الأحد 15 كانون الأول 2019م , الساعة 05:08 مساءاً بتوقيت بيروت

إتصل بنا أعلن معنا عن آسيا أخبار الرئيسية

آخر الأخبار :



نعم .. سقط النظام

بقلم : توفيق شومان

2019.11.11 03:06
Facebook Share
طباعة

 قبل الحراك الشعبي في السابع عشر من الشهر الفائت ، أجمع المسؤولون اللبنانيون على أن الدولة اللبنانية ذاهبة نحو الإنهيار .

لم يصدف ، أن مسؤولا لبنانيا ناقض أو عارض مسؤولا آخر وأطل برأسه وأخرج لسانه وقال : إن لبنان لن يهوي إلى القاع ولن ينهارعلى الأرض. 
 

ما الفرق بين الإنهيار والسقوط ؟

ما الفرق بين القاع والأرض؟

لا فرق ... إلا إذا كان أهل السلطة في لبنان لا يدركون ولا يعرفون محمول الدلالات والمعاني للغة يتكلمونها ولا يفهمونها ، فمعاجم اللغة ترادف بين الإنهيار والسُقوط ، ومعهما  الهبوط والتقويض والإنحلال والهدم
والدك  ، والمعاجم إياها توازي بين السقوط والإنهيار والوقوع والتلاشي والإنقلاب والإنهدام ، ولا يشفع لأهل السلطة القول بأنهم ما كانوا يعلمون ما يقولون .

سقط النظام باعتراف أهل النظام 

أهل النظام أسقطوا النظام 

أسقطوه  بأقوالهم وألفاظهم وأفعالهم  وأعمالهم .

كيف؟

الرجوع إلى مواقف أهل السلطة  في مرحلة قبل الحراك الشعبي وما بعدها ستكون الحصيلة على هذا الشكل وعلى هذا المضمون:

ـ كل حزب يتهم شركاءه في السلطة بالإفساد والإفشال

ـ  كل حزب يؤثم جلساءه في الحُكم  بالتعطيل والتبطيل 

ـ كل حزب يجرم  ندماءه في المُلك بالسلب والنهب .

عرًت الطبقة السياسية نفسها وجردت حالها من كل بصمة أخلاق ومن كل أثرمعنوي ، ف " نزلت " من عيون الناس وسقطت من اعتبارهم واحترامهم ، وباتت حالها  في نظرة  الناس اليها  كما يصفها الشاعر :

وأقبح شيئ أن يرى المرء نفسه / رفيعا وعند العالمين وضيعُ 

ولما كانت لغة السوقة والرذالة هي اللغة الرائجة والدارجة بين أهل السلطة في مرحلة ما قبل الحراك الشعبي ، فقد استعار " أهل الشارع " لغة  " أهل السلطة "  وأكسبوها " قيمة رذالة مضافة " ابتدعها السلطويون والنافذون والمتحكمون فوقعوا في شر ألفاظهم وأذى مفرداتهم وفساد لغتهم .

أول ما أسقط أهل النظام نظام اللغة 

أول ما فعل أهل النظام  أنهم أفسدوا اللغة .

تاريخيا ... أول من انتبه إلى مخاطر فساد اللغة ، الفيلسوف الصيني كونفوشيوس ، ويقول في ذلك  : " إذا فسدت اللغة فسدت الأخلاق  وفساد الأخلاق من فساد العقول " ، ويضيف ويزيد :

ـ  كلمة واحدة  تفصل بين العاقل والجاهل 

ـ العاقل من يمسك لسانه.

لم يُمسك المسؤولون ألسنتهم فحطم بعضهم بعضا وأهلك بعضهم بعضا ، وكانوا مثل حطاب (حاطب) الليل الذي يأخذ كل ما يقع بين يديه من دون أن يراه ، إلى أن وقعت أفعى بين  أصابعه فاستدارت عليها واستطالت إلى عنقه فلدغته ونهشته وأوقعته ميتا وجثة هامدة .

ألم يفعل المسؤولون اللبنانيون بأنفسهم ما فعله حطاب الليل ؟

ألم " يُعهر " هذا المسؤول ذاك المسؤول؟

ألم " يُلصص "( لص)  و " يُحرمن " (حرامي) هذا الزعيم ذاك الزعيم ؟

أسقط أهل السلطة الثقة المفترضة بين أهل السلطة  

فأسقط الناس ثقتهم بأهل السلطة 

هذا  دليل أول إلى سقوط للنظام.

الدليل الثاني لسقوط النظام  يرويه كونفوشيوس (محاورات كونفوشوس  ـ ترجمة محسن فرجاني ) فيقول :

" كان الملك اون وو نغ يردد دائما : لقد حرمت أهلي  وأقربائي وعشيريتي وفضلت عليهم أهل الأخلاق  والفضل والتقوى ". 

أي مسؤول لبناني لم يفضل أهله وعشيرته الأقربين ؟

ندرة ، قلة ، ثلة ، من أهل الحكم والسلطة حادت عن قناعة شاذة  وبشعة  تقول إن طريق السلطة طريق الثروة ، والسلطة  تسلط ، والحكم  تحكم واستحكام  ، والقرار استئثار ، والإستئثار يكون بالثروة والوراثة ، والسياسة مثل لعبة الميسر غُنم مطلق أوغُرم مطلق ، ومن يعلو بالسياسة يتأمر ويستأثر ويقهر ويتجبر ويحتكر المال كله ويستفرد باليُسر كله ويستحوذ على الأغنام والمغانم  التي كانت والتي ستكون .

هذه قصة يرويها الفيسلوف الفرنسي مونتسكيو في كتابه " تأملات في تاريخ الرومان ":


" رأى الملك زوجته تثقل السفينة بالبضائع والسلع  والمصنوعات والمشغولات فصرخ بها قائلا : ما عساك فاعلة ؟ فقالت : كما يفعل أصدقاؤنا التجار ، فصاح بها وزمجر : أنا ملك وأنت جعلتيني تاجرا ، وماذا يبقى للآخرين  إذا الملك امتهن مهنتهم  وكيف يأكلون وكيف يشربون "؟!.

في قصة مونتسكيو حكمتان:

ـ الملك يسوس ولا يتاجر 

ـ الملك يمتهن المُلك ويدع للآخرين مهنهم يأكلون منها ويعتاشون عليها .

في لبنان ، ما عاد أهله يعرفون الفارق بين الحاكم والتاجر ، ولا الفارق بين التجارة والسياسة ، وجل ما أضحى اللبنانيون يعرفونه أن أهل السياسة هم أهل  المال ، ويعيشون في أعلى مقامات الأحوال ، يرغدون بأنعامهم ويتوسع برغدهم البنات والبنون ، ففسد رعاة الدولة  حتى انطبق عليهم ما يقوله الفيلسوف جان جاك روسو (مقالات في العلوم والفنون) :

 " ينبغي أن يكون شغل الحكومات الشاغل الوقاية من حصول تفاوت مفرط بين الثروات ، ليس بإنتزاع الثروات من أصحابها ، إنما بمنع وسائل تكديسها ، والمخاطر على الدولة حين تصبح الجباية ضرورية بسبب سوء التصرف بأموال الدولة ، وأن تبلغ الرشاوى أقصاها ، وأن يُقاس الإجلال بالأموال وتُباع الفضائل بالدراهم ".

لو ندقق مرة ثانية بما يقوله كبير فلاسفة  السياسة جان جاك روسو، ونقارن بين ما قاله وبين ما فعله أهل السياسة في لبنان، فهم عبثوا بقواعد الحكم ، وحين عبثوا بقواعد الحكم أسقطوا نظام الحكم .

لم يعد للقواعد معنى 

لم يعد للنظام وجود 

سقط النظام ... أو لنقل أسقطوه بالإباحة والإستباحة .

الدليل الثالث إلى سقوط النظام ،عدم معرفة اللبنانيين ذاك الفارق بين الموالاة وبين المعارضة ، وبين مجلس الوزراء ومجلس النواب ، وبين الرئاسة الأولى والرئاسة الثالثة ، وبين الأعراف والدستور ، وبين الوزير ورئيس الوزراء ، وبين التضامن الحكومي والتلاعن الحكومي ، وبين الشراكة والمحاصصة ، وبين القرارات والصفقات ، وكل هذا الخلط  الفاحش يولد السؤال الكبير و الجسيم  : أين النظام السياسي في لبنان؟ ما شكله وما تعريفه ؟ أهو رئاسي ام برلماني ؟ ما حدود وصلاحيات الوزير ؟ ما حدود وصلاحيات الرئاسات ؟ أهو نظام قبل الطائف أم نظام بعد الطائف؟ أم ليس من الإثنين ؟  أو أنه من الإثنين ؟.

افتونا يا أولي الألباب 

صرخ اللبنانيون : افتونا ...

لم يفتهم أحد ... لأن أحدا لا يعترف بهذا النظام 

أليس ذلك دليل إلى سقوط النظام ؟.

الدليل الرابع إلى سقوط النظام أن أهل النظام يقولون إن دستور النظام لايطبقه أهل النظام ، ومن شواهد ذلك : عدم معرفة من يشكل الحكومة ، واعتماد ميدان التقاتل بين السلطات بدل قاعدة التعاون بينها ، وشيوع الخلاف حول مبدأ التوظيف في الدولة وعما إذا كان خاضعا  للتناصف الطائفي دون الفئة الأولى أم أنه يشمل الفئات الوظيفية كافة ،  وليس كل اللبنانيين  " سواء " امام   القضاء ، ولا يؤخذ بمبدأ  " الإستحقاق  والجدارة " في آليات التوظيف العامة على ما نص الدستور ، ولا يمثل النائب " الأمة جمعاء"    ولم يتشكل مجلس للشيوخ  ينظر في  "القضايا  المصيرية "  ولا هيئة لإلغاء الطائفية السياسية ، ولا مجلس أعلى لمحاكمة  الرؤساء والوزراء ، وفيما جرى ويجري " تطويق " المجلس الدستوري ، فالمالية العامة للدولة غير منتظمة ولا منظمة .

ماذا يبقى من الدستور والدستور هو قاعدة الحُكم؟

وإذا انتفت القاعدة أي حُكم يبقى ؟

وإذا انتفى الحُكم هل يمكن الحديث عن نظام ؟

لا ضرورة للعودة إلى علوم السياسة وفلسفتها ، ولا حاجة للتذكير ب " روح الشرائع " لمونتسكيو ، ولا " العقد الإجتماعي " لجان جاك روسو ، ولا " الحكم المدني " لجون لوك ، فهذه المراجع لاتعني شيئا لأهل السياسة في لبنان، فمراجعهم هي " اللاسياسة " المعروفة  تقليديا ب "الطائفية السياسية " والمضاف إليها لاحقا " الطائفية ـ المالية "  التي تعلو على النظام فتكسره وتجندله وتصرعه وتسقطه .

سقط النظام اللبناني من زمان 

سقط في تاريخ غير معلن 

سقط النظام السياسي في تاريخ غير محدد ونشأت مكانه منظومة 

تلك  المنظومة  هي منظومة المال 

لا شيء غير المال ، لا شيء إلا جمعه ، لا شيء غير الثروة ، لا شيء إلا كنزها ، ولسان حال هذه المنظومة كما يقول المتنبي :

رأيت الناس قد مالوا / إلى من عنده مالُ

ومن لا عنده مالُ / فعنه الناس قد مالوا

أو كما قال العباس بن الأحنف :

حتى الكلاب لو رأت ذا ثروة / خضعت إليه وحركت أذنابا 

وإذا رأت يوما فقيرا عابرا / نبحت عليه وكشرت أنيابا.

هذه المنظومة لا تؤمن أصلا بالنظام ،ولا بأي نظام  ، فللنظام قواعده وشرائعه ، وهي جهدت ودأبت على  التفلت من كل قاعدة وشريعة ، وقد تفلتت بالفعل وأسقطت النظام . 

أسقطت المنظومة النظام 

بنت بديله منظومة مالية حاكمة 

منظومة  الأغنياء والأثرياء 

هذه المنظومة لا عمل لها سوى  البذخ وتمجيد نفسها والفخر بحالها .

عنها يقول الفيلسوف جان جاك روسو :

لايمكن أن يجتمع البذخ والمجد في نفس واحدة .

الفيلسوف قال ذلك

حين يتكلم الفلاسفة يسكت الآخرون.

عشتم وعاش لبنان .

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق:
* الاسم  
   البريد الالكتروني  
   العنوان  
* التعليق
* اكتب ناتج 3 + 1
 
مع الأستاذ توفيق شومان المزيد ...   الافتتاحية المزيد ...   منبر آسيا المزيد ...   المجهر مع علي مخلوف المزيد ...   إقتصاد المزيد ...   رياضة المزيد ...  
شاهد المزيد
ألبوم الصور
عن اداء الشيوعيين، أين الحزب الشيوعي من الثورة؟ عن الجديد وأريج وال Mini CIA  كيف نحول الانتفاضة الشعبية لعملية تنقذ اللبنانيين من الدمار؟؟  عن الغزو التركي والفرص الضائعة بحث حول الشيرازية:  النشأة - المرجعية والتاريخ ماذا فعل الرئيس سعد الحريري حتى استحق عقوبة نيويورك تايمز؟ خامنئي: العراق القوي مفيد جداً لإيران بالصور: هكذا أحيت بلدية القاع ذكرى "فجر الجرود" بالصور: البخاري يودع الحجاج في مطار بيروت روحاني: لا مفاوضات مع ترامب بعد تخليه عن الإتفاق النووي