الأربعاء 22 أيار 2019م , الساعة 11:46 صباحاً بتوقيت بيروت

إتصل بنا أعلن معنا عن آسيا أخبار الرئيسية

آخر الأخبار :



قصة تنظيم النهضة التونسي واسلاميي السودان

كتب أحمد نظيف

2019.04.17 02:27
Facebook Share
طباعة

 

ربيع العام 1992 أعلنت قيادة تنظيم حركة النهضة في الجزائر النفير العام. جاء ذلك في أعقاب الأحداث التي اندلعت في الجزائر بعد انتخابات ديسمبر 1991، والتي كسبتها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وتدخل الجيش لإيقاف المسار الانتخابي بإلغاء النتائج وحل الجبهة، لتجد النهضة نفسها مرة أخرى في وضع حرج. قبل ذلك بأشهر أعلن التنظيم النفير العام، في مواجهة دولة زين العابدين بن علي القوية، والتي انتهت بهزيمة الحركة الإسلامية وفرار قيادتها إلى الجزائر.


كان لسقوط جبهة الإنقاذ في الجزائر الأثر الكارثي على الحركة الإسلامية التونسية. طار راشد الغنوشي سريعاً إلى الخرطوم والتقى الشيخ حسن الترابي، زعيم الجبهة القومية الإسلامية الحاكمة، وأخذ منه وعداً باستقبال قيادات الحركة وعناصرها، سواءً القادمين من الجزائر أو من البقية الباقية الهاربة من تونس وكثير من الشباب الذين تقطعت بهم السبل في ليبيا. وخلال أيام قليلة وصل المئات من النهضاويين إلى السودان، وعلى رأسهم عدد كبير من عناصر الجهاز الأمني والعسكري لحركة النهضة ، وبينهم معاذ الخريجي نجل الغنوشي. كانت لحظة الوصول إلى السودان خروجاً من حالة انكسار وتشظ غير مسبوقة، عاشتها الحركة الإسلامية التونسية، بعد سنتين من أكبر مواجهة مفتوحة مع النظام انتهت بفشل محاولتها الانقلابية في 1991، على الرغم من أن الحركة مازالت تنكر ذلك.


السودان منصة إسلاموية

 

في السودان سينجح تنظيم إسلامي مندس داخل الجيش فيما فشل فيه راشد الغنوشي وجهازه الأمني والعسكري في مناسبتين، وسيتمكن من إسقاط النظام ورأسه دون أن يطلق رصاصة واحدة. حدث ذلك في الليلة الفاصلة بين 29 و30 جوان 1989 عندما أُحضر العميد في الجيش السوداني، عمر البشير، على عجل إلى العاصمة الخرطوم. فقد رتبت قيادة الحركة الإسلامية السودانية بزعامة الترابي عملية نقله لدفعه نحو السلطة، صباح اليوم التالي. كث الشارب، هادئاً، ظهر البشير على شاشة التلفزيون معلناً انقلاباً عسكرياً، مزدحما بوعود الرخاء والوفرة، مُطيحاً بحكومة الصادق المهدي، المنتخبة ديمقراطياً. وخارج المشهد كان الزعيم الإسلامي، حسن الترابي، يدير خيوط العملية بحنكة عالية. فالعميد البشير لم يكن سوى عضو صغير في تنظيم كبير اسمه الجبهة الإسلامية القومية، نجح منذ سنوات في زرع تنظيم كامل داخل القوات المسلحة السودانية وكان دائماً على أهبة لنقل الجبهة من صف الأحزاب إلى كرسي السلطة.و متحدثاً عن الكواليس يروي الترابي: «خطتنا الانقلابية كانت معدة سلفاً وقررها مجلس الشورى السري (المشرف السياسي والشرعي على النظام الخاص للحركة الإسلامية) منذ العام 1977.، لكنها تعاظمت عندما خرجنا من حكومة الصادق المهدي، وتبين لنا أن لا طريق للإسلام في أن يظهر للحياة العامة، إذا تمكن من السلطة، لكن إذا تمكن بوجهه ستحيط به الدول الغربية وحتى الإسلامية وسيُوأَدُ طفلاً وينزل عليه العالم بأثقاله. لذلك كان لابد أن يخرج دون أن يعلم عنه أحد سواء أنه انقلاب عسكري. وقد رتب الأمر مجموعة فنية (يبدو أنها الذراع الاستعلامي في الجهاز الخاص) من الحركة الإسلامية، عطلت جهاز الاتصالات في كامل البلاد واستبدلته بجهاز تابع للحركة، استوردته من الخارج».


قبل ذلك كانت الجبهة الإسلامية القومية قد تحالفت مع الرئيس جعفر النميري، الذي تخلى عن نزعته اليسارية واتجه نحو الإسلاموية. وقد استفادت خلل هذه الفترة من وجودها في السلطة لتعزيز تجذرها داخل المجتمع ،وخاصة في مفاصل الدولة وفي المؤسسة العسكرية بالتحديد. ثم دعمت تحرك سوار الذهب الانقلابي، وبقيت تتحين الفرصة للوثوب إلى السلطة. حتى جاءت لحظة جوان 1989.


بموازاة التغيرات السودانية والجزائرية، كانت الحرب الأفغانية (1979 – 1992) قد وضعت أوزارها، وانطلقت حرب أخرى في البلاد بين الأحزاب الإسلامية التي قاتلت السوفيات من أجل السلطة، وبدأت خيبة الأمل والإحباط يتسربان لجمع الأفغان العرب الذين كانوا يمنون النفس بقيام «دولة إسلامية» تحتضنهم من حالة الشتات التي يعيشونها، هرباً من الدول التي أتوا منها ومن الملاحقات الأمنية. تفرق هذا الجمع إلى دروب شتى، ويطلق القيادي في القاعدة أبو مصعب السوري على هذه المرحلة اسم مرحلة الشتات والملاذات الآمنة المؤقتة. وعاد قسم كبير من هذا الجمع إلى بلده دون أي مشاكل ودون ملاحقة أمنية، بينما عاد قسم آخر إلى بلاده ليطلق حركة جهادية ضد الدولة من أجل إسقاطها وبناء الدولة الإسلامية المُحتكمة إلى الشريعة الإسلامية، كما حدث في الجزائر. والقسم الثالث خير الاستفادة من فرص اللجوء السياسي التي كانت بعض الدول الأوروبية تمنحها آنذاك، كبريطانيا وإسبانيا والدول الإسكندينافية.


لكن أبا مصعب يلفت إلى أن مجموعة أخرى توجهت إلى السودان التي كانت حكومة البشير، مؤيَّدة من حليفها الترابي، قد استولت فيها على الحكم، موصلة الحركة الإسلامية الرئيسية فيها إلى السلطة، والتي كان من سياستها خلال مرحلة (1991-1995)، فتح الباب للتنظيمات الجهادية للانتقال إلى السودان، حيث انتقل عدد مهم من الجهاديين إلى هناك وكانت في طليعتهم قيادة تنظيمات الجهاد المصري والجماعة الإسلامية في مصر، وأسامة بن لادن وقياديو تنظيم القاعدة، بالإضافة إلى الكتلة الرئيسية من قيادة الجماعة المقاتلة في ليبيا وجهاديين من جنسيات أخرى، بينهم تونسيون، فيما عرف حينها بسياسة «الباب المفتوح».


الغنوشي والترابي


ربط الإسلاميون التونسيون علاقات تاريخية مع نظرائهم في السودان منذ سبعينات القرن الماضي. كان السودانيون يملكون خبرات تنظيمية تفوق ما يملكه عناصر حركة الاتجاه الإسلامي، خاصة في مستوى العمل النسوي والطلابي، ولذلك كانت التجربة السودانية حاضرة بقوة في تنظيم عمل النساء والحركة الطلابية الإسلاموية التونسية، بل إن عدداً من قيادات الاتحاد الطلابي الإسلامي وطلبة النهضة كانوا يقومون برحلات إلى الخرطوم لكسب التجربة من نظرائهم السودانيين، خاصة في ما يتعلق بمواجهة الخصوم اليساريين في الجامعة. وكان الحزب الشيوعي السوداني في أيام عزه أكبر تهديد للحسن الترابي ورفاقه في الجامعات والنقابات وفي الجيش.


كانت حركة النهضة عندما بدأت في التخطيط لانقلاب 1987، وكانت حينذاك تسمى الاتجاه الإسلامي، قد وضعت مخططها على شاكلة ما حدث في السودان بعد انقلاب سوار الذهب وتنحية جعفر النميري، حتى أن صالح كركر، القائد الأعلى للمجموعة الأمنية (الجهاز الخاص للنهضة)، قال مع مغادرته البلاد وانكشاف مخطط المجموعة خريف العام 1987: «لم يكن تحركنا من أجل الاستيلاء على السلطة، فقد كان ذلك مستبعداً، ولكن من أجل استبعاد بورقيبة ،لأنه كان قد أصبح مجنوناً ،وإعادة السلطة السياسية إلى الدولة، وكان هذا في الواقع السيناريو على الطريقة السودانية، على طريقة سوار الذهب». كانت الحركة لا تريد، بانقلاب نوفمبر، الصعود إلى السلطة ولكنها كانت تريد الحكم، وهنا تكمن المفارقة. لذلك سعت إلى إقناع محمد مزالي بتولي الأمور ووعدت بدعمه، وكانت واثقة بأن أول انتخابات ستنظم ستكون السلطة من نصيبها، لكن مزالي رفض. ثم حاولت إقناع أحمد المستيري، في سيناريو مشابه لما وقع في إيران: يتم إخراج المستيري إلى دولة مجاورة ويعلن كزعيم للمعارضة وتنطلق المسيرات والمظاهرات في الشوارع ويتحرك الجهاز الخاص، حتى يسقط النظام. لكن المستيري رفض هو الآخر. وفقدت الحركة أي أمل في العثور على «سوار الذهب». كانت الحركة قوية يومئذ، وكانت السلطة أقرب إليها من حبل الوريد، وكان النظام يترنح، وكان الشعب مرعوباً من المستقبل، وكان العالم يتفرج.


بعد لجوء حركة النهضة إلى السودان توطدت علاقة الغنوشي بالترابي. كان الترابي ذا تكوين غربي في القانون، واسع الاطلاع، وصاحب مواقف يعتبرها الإخوان المسلمون التقليديون شاذة وغريبة، خاصة فيما يتعلق بالمشاركة النسوية. في تلك الفترة بدأ الغنوشي والترابي في اتخاذ مواقف قريبة من الأنظمة القومية، والتقطا معاً دعوة مركز دراسات الوحدة العربية لعقد المؤتمر القومي الإسلامي. وقد عمقت حرب الخليج الثانية هذا الاتجاه، بعد أن تحولت الخرطوم إلى منصة للمعادين للحرب على العراق. وفي الخرطوم خطب راشد الغنوشي مهدداً باستهداف المصالح الأمريكية، إن حاولت واشنطن ضرب العراق. ولم يفعل شئياً. وكذلك بدأ الرجلان في فتح قنوات تواصل مع نظام حافظ الأسد، على الرغم من الانتقادات التي لحقتهم من نظرائهم في جماعة الإخوان المسلمين السورية. كما فتح الترابي مجال العمل حتى لبعض الحركات القومية واليسارية وكانت الخرطوم آخر مقر للمناضل اليساري الأممي كارلوس ،قبل اعتقاله بالشباك من طرف المخابرات الفرنسية على أطراف العاصمة السودانية، وبتعاون مع السلطات السودانية.


تجربة للنسيان


وخلال هذه الفترة بدأت العلاقات الرسمية بين تونس والسودان في التأزم. واتهمت السلطات التونسية الخرطوم باستضافة زعيم حركة النهضة راشد الغنوشى ومنحه جواز سفر سوداني وتدريب معارضين تونسيين أصوليين، الأمر الذي أدى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين حتى العام 2000. لكن المخابرات التونسية نجحت في زرع العشرات من عملائها في صفوف عناصر حركة النهضة ومقراتها في السودان، الأمر الذي اضطر قيادة الحركة إلى تفعيل جهازها الأمني لمراقبة العناصر المشتبه بها. وكان على رأس الجهاز العضو السابق في المجموعة الأمنية (1987) والضابط السابق في الجيش التونسي ،عبد الحميد العداسي، ويساعده محسن الجندوبي ،وغيرهما. وقد خضع العشرات من عناصر النهضة القادمين من تونس لتحقيقات في مقرات الحركة الموزعة بين الخرطوم وأم درمان، وصل بعضها حد التعذيب لشكوك كانت تحوم حول تعاونهم مع الأجهزة الأمنية التونسية وخاصة المصالح الأمنية في السفارة التونسية بالخرطوم قبل إغلاقها.


بعد حصار غربي امتد لسنوات، دخل النظام السوداني في تفاهمات سرية مع العديد من الدول الغربية والعربية لفك العزلة عنه، تم بموجبها الانفتاح على السودان مقابل تخلي النظام الإسلامي عن إخوانه من الحركات الإسلامية السياسية والجهادية وطرد قيادات تنظيم القاعدة وتنظيم الجهاد المصري والجماعة الليبية المقاتلة. وخلال هذه الفترة – بين 1994 و1996 - بدأت حركة النهضة في تفكيك معسكراتها وإغلاق مقراتها وإجلاء عناصرها نحو المنافي الأوروبية، في ألمانيا وسويسرا وفرنسا وبريطانيا. وقد قاد الطاهر بوبحري، عضو الجهاز الأمني للحركة ،عمليات الاستقبال عبر النمسا وألبانيا. وفي المقابل نقلت الحركة عدداً من عناصر الجهاز الأمني إلى العاصمة السورية دمشق، لينقلوا بعد سنوات نحو المنافي الأوروبية، وبعضهم كان قد استقر مبكراً في إسبانيا.


وإلى حدود العام 1996 لم يتبق في السودان إلا عدد قليل من عناصر حركة النهضة، بعضهم اندمج في المجتمع السوداني وتزوجوا من سودانيات. وكان اللاجئون النهضاويون موزعين على مقرات للمبيت الجماعي بين العاصمة الخرطوم ومدينة أم درمان وتصرف لكل واحد منهم عشرون دولاراً أسبوعياً من طرف السلطات السودانية.


بعد الانقسام الذي شهدته الحركة الإسلامية السودانية والطلاق بين الترابي والرئيس عمر البشير، بدأت العلاقات التونسية السودانية تشهد نوعاً من التحسن. وكان لقاء البشير مع الرئيس بن علي على هامش القمة العربية في العام 2000 بداية لتطبيع العلاقات بعد قطيعة طويلة. لكن الود لم يستمر طويلاً، بعد أن أدانت محكمة سودانية في أوت 2001 مواطنا تونسيا بالتجسس والتخابر مع السفارة التونسية في الخرطوم واختلاق معلومات تضر بالبلاد سياسيا واقتصاديا وتصورها دولة إرهابية ،وقضت عليه بالسجن 15 عاما. وكانت السلطات السودانية قد أعلنت في جويلية من العام نفسه عن إلقاء القبض على شبكة تجسس يتزعمها التونسي علي بن مصطفى، ومعه ستة سودانيين اتهمتهم بالتورط في تزويد جهاز الاستخبارات التونسي بمعلومات ملفقة عن دعم السودان للإرهاب وتقديم روايات كاذبة عن علاقة الخرطوم بالمنشق السعودي أسامة بن لادن وحركة طالبان الأفغانية وشبكات الإرهاب حول العالم، وفتح معسكرات لتدريب أصوليين عرب في السودان. وفي المقابل نفت تونس علاقتها بالجاسوس، وقالت إنه ينتمي إلى حركة النهضة الإسلامية وإنه مطلوب في جرائم عدة في بلاده.وبعد يوم من إعلان السلطات السودانية الكشف عن شبكة التجسس، غادر السفير التونسي لدى الخرطوم، محمد البلاجى، عائدا إلى بلاده.


بعد عقود من تلك التجربة يسقط نظام عمر البشير، تحت طائلة الثورة، دون أن يتحسر عليه أخوة الأمس من حركة النهضة. لكن الحركة لم تكشف حتى الآن عن موقفها مما حدث في السودان، فيما بدت أصوات من داخلها تتحدث بهمس عن الفوارق بين البشير والترابي، وكيف أن البشير أساء للحركة الإسلامية، مع أن الفريق البشير لم يكن إلا امتداداً لحكم الجبهة الإسلامية القومية، التي استلمت بلداً مترامي الأطراف في العام 1989، وافر الثروات، شديد التنوع، ليتحول بعد ثلاثة عقود إلى دولة مقسمة بين الشمال والجنوب، نمت في جسدها أمراض التفرقة الدينية والعرقية والمناطقية وهجرها شبابها ونساؤها نحو المنافي ومخيمات اللجوء.


المصدر نقلا عن صفحة الكاتب

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق:
* الاسم  
   البريد الالكتروني  
   العنوان  
* التعليق
* اكتب ناتج 3 + 10
 
الافتتاحية مع خضر عواركة المزيد ...   منبر آسيا المزيد ...   المراقب مع محمود عبد اللطيف المزيد ...   المجهر مع علي مخلوف المزيد ...   إقتصاد المزيد ...   رياضة المزيد ...  
شاهد المزيد
ألبوم الصور
خامنئي: العراق القوي مفيد جداً لإيران بالصور: هكذا أحيت بلدية القاع ذكرى "فجر الجرود" بالصور: البخاري يودع الحجاج في مطار بيروت روحاني: لا مفاوضات مع ترامب بعد تخليه عن الإتفاق النووي بالفيديو: كارثة بيئية تصيب بحيرة القرعون بالفيديو: ماقصة الاشكال في الشياح؟ اشتباكات بين عائلتي الجمل وجعفر في الهرمل الأسد: سأزور إيران قريباً مجدداً.. أهالي الموقوفين الاسلاميين يعتصمون في طرابلس بالصورة: اعتصام  لموظفي "سعودي أوجيه" في طرابلس