الأربعاء 16 تشرين الأول 2019م , الساعة 01:09 صباحاً بتوقيت بيروت

إتصل بنا أعلن معنا عن آسيا أخبار الرئيسية

آخر الأخبار :



لبنان بين التحزيب والتخريب

بقلم : توفيق شومان

2019.09.16 07:55
Facebook Share
طباعة

 قالت  العرب قديما : فلان يعرف من أين تؤكل الكتف.

الأحزاب اللبنانية عصرنت قول العرب وحدثته وحولته سلوكا عنوانه : الأحزاب تعرف من أين تؤكل الدولة.
قديما أنشد العرب شعرا غزيرا في كيفية أكل الكتف ، فقال أحدهم :
إني لأعرف ظهر الضفن أعدله / و أعرف أني آكل الكتفا 
وقال آخر :
أني على ما ترين من كبري / أعلم من أين تؤكل الكتف .
ـ ومن لا يأكل الكتف ؟ 
ـ يجيبنا  فقيه اللغة والبلاغة عبد الملك بن قريب المعروف بالأصمعي (741م ـ831) ـ فيقول : هو صاحب الرأي  الضعيف الذي لا يحسن أكل اللحم  .
ـ ومن يأكل الكتف ؟
 ـ يجيبنا  فقيه النحو  ابو الخير سلامة الأنباري ( 1110م ـ 1194)، وعالم النحو والأدب  برهان الدين المطرزي (1144م ـ1213) في شرحهما ل " مقامات الحريري " ، فيقولان :  يُضرب هذا المثل بالرجل الداهية الذي يأتي الأمور من مأتاها .
لبنانيا ...  ما هو " المأتى " ؟
"المأتى " هو الدولة 
وأين " لحم الدولة "  حتى تأتيها الأحزاب من " مأتاها "؟
لم يبق من " لحم الدولة " سوى : الكهرباء ـ المرفأ ـ المطارـ  الإتصالات.
هذه القطاعات معروضة للبيع كما يقال ، أو للشراكة مع القطاع  الخاص كما في قول آخر ، والقطاع  الخاص  يهيمن  عليه الحزبيون أو الممولون للأحزاب أو النافذون ممن هم على شواطىء الأحزاب  وضفافها ، ولو وضع " القطاع الخاص " المتحزب  يده على هذه القطاعات سيعني  أن اللبنانيين  سيكونون أمام " تحزيب " الكهرباء ، و " تحزيب المرفأ ، و " تحزيب "  المطار، و" تحزيب " الإتصالات.
وبمعنى آخر سيكون اللبنانيون أمام تحزيب شامل ، والتحزيب في لبنان أضحى مرادفا للتخريب ، تلك المعادلة الممقوتة والمترسخة منذ عقود : التحزيب والتخريب  والتخريب لخدمة التحزيب .
وقبل التفصيل في مترسخات  وممقوتات التحزيب والتخريب ، قد يكون  من المهم إجراء مقارنة بين من كانوا رواد وطن وبين من يعملون على تخريب وطن ، وفي ذلك كلام كثير وقول  مسهب وطويل ، هذا بعض منه :
في الخمسينيات  من القرن العشرين الماضي ، افترض بعض العرب ، أن التأميم  صنو العدالة الإجتماعية ، فأفقر واستفقر وأشاع الفقر في المدن والقفار ، وفي المرحلة عينها صدر في لبنان مجموعة قوانين منها : السرية المصرفية (1956)، ثم تشريع الحسابات المشتركة (1961) ، وأعقب ذلك تحرير فوائد حسابات التوفير من الضرائب و ضمان الودائع المصرفية في عامي 1966 و1968.
عنى ذلك ، مساعي الإستفادة من اضطربات دول الإقليم ومآزقها السياسية والإجتماعية ، وهو ما جرى بالفعل .
  ففي تلك المرحلة  ، تدفقت الرساميل الهاربة  من إجراءات التأميم والسياسات الإشتراكية ، لتسهم مع اللبنانيين في إنتاج التميز الذي عاشه لبنان في تلك الحقبة ، وما التميز سوى نتاج  اختلاط الأفكار بالإفكار ، والثقافات بالثقافات ، والرساميل بالرساميل ، والشعوب بالشعوب ، وهذا ما كانت عليه مدينة أثينا في عزها وذروة ازدهارها حين اختلطت بالمصريين والفينيقيين  والآسيويين كما يقول شيخ مؤرخي القرن  العشرين أرنولد توينبي  في كتابه " الفكر التاريخي عند الإغريق " ، ( ترجمة  : لمعي المطيعي  ـ  المكتبة الإنجلو مصرية  ـ القاهرة 1966 ـ ص: 14) ، أو حين تعملقت حضارة بلاد الرافدين  جراء الإختلاط  بين  العيلاميين والسومريين وهم غير ساميين ، وبين الآكاديين الساميين  الذين دخلوا العراق  لاحقا ، مثلما يقول كبير علماء الآثار العراقيين طه باقر في كتابه " مقدمة  في تاريخ الحضارات القديمة ـ الجزء الأول  ـ شركة التجارة والطباعة المحدودة  ـ بغداد 1955ـ ص:94 ".  
ذاك المشهد المختلط الذي جعل لبنان متميزا إلى مرحلة ما قبل حرب العام 1975، وموئلا إقليميا ودوليا  للأفكار والثقافات والإقتصاد ، يكاد يكون المشهد نفسه الذي كانت عليه فينيقيا قبل  ثلاثة آلاف عام ، وحول ذلك يقول فلافيوس يوسيفوس (38م ـ 100) أحد أهم المؤرخين   الكلاسيكيين  ، " إن المصريين غدوا معروفين عبر العالم عن طريق الفينيقيين " ، ( يوسيفوس : ضد أبيون آثار اليهود القديمة ـ ترجمة  : محمد حمدي ابراهيم ـ المكتب المصري للمطبوعات ـ القاهرة 2007 ـ ص : 36)، وفي كتاب " امبراطورية  الكلمة "  يقول نيقولاس استلر : " فقد كان الفينيقيون ناشرين  لثقافة وادي الرافدين على نطاق عالمي " ، ( نيقولاس استلر: امبراطورية الكلمة ـ  ترجمة محمد توفيق البجيرمي  ـ دار الكتاب العربي ـ بيروت  2011ـ ص: 81ـ82).
ذاك ما كانت عليه فينيقيا 
ذاك ما كان عليه لبنان 
أما في عهد  التحزيب والتخريب فالواقع يقول :
كان القطاع التعليمي الرسمي اللبناني في طليعة القطاعات الرسمية العربية ، بما فيها الجامعة اللبنانية ، وحين احتلت الأحزاب الدولة اللبنانية ، أسقطت هذا القطاع أرضا ، وبنت على أنقاضه قطاعاتها الحزبية التعليمية ، فغدا المعلمون حزبيين أو موالين  أومتملقين للأحزاب في هذه القطاعات .
المدرسة الرسمية غدت أطلالا وربما لم يعد من المفيد البكاء عليها أسوة بما قاله الشاعر أبو نواس :
 قل لمن يبكي على ماض درس / واقفا، ما ضر لو كان جلس 
تحزيب التعليم عنى تخريب التعليم كمقدمة لتخريب الدولة والوطن.
الوطن أصبح أوطانا  وخير مثال هو التعليم  الفئوي.
مثال آخر هو قطاع الكهرباء ، حيث يلتقي فقهاء السياسة وفقهاء الإقتصاد  عند القول إن عجز الدولة اللبنانية  سنويا في هذا  القطاع يقارب ملياري دولار، بحيث شكل هذا العجز المتراكم ما يوازي نصف الدين العام البالغ 85 مليارا وفقا للأرقام الرسمية .
وأما لماذا هذا العجز ؟
فلأن  الأحزاب اختلفت  على إدارة قطاع الكهرباء .
وحين اختلفت الأحزاب  عملت على تخريب هذا القطاع العائد للدولة ، وأطلقت العنان ل " زعماء الأحياء " والمسؤولين الحزبيين ، فأمعنوا في استخدام المولدات الكهربائية ، يحتكرونها ويحددون أسعار الإستخدام ، وتحولوا إلى مجموعات ضغط  تهدد الدولة بالويل والثبور .
من يستطيع اقتناء مولد كهربائي إذا لم يكن مستقويا او متحزبا؟
والمعادلة هنا : كن حزبيا وافعل ماتشاء 
و " ما تشاء " تعيدنا إلى معادلة التحزيب والتخريب .
جاء دور  مرفأ  بيروت الآن .
هذا المرفأ كان شقيق مرفأ  مدينة حيفا في الدور والوظيفة  والأهمية قبل   النكبة الفلسطينية .
بعد النكبة صار مرفأ بيروت وحيدا ، تم توسيعه ، توسعت وظيفته ، توظف الشرق والغرب على الإفادة منه ، وهذا  المرفأ كان يُطعم نصف لبنان .
الآن تريد الأحزاب أن تأكله .
تعرف الأحزاب قيمة اللحم على الكتف 
تريد الأحزاب  إشراك قطاعها الحزبي الخاص  في إدارة   مرفأ  بيروت ، وبدل أن يكون هذا المرفأ  قطاعا وطنيا ، سيتحول إلى " اقتطاعات " حزبية او إقطاعيات حزبية ، فلا يدخله إلا من أنعمت عليه الأحزاب برحمتها ،  أو من استزلم واسترخص  نفسه  وعقله وماله .
أليس هذا ما يجري في قطاعات الدولة عامة ، حين تحولت إلى اقتطاعات لهذا الحزب أو ذلك؟
هل بقيت الإدارات إدارات والمؤسسات مؤسسات ؟
مرفأ بيروت على مرارة حاله وسوء أحواله يبقى افضل حالا مما لو صادرته الأحزاب  تحت مسميات الإدارة المشتركة وما يشابهها من أوصاف  وألقاب غدارة وخائنة لأصول معانيها .
لن يبقى مرفأ بيروت وطنيا 
سيكون على قياس الحزبيات 
وكلما تعارك حزب مع حزب حول حصة أو قسمة ، سيكون مشهد المرفأ محزنا ومقرفا ، كما هي مشاهد العراكات والمعارك  حول المحاصصة والملاصصة  داخل الحكومة ، أو كما هي مشاهد هضاب ومرتفعات النفايات المقرفة ، فحين اختلفت الأحزاب على  إدارة  " سوق ومزاد النفايات " ، أغرقت  البلاد بسموم الروائح العفنة والسرطانات المميتة.
يقال إن مصير مطار بيروت  سيكون مثل مصير مرفأ بيروت .
فالأحزاب عينها  على " لحم كتف " المطار.
هذا المطار كان السابع  على مستوى مطارات العالم في عقد الخمسينيات الفائت.
استمر على هذا النحو أو في مراتب متقدمة عالميا حتى لحظة اندلاع الحرب في العام 1975، وما بعدها بقليل ، وبما أن العالم أصبح أشبه بقرية كونية ، فالسفر أصبح والحال تلك ، أشبه بنزهة في أحياء القرية ، وهذا يدر مالا وفيرا ينتجه السفر وتنتجه المطارات ، ومنها مطار بيروت .
ومن فكرة " الشبق المالي " فكرت الأحزاب ب " مأتى " المطار .
تقتطعه 
تأكل لحمه 
ثم  تفسده وتخربه .
ماذا يبقى ؟
يبقى قطاع الإتصالات ، والحديث عن هذا القطاع مثل " حديث الأفاعي "  أو " جنيات الليل " ، يبدأ ولا ينتهي ، ولكن هناك من يقول  إن الطريق  نحو إصلاح هذا القطاع يكون عبر الحل الحزبي ، مما يعني :
أن  يأخذ هذا الحزب " نتفة "
ويأخذ ذاك الحزب " نتشة "
 ويأخذ ذلك الحزب قضمة .
ماذا يبقى للدولة ؟ لا شيء 
ماذا يبقى للوطن ؟ لا شيء 
من يبقى إذا ؟
تبقى الأحزاب التي فشلت في إدارة الدولة وفشلت في انقاذ وطن .
عشتم وعاش لبنان.
.................
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق:
* الاسم  
   البريد الالكتروني  
   العنوان  
* التعليق
* اكتب ناتج 7 + 7
 
مع الأستاذ توفيق شومان المزيد ...   الافتتاحية المزيد ...   منبر آسيا المزيد ...   المجهر مع علي مخلوف المزيد ...   إقتصاد المزيد ...   رياضة المزيد ...  
شاهد المزيد
ألبوم الصور
 عن الغزو التركي والفرص الضائعة بحث حول الشيرازية:  النشأة - المرجعية والتاريخ ماذا فعل الرئيس سعد الحريري حتى استحق عقوبة نيويورك تايمز؟ خامنئي: العراق القوي مفيد جداً لإيران بالصور: هكذا أحيت بلدية القاع ذكرى "فجر الجرود" بالصور: البخاري يودع الحجاج في مطار بيروت روحاني: لا مفاوضات مع ترامب بعد تخليه عن الإتفاق النووي بالفيديو: كارثة بيئية تصيب بحيرة القرعون بالفيديو: ماقصة الاشكال في الشياح؟ اشتباكات بين عائلتي الجمل وجعفر في الهرمل