل قيام ديمقراطية حقيقية يتساوى فيها جميع المواطنين في الحقوق والواجبات ".
ثلاثة  التزامات لم يلتزم " الملتزمون " بها 
لم يلتزموا لأن "الثقة الوطنية والنفسية " كانت أسقطتها الأهواء والظنون و " ما يضمرون "
ولأن كل طرف رأى في الطرف الآخر" تأبط شرا ". 
استعرت الحرب بعد ذلك وانتظراللبنانيون العام1990 حتى توافقوا على صيغة الخروج من الحرب وأسموا تلك الصيغة  ـ وربما أسماها غيرهم ـ  "اتفاقية الطائف" .
خمسة عشر عاما انتظر اللبنانيون حتى تسالموا ـ أوحتى ـ  أسقط غيرهم " السلام عليهم ". 
بعد لجنة " الحوار الوطني "  في العام  1975 ،أعلن  الرئيس سليمان فرنجية في الرابع عشر من شباط 1976 وبالتوافق مع الرئيس رشيد كرامي  و"المبادرة السورية " عن " الوثيقة الدستورية " وجاء فيها :
ـ "التأكيد على العرف القاضي بتوزيع الرئاسات الثلاث .
ـ توزيع المقاعد النيابية بالتساوي بين المسلمين والمسيحيين ، ونسبيا ضمن كل طائفة .
ـ انتخاب رئيس مجلس الوزراء  من قبل المجلس النيابي بالأكثرية النسبية .
ـ إزالة الطائفية في الوظائف واعتماد مبدأ الكفاية مع المحافظة على المساواة في وظائف الفئة الأولى.
ـ إنشاء المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء ـ تعزيز استقلال القضاء وإنشاء محكمة دستورية عليا للنظر في دستورية القوانين والمراسيم.
ـ تعزيز اللامركزية في العمل الإداري.
ـ إصدار جميع المراسيم ومشاريع القوانين بالاتفاق بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وتحمل توقيعهما ما عدا مرسومي تعيين رئيس الوزراء وقبول استقالة الوزارة أو إقالتهم ".
هذه  الوثيقة  رفضها أهل اليمين وأهل اليسار ، ومن يعيد قراءة " وثيقة الطائف " أو  "دستور الطائف " ، سيستقر على قناعة مفادها أن روح " الوثيقة الدستورية "  حلت في جسد " وثيقة الطائف " ، ومع ذلك استمر اللبنانيون في حربهم وهلاكهم لأربع عشرة  سنة متعاقبة .
الصوت العاقل كان متهما
ودعاة الحوار كان مدعى عليهم 
آنذاك  ... كان فريق من اللبنانيين يردد ما ردد عمرو بن كلثوم في سالف الأيام   وأزمان الجاهلية :
لنا الدنيا ومــن أمســى عليهـا / ونبطش حين نبطش قادرينا.
فيرد عليه فريق لبناني آخر مكملا ومتمما ما قاله الشاعر في القصيدة نفسها والواقعة ذاتها :
إذا بلغ الرضيع لنا فطاما / تخر له الجبابر ساجدينا .
لم يكن اللبنانيون بحاجة إلى البحث عن قصيدة مضادة أو شاعر مضاد ، فالقصيدة الواحدة المتنازع عليها تلبي أدوات الحرب الواحدة  وحاجاتها التعبوية ، وهو واقع الحال مع أثير وإذاعات تلك الأيام وأحوالها ، فأغنية " بحبك يا لبنان"  لفيروز كانت تتنازعها الإذاعات المتحاربة وتدعي كل منها وصلا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك.
لم يعترف أهل النظام حينذاك بأن "الجمهورية الأولى "  احترقت مع احتراق باص عين الرمانة ، ومن واجب الوجوب البحث عن "جمهورية ثانية " عنوانها على الأقل كما كان يقول ميشال شيحا : العيش فوق سوء تفاهم متفاهم عليه .
في العام 1978 ، أصدر باسم الجسر ، أحد أهم  المقربين من رئيس الجمهورية الأسبق فؤاد شهاب   كتابا بعنوان " ميثاق 1943 لماذا كان وهل سقط ؟ " ، دعا في خاتمته إلى " ميثاق جديد " شديد الشبه  ب " الوثيقة الدستورية "  ، إلا أن أحدا  من أطراف  الحرب لم يعر انتباها لهذا الكتاب المدرج في مصاف الكتب الأكثر نضوجا والصادرة في المراحل الأولى لحروب اللبنانيين على اللبنانيين ، فشهية الحرب كانت طغت على شهية الوفاق ، وباتت قيمة الحرب تسموعلى قيمة  الترفع عن الحرب .
قبل باسم الجسر ، كتب  الوزير والنائب الأسبق عن الكتلة الأرمنية خاتشيك بابكيان في عدد مجلة " الآداب " الصادر في أول كانون الثاني 1977تحت عنون : " دستور جديد للبنان الحديث " فقال :  "مهما كانت أشكال دستور الغد ، لا بد أن يتضمن فصلا خاصا يعبر عن المفهوم الحديث لحقوق المواطن الإقتصادية والإجتماعية ، ذلك انه من المسلم به علما ، أن الحريات على أشكالها ، من سياسية واجتماعية وعقائدية وثقافية  ، لا قيمة كبيرة لها إذا لم تستند إلى حد أدنى من الرخاء والرفاهية ، يؤمن عند السواد الأعظم من المواطنين شعور الإنتماء والتضامن الوطني".

كثيرون من  رموز تلك المرحلة ، سياسيون ومفكرون  وصحافيون ، أيقنوا مبكرا أن  استبدال خطاب الحرب بخطاب السلام يتطلب إطلاق التغريد ل "الجمهورية الثانية " ،إلا أن أكثر من كانوا في ساحات الوغى ، يمينا ويسارا ، لم  يكن قد وصل إلى مسامعهم قول وحكمة أحد كبار الحقبة السوفياتية اندريه غروميكو : عشر سنوات من المفاوضات أفضل من عشر ساعات من الحرب . 
مضى عقد السبعيينات اللبناني حربا وحقدا ، وتبعته سنوات الثمانينيات الأولى بمنسوب أعلى من الموت والخراب ، وحين ذهب أهل الحل والربط إلى مدينة لوزان السويسرية في العام 1984 ، كتب طلال سلمان  " ثرثرة فوق بحيرة ليمان " فقال : " إن المناقشات الجارية تدفعك دفعا لأن تخرج بالإستنتاج المنطقي الوحيد  ، حتى لو كان غير مفرح ،  لا مكان لأن يعطي المجتمعون في لوزان علاجا للأزمة الخطيرة التي تثقل لبنان واللبنانيين ".
فعلا ... هكذا كان
فالحرب صارت فضيلة 
وكان كل العالم قد غدا له خنادقه وبنادقه في لبنان بمن في ذلك الشيطان الحقير  المسمى " اسرائيل " .
بعد خمس سنوات  جاءت الدعوات والإستدعاءات إلى " الطائف " ، وقيل  ـ كما يقال ـ لمن حضر : لا عودة إلا بإتفاق ولا رجوع إلا  بوفاق ، فكانت " اتفاقية الطائف " .
خمس عشرة سنة حتى أدرك المتصارعون والمتقاتلون  أن " الجمهورية الأولى " انصرمت ، و"الجمهورية الثانية " فاء زمنها  وانبسط ظلها.
هل سينتظراللبنانيون عقدا ونصف العقد حتى يفيئوا إلى أمر " الجمهورية الثالثة "؟ !.
تلك كارثة لو وقف اللبنانيون على قارعة انتظار السنوات العشر السوداء  ونصفها التالي  الأكثر سوادا، ذلك أن :
ـ حين سقطت " الجمهورية الأولى "  في العام 1975 لم يتحدث أحد عن مجاعة ولا عن جوع زاحف مثل جراد " سفربرلك ".
ـ حين سقطت " الجمهورية الثانية " في العام2019، صار حديث المجاعة مثل حديث الموت أقرب من حبل الوريد .
مع ذلك ليس هناك من يعمل على رؤية للحل وليس  هناك من يسعى إلى فتح ثغرة في جدار ،  فلا مكونات الحراك تملك تصورا لمخرج ، ولا مكونات السلطة  لديها ما تفعله او تعمله ، وكل ذلك يعيد مشاهد  اليوم إلى "مشاهد لوزان " وإلى ما كتبه طلال سلمان  ، إذ يقول :
" يتحدثون هنا في أمور كثيرة ، الحكومة ومن سيُكلف بتشكيلها ، خصوصا إذا استمر رشيد كرامي على تردده الناجم ، في ما يقول البعض ، عن خوفه من الفشل ، وهل تكون حكومة موسعة أم مصغرة كما يفضلها " الأفندي " ، وهل تكون تمثيلية ؟ وهل تستطيع حكومة أقطاب أن تحسم حين يتطلب الأمر  الحسم ؟ ".
صورة الأمس يظهر فيها اليوم بعناوينه وتفاصيله ، أو كأن اليوم هو الأمس والأمس هو اليوم ، والنقاش يدور حول جنس الملائكة ، فيما أسوار القسطنطينية تدكها  مقذوفات المدافع وأحجار المقالع ، ولا أحد يعرف حتى هذا الحين جنس الحكومة  وما الفرق بين حكومة تكنوقراط او حكومة  تكنو ـ سياسية  وماذا لو  تشكلت إحداها  وتغلبت على الأخرى وكانت فاقدة للثقة ؟!!.
قد يكون من المناسب أن تدرك  مكونات الحراك  أن علاقة  أهل  الأحزاب بأحزابها  متجذرة الولاء  ولها حقائقها ومعطياتها الإجتماعية والنفسية والسياسية والإقتصادية  والعقيدية ، وحالها يوجزها توفيق زياد بقوله :
 كأننا عشرون مستحيل
نجوع ... نعرى ... نتحدى
وننشد الأشعار 
نملأ الشوارع الغضاب بالمظاهرات 
إذا عطشنا نعصر الصخرا
ونأكل التراب إن جعنا ... ولا نرحل
إنا هنا باقون ... ولا نرحل .
ومن المناسب أيضا أن تقتنع مكونات  السلطة  بأن أهل الحراك باتوا واقعا ولسان حالهم يقول كما قال محمود درويش :
ها نحن قرب هناك 
ثلاثون بابا لخيمة 
ها نحن قرب هناك 
ثلاثون شكلا 
ثلاثون ظلا لنجمة.
يقول الفيسلوف الألماني هيغل (1770 ـ 1830) إن الجوانب  المعنوية  و"الفوق ـ مادية " تحدد مسارات ومصائر البشر في كثير من المنعطفات والمفاصل، فالإنسان أول ما يسعى إلى الإعتراف ب " أناه " الإنسانية  ، أي الإعتراف بوجوده وقيمته  ، و يشترك  بذلك الأفراد والجماعات  ، ولأجل هذا الإعتراف  تُخاض الخناقات الصغيرة على مستوى الأفراد وتُخاض الحروب على  مستوى الجماعات.
حتى الآن لا تعترف مكونات السلطة بالحراك مع أن الشارع أعطاه شرعية واضحة لا لبس فيها .
حتى الآن لا تعترف مكونات الحراك بمكونات السلطة  مع أن لها شوارع عريضة أعطتها وتعطيها شرعية لا شك فيها ولاجدال حولها .
متى يتحقق الإعتراف ؟
متى يعترف أهل السلطة بأن " الجمهورية الثانية " غدت تاريخا مضى؟
متى يعترف أهل الحراك بأن  العبور إلى " الجمهورية الثالثة "  ليس برفع السقوف إلى أعلى الأعالي ؟.
متى يعترف اللبنانيون ان لبنان بات محكوما بشارعين  وشرعيتين؟
متى تطرق  الشرعيتان باب "الجمهورية الثالثة "؟.
عشتم وعاش لبنان 
...........................................................................
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق:
* الاسم  
   البريد الالكتروني  
   العنوان  
* التعليق
* اكتب ناتج 4 + 3
 
مع الأستاذ توفيق شومان المزيد ...   الافتتاحية المزيد ...   منبر آسيا المزيد ...   المجهر مع علي مخلوف المزيد ...   إقتصاد المزيد ...   رياضة المزيد ...  
شاهد المزيد
ألبوم الصور
عن اداء الشيوعيين، أين الحزب الشيوعي من الثورة؟ عن الجديد وأريج وال Mini CIA  كيف نحول الانتفاضة الشعبية لعملية تنقذ اللبنانيين من الدمار؟؟  عن الغزو التركي والفرص الضائعة بحث حول الشيرازية:  النشأة - المرجعية والتاريخ ماذا فعل الرئيس سعد الحريري حتى استحق عقوبة نيويورك تايمز؟ خامنئي: العراق القوي مفيد جداً لإيران بالصور: هكذا أحيت بلدية القاع ذكرى "فجر الجرود" بالصور: البخاري يودع الحجاج في مطار بيروت روحاني: لا مفاوضات مع ترامب بعد تخليه عن الإتفاق النووي