الثلاثاء 15 تشرين الأول 2019م , الساعة 11:59 مساءاً بتوقيت بيروت

إتصل بنا أعلن معنا عن آسيا أخبار الرئيسية

آخر الأخبار :



نظرية " العنب الحامض" ...

بقلم : توفيق شومان

2019.09.30 08:54
Facebook Share
طباعة

 من الجلسات الشهيرة لإستجواب الحكومة اللبنانية قبل الحرب الملعونة في  العام1975، واحدة كان فيها رشيد كرامي  رئيسا للحكومة ، و كان صائب سلام في مقاعد المعارضة . 

عن طريق السهو ، خرج  رشيد كرامي عن قواعد اللغة ، فكسر " المفعول به "  ، فتصدى له  صائب سلام طالبا " الكلام بالنظام " وقال :
ـ  لقد كسرت حيث يجب النصب 
ـ أجابه كرامي : لقد تركت لك الكسر  والنصب واحتفظت بالضم والرفع .
هذا نموذج من رجال لبنان الذين مضوا ، ينتقدون بعلو ثقافي ومعرفي ، ويمزجون الطرفة بلذعة السياسة ، وكانوا يقروؤن ويفكرون ، ويسعون إلى  بناء وطن ، حاولوا بما كانوا لهم من قدرة  واستطاعة ، أخطأوا في أمكنة وأصابوا في أخرى ، لكنهم فكروا وحاولوا ، وفي حينهم  كان لبنان نجمة الشرق .
حاولوا وفكروا 
والأهم أنهم فكروا  
والفكر يعيدنا إلى سقراط 
إلى بلاد الإغريق  
كان سقراط يسأل كثيرا  وكان يصمت أكثر .
فلسفته قامت على الأسئلة : الوجود ـ العدل ، الخيرـ الفضيلة ـ الإنسان ، وحين تم تسميمه ، أورث أسئلته إلى كل البشر .
أسئلة سقراط ، كانت تأتي بعد صمت طويل ، وربما صمت حزين  ، وفي يوم ما ، رأته زوجته صامتا ، فسألته ماذا تعمل؟ فأجابها إني أفكر.!!!
ـ وهل التفكيرعمل ؟ سألت زوجة سقراط
ـ التفكير من عمل الرجال ، قال سقراط .
من بلاد الإغريق إلى لبنان 
 بل إلى رجال لبنان ، بل إلى رجال السياسة في لبنان .
وفقا لآخر دراسة صادرة عن جمعية المصارف اللبنانية ، أن الدين العام وصل في شهر آب الماضي إلى 86 مليار دولار .
هل فكر رجال السياسة في لبنان بحل اشكالية الدين العام ؟؟
لو فكروا في احتواء الدين العام أو خفضه ، لما وصلت المديونية إلى هذا الرقم ، علما أن نواقيس الخطر تقرع أبواب أرقام أخطر وأفظع.
حسنا : 
ماذا يفعل رجال السياسة في لبنان إذا لم يفكروا ؟ 
ماذا يمكن أن تكون  إجابة  سقراط وهو الذي يمزج بين الفكر والرجال؟! .
قد تكون إجابته : إن رجال السياسة في لبنان يبررون 
يبررون ولا يفكرون 
والتبرير لا علاقة له بالتفكير .
التبرير دفاع عن  الخطأ أوعن الواقع  السيء من خلال  تفسيره  بالزور والبهتان بهدف إعادة تركيبه وتكريسه بقناعات مزيفة ، فيما التفكير فعل عقلي يبحث عن حل لإشكاليات الواقع وأزماته ، والتبرير دعوة للإقامة في سيئات الواقع ، دعوة تسكيت وتصميت وتزوير وتحوير وتدوير  ، بينما التفكير يصوغ جسر أفعال ينقل الواقع مما هوعليه إلى ما يجب أن يكون عليه .
أليس هذا ما يفعله رجال السياسة في لبنان ؟
يبررون ولا يفكرون 
يبررون لأنهم لا يملكون الحلول المطلوبة ، ويبررون لأنهم يدافعون عن أخطائهم وسيئاتهم ،  ويبررون  لأنهم لا يريدون الإعتراف بمسؤولياتهم عن ايصال البلاد إلى حافة الإنهيار والإنفجار ، وبالضبط هذا مايقوله علم النفس .
بحسب المحلل النفسي الشهير  سيغموند  فرويد  وابنته آنا فرويد  ، ان الفرد حين يقع بسلوك منبوذ ، يلجأ إلى الحيلة النفسية ليبرر سوء أفعاله ، ويكون هدفه البعيد  الحفاظ على قيمته  الذاتية والأنا  العليا ، فيبرر سوء فعله أو فشله بالتبرير،  وهذا التبرير يُسمى " نظرية العنب الحامض "  المأخوذة  من قصة الثعلب  الذي حاول انتزاع  عنقود عنب ، ولما فشل  بسعيه ، أقنع نفسه بأن العنب حامض وغير ناضج.
نظريات  عدة لسيغموند فرويد سقطت ولكن هذه النظرية صمدت.
كأن فرويد كان يتحدث عن رجال السياسة في لبنان 
يبررون سوء أعمالهم ويبررون سوء فشلهم
ومن عناوين فشلهم أنهم يقولون : هذا هو الواقع في لبنان 
هي نظرية " العنب الحامض " بتمامها وكمالها .
وماذا ايضا ؟
هم يشتمون 
الفكر يأبى الشتيمة والغريزة أمها وأبوها .
هنا قد يكون من المناسب العودة  إلى مزج سقراط بين  الفكر والرجال  ، وقد يكون من المهم استحضار ما يقوله ديكارت : أنا أفكر إذا أنا موجود.
ديكارت ربط الفكر بالوجود ، وجود الذات ، وجود الفرد ، وجود الإنسان ، وحتى وجود الجماعة .
لو تم احصاء أفكار وشتائم رجال  السياسة في لبنان ، كم فكرة  سيكون في حيز الوجود؟ وكم شتيمة ؟
من معجزات  الزمان العثور على فكرة 
 ومن رذالة الزمان ألا نعثر إلا على الشتائم .
يتشاتمون في كل المجالس ، وفي الإذاعات والشاشات  وعلى المنابر بات الوصول إلى  قمة الشتيمة مرتبط  بقيمة رجال السياسة .
لديهم شتائم وليس لديهم أفكار 
لماذا حلت الشتيمة محل الفكرة ؟
ولماذا أزاح خطاب الشتيمة خطاب العقل ؟
لدى علم النفس الإجابة :
يقول عالم النفس السويدي نيلز إيك، إن الذين يشتمون يعانون من " حبسة الكلام " ، أي قلة القدرة على التعبير ، وقلة التعبير  ناتجة عن ضعف المعجم اللغوي للمفردات ، وبالتالي الأفكار ، وعلى ذلك يلجأ " الشتًام " إلى القلة التي يمتلكها في محاولة لإيجاد توازن نفسي  مع طرف أعلى منه فكرا ومقاما وشأنا .
تلك عقدة النقص ، وقد لا تكون ناتجة حصرا  عن الشعور بالدونية ،  فقد يكون مبعثها  التشبث بجاه أو منصب بهدف تأكيد قوة الذات ، فيتم الرجوع إلى اللغة البدائية   كما يقول نيلز إيك ، اي الى قشرة الدماغ الأولى  ،  حيث اللغة ضيقة ، والمفردات قليلة  والأفكار نادرة ، بما يعني العودة إلى ما قبل اتساع اللغة  وإلى ما قبل الأفكار وإلى  ما قبل المكتوب والقراءة .
هنا صفوة الكلام 
العودة إلى ما قبل المكتوب 
يعني العودة الى المنطوق
إلى كلام الشارع 
و " كلام الشارع " أكثر ما نهى عنه الأنبياء وأصحاب الرسالات ورسل  الكتب السماوية المقدسة.
ورد في انجيل متى  عن السيد المسيح (ع) : " أما أنا فأقول لكم إن كل من يغضب على أخيه باطلا يكون مستوجب الحكم ، ومن قال يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم ".
وورد في القرآن الكريم قوله تعالى : " ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الإسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون".
ومن المأثورات المعروفة عن النبي محمد (ص) انه نهى عن قول الشعر القائم على الذم والقذع  والقذف وإثارة العصبيات، وقال كان من أمر الجاهلية الطعن في الأنساب  والفخر بالأحساب .
كل هذا وأكثر منه ، يسمعه اللبنانيون في مجالس السياسة ،  حيث الممايطة والمعايطة والمسايطة.
وإذ يسأل  أحدهم : ما الممايطة ؟ فمعناها التفاسد أي التشارك في فساد الأمر والتباعد عن الصلاح ، وأما المعايطة والمسايطة فمعناهما معروف .
عودة إلى الشتم والشتيمة 
جاء في " لسان العرب " لإبن منظور ، عن الشتم والشتيمة ،أن من يُكثر الشتائم يقال له شتًامة ، و شتًامة تعني سيء الخلق وقبيح الوجه .
وجاء في " تاج العروس "  للزبيدي  أن من مشتقات شتم : شتيم ، ويقال : فلان شتيم المحيا ، أي كريه الوجه  وقبيحه.
مر في لبنان رجال كثر كان يقال لهم علاًمة : علاًمة في اللغة ، و علاًمة في القانون ، وعلاًمة في التاريخ ، وعلاًمة في الفلسفة ، وعلاًمة  في السياسة  ، وما إلى ذلك.
آنذاك كان زمن العلاًمة
الآن  زمن الشتًامة
والشتًامة لا تنتج إلا شتائم ، والشتائم نفايات الكلام 
ولذلك  يعيش اللبنانيون فوق أكوام النفايات
و سيبقون فوق أكوام النفايات  
فأهل السياسة  يبررون ولا يفكرون 
ويتشاتمون ويبررون 
يبررون قصة الثعلب والعنب
احفظوها جيدا 
عشتم وعاش لبنان 
...................................................................
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق:
* الاسم  
   البريد الالكتروني  
   العنوان  
* التعليق
* اكتب ناتج 1 + 1
 
مع الأستاذ توفيق شومان المزيد ...   الافتتاحية المزيد ...   منبر آسيا المزيد ...   المجهر مع علي مخلوف المزيد ...   إقتصاد المزيد ...   رياضة المزيد ...  
شاهد المزيد
ألبوم الصور
 عن الغزو التركي والفرص الضائعة بحث حول الشيرازية:  النشأة - المرجعية والتاريخ ماذا فعل الرئيس سعد الحريري حتى استحق عقوبة نيويورك تايمز؟ خامنئي: العراق القوي مفيد جداً لإيران بالصور: هكذا أحيت بلدية القاع ذكرى "فجر الجرود" بالصور: البخاري يودع الحجاج في مطار بيروت روحاني: لا مفاوضات مع ترامب بعد تخليه عن الإتفاق النووي بالفيديو: كارثة بيئية تصيب بحيرة القرعون بالفيديو: ماقصة الاشكال في الشياح؟ اشتباكات بين عائلتي الجمل وجعفر في الهرمل