كتبَ علي باكير: لماذا تخشى إيران من انتفاضات العراق ولبنان؟

2019.11.11 - 10:32
Facebook Share
طباعة

 يشهد العراق ولبنان منذ تشرين أول (أكتوبر) الماضي حركات احتجاجيّة واسعة النطاق ضد النظام السياسي القائم في كل من البلدين للمطالبة بالتغيير الشامل هناك. وبالرغم من محاولات إخماد هذه الاحتجاجات تارةً عبر الاحتواء وطوراً من خلال القوّة الغاشمة، فإنّ هذه الثورات لا تزال مستمرة هناك. 


 


احتجاجات عابرة للانقسامات


تتميز هذه الانتفاضات في أنّها عابرة للانقسامات الطائفيّة وغير منقادة للضغوطات أو التجاذبات الإقليمية أو الدولية، محرّكها الأساسي هو مجموعة من العوامل لعل أهمّها تدهور الوضع الاقتصادي وغياب الخدمات الأساسية من كهرباء وماء ومواصلات واستشفاء وتآكل البنى التحتية وسوء إدارة الدولة إضافة إلى النهب المنظّم والفساد والمحاصصة الطائفية والمحسوبيات. كل هذه العوامل ساهمت في صهر المتظاهرين في بوتقة واحدة، وركّزت غضبهم على السلطة بمختلف أطيافها. 


 


تختبر الانتفاضات في العراق ولبنان نفوذ طهران الإقليمي، فهي تزعزع الستاتيكو القائم لصالح طهران في البلدين منذ سنوات طويلة، وتهدّد بتغيير التوازنات هناك بشكل قد يؤدي إلى انبعاث الروح القومية والاستقلالية في كلا البلدين



المثير للاهتمام في الحالتين أنّ العراق ولبنان يقعان تحت النفوذ الإيراني المباشر، حيث تسطير طهران ووسطاؤها بشكل كبير على مفاصل السلطة والاقتصاد والأمن في البلدين، وهو ما يفسّر بدوره ردّ الفعل العنيف من قبل النظام الإيراني على الحراك الشعبي هناك. 


 


إيران تشيطن احتجاجات لبنان والعراق


منذ اندلاع الانتفاضات في تشرين أول (أكتوبر) الماضي، انخرطت المؤسسات الرسمية الإيرانية الدينية والسياسية والعسكرية والإعلامية على حد سواء في عملية شيطنة للمتظاهرين في البلدين، واصفةً التظاهرات بأنّها مؤامرة صهيونية ـ أمريكية لزعزعة علاقات البلدين بإيران.


يهدف مثل هذا التوصيف إلى نزع الشرعية عن هذه التظاهرات بوصفها مؤامرة خارجية ضد النظام الإيراني، وهو ما يمهد عملياً لتكفيرها سياسياً وأمنياً، وتالياً لإسكاتها من خلال القمع وعنف الميليشيات المحسوبة على طهران. المرشد الأعلى علي خامنئي كان قد أشار إلى ذلك بشكل واضح عندما قال: "لقد خططوا أيضا لبلدنا العزيز، ولحسن الحظ حضر الناس ـ الميليشيات ـ في الساحات في الوقت المناسب وأحبطوا مساعيهم ـ أي مساعي المتظاهرين ـ".


 


ثبتت إيران خلال العقد الماضي أنّها أقوى الدول قيادة للثورات المضادة داخل إيران وخارجها،



بهذا المعنى، تختبر الانتفاضات في العراق ولبنان نفوذ طهران الإقليمي، فهي تزعزع الستاتيكو القائم لصالح طهران في البلدين منذ سنوات طويلة، وتهدّد بتغيير التوازنات هناك بشكل قد يؤدي إلى انبعاث الروح القومية والاستقلالية في كلا البلدين وهو ما من شأنه ـ إن حدث ـ أن يتجاوز مسألة تقويض النفوذ الإيراني إلى إنشاء أنظمة مقاومة لهذا النفوذ بوصفه استعماراً خارجياً. 


توقيت هذه الانتفاضات أيضاً يزيد من الضغط على النظام الإيراني الذي يعتمد اقتصادياً على سبيل المثال على العراق كمصدر للعملة الصعبة، وعلى حزب الله في لبنان والميليشيات الشيعية في العراق كورقة سياسية وعسكرية وأمنية في الصراع مع خصومه، ولذلك فإذا نجحت هذه الانتفاضات في إخراج البلدين من دائرة النفوذ الإيراني، فسيكون لهذا الأمر كذلك انعكاسات كبرى على هذه الصعد.


ليس هذا فحسب، فالكثير من المحللين الإيرانيين يربطون بين هذه التظاهرات والتظاهرات التي حصلت سابقا داخل إيران، ما يعكس تخوّفاً واضحاً من امكانية حصول دومينو، وهذا بحد ذاته يعتبر سبباً إضافياً لفهم ردّة الفعل الإيرانية العدائية سياسياً وأمنياً تجاه هذه التظاهرات. 


يبقى أن نشير إلى أنّ نجاح هذه الثورات يعتبر مسألة في غاية الصعوبة ليس في ما يتعلق بطبيعة الأنظمة القائمة هناك، وإنما نظراً لطبيعة النفوذ الإيراني المتمكّن في هذين البلدين. أثبتت إيران خلال العقد الماضي أنّها أقوى الدول قيادة للثورات المضادة داخل إيران وخارجها، وهذا بحد ذاته رسالة إلى المتظاهرين في لبنان والعراق مفادها أنّ التحدي كبير وأنّ المهمّة ليست بالسهولة التي قد يتصوّرها البعض وأنّ النظام الإيراني قد يكون العائق الحقيقي الوحيد بينهم وبين التغيير المنشود هناك.  

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 3