الاثنين 10 كانون الأول 2018م , الساعة 11:45 صباحاً بتوقيت بيروت

إتصل بنا أعلن معنا عن آسيا أخبار الرئيسية

آخر الأخبار :



كيف بدأت الحرب (ح4): من الثّورة السّلميّة إلى مجازر النصرة وداعش

وكالة أنباء آسيا - خضر عواركة

2018.11.20 07:08
Facebook Share
طباعة

كيف تحوّلت ثورةٌ رموزها ناشطو حقوق الإنسان وأحزاب مدنيّة وقوى داخليّة تريد تحقيق مطالب شعبيّة مُحقّة باعتراف رموز السّلطة إلى حربٍ فوضويّةٍ عارمة، ومن ثمّ إلى حربٍ عالميّة لكلّ دولةٍ عُظمى فيها وكلاء؟ 

وكيف تحوّل الحكم السوريّ المتّفق حتى بين رجاله بأنّه حكمٌ فرديٌّ يعتمد القبضة الأمنيّة مع معارضيه إلى منقذٍ من الفوضى والإرهاب في عيون أغلب من وقفوا على الحياد وكانوا على استعدادٍ لمساندة عمليّة إسقاطٍ للسّلطة بطرقٍ سلميّة؟ 

وكيف تحوّل حكمٌ يخشاهُ معارضيه إلى ملجأ للهاربين من مناطق المعارضين، إذ ترك سورية إلى الخارج ملايين يُقال إنّها بين خمسة وسبعة ملايين لاجئ، في حين هرب من مناطق المعارضين إلى مناطق السّلطة عشرة ملايين سوريٍّ في أكبر موجةِ نزوحٍ عالميّة ما بعد الحرب العالميّة الثانية، والمفارقة أنّ المعارضة التي شنّت حملةَ تحريضٍ طائفيّة بين السّنة، بزعم أنّ قتل العلويّين وإبادتهم يحمي أهل السّنّة، تسبّبت بعمليّاتها المسلّحة في المدن والبلدات الآهلة بنزوح ملايين السّنة من مناطقهم إلى حيث الكثافة العلويّة، فعاش الطرفان (النازحون السّنة والعلويّون) في مناطق اللاذقيّة وطرطوس وأريافهما أفضل ممّا يمكن أنْ يحلم به الحكم السوريّ، إذ تعايش الطرفان بشكلٍ ودّيّ وتوحّدا خلف السلطة!

وصار نظام الرئيس بشار الأسد، لا يدافع عن سياساته الداخليّة بحقّ معارضيه والناشطين السياسيّين حتى أقرب حلفائه، منقذاً ورئيسه محرّراً في نظر الموالين له، وهم أغلبيّةٌ تزيد عن النصف زائد واحد من السوريّين المقيمين في الداخل بحسب الموالين وبحسب بعض الجهات الدوليّة المحايدة؟ 

وتحولت الثورة السلميّة المفترضة إلى حربٍ بين تحالفاتٍ دوليّة ضدّ الإرهاب، وقاسمها المشترك الحفاظُ على السّلطة السورية الحاليّة.

فكيف وصلنا إلى هذه النتيجة؟

ظهرت فاعليّة التنظيمات المسلّحة في سورية قبل الثورة، وكانت أُولى الإرهاصات العلنيّة هو ما كشفه الأمن السوريّ عن خليّةٍ تُدعى "خليّة مسجد زيد" التي كانت تملك مركزاً للتدريب في منطقة يعفور، هو عبارة عن مزرعةٍ مُسيّجة كونها ملكيّة خاصّة.

كان ذلك في العام 2009.

والمُلفت أنّ تلك المجموعة التي دخلت السجن ولم يعترف أفرادها على زعيمهم "عماد الدين. ر" رغم التعذيب، تنتمي لجهة يُفترض أنّ القاعدة تُعاديها لكن لُوحِظ بعد الثورة في صيف العام 2011 أنّهم يتعاونون مع رجال تنظيم القاعدة وتدرّبوا في معسكرٍ واحد في أعالي فليطة وفي معسكرٍ آخرَ في جرود عرسال كان يُخرِّج شهريّاً 50 مقاتلاً محترفاً في حينه.

بدأت التظاهرات في درعا لأجل كرامة شيوخ القبائل التي قِيلَ إنَّ ضابطاً أهانهم ثمّ خرجت تظاهرتُ حمص فزعةً لدرعا، ثمَّ قام أهالي دوما بتنظيم تظاهراتٍ نصرةً لدرعا أيضاً، وكان المنظّمون الأوائل من تنظيم ناصري يقوده حسن عبد العظيم قبل أنْ يبرز فريقٌ سلفيٌّ حلق ذقون أفراده، وشارك في التظاهرات، ثمّ قادها وزعيمهم في دوما في حينه كان المدعو خالد طفور قبلَ أنْ يستولي على الثورة فيها لواءُ الإسلام وزعيمه زهران علوش.

مع بداية التظاهرات أرسل تنظيم الدولة في العراق كلّاً من الجولاني والعراقي ميسم الجبوري لقيادة عملٍ مسلّح، وكان ذاك في بداية نيسان 2011، وتولّى الجبوري الإمارة الشرعيّة، والجولاني الإمارة العسكريّة، وكان لهؤلاء أركانٌ في سورية من بينهم يوسف الهجر وهو طالبٌ بكليّة الطبِّ في دمشق، ومطيع البطين في درعا، وحاولت النصرةُ الاستيلاء على التنظيم المخابراتيّ للإخوان المسلمين عبر استيعاب كوادره التي تُوالي "عماد الدين. ر" وبرزَ من بين هؤلاء عصام عبد المولى طالب الدراسات العليا، لكن تصدّي القيادات العليا للإخوان ثبّت وضعيّة كوادرهم ولم ينجرّوا للتعاطف مع تنظيم القاعدة في بلاد الشام الذي كان متّهماً بتفجيراتٍ سبق وحصلت، وبالتالي كسب شعبيّة بين الحركيّين الإسلاميين بمن فيهم كوادر الإخوان وتصدّى للقاعدة قياديّون إخوانيّون من أمثال الشيخ عدنان السقا الذي كان نفوذه يخوّله ليكون مرشدَ الإخوان في حمص رغم إقامته الطويلة في السعوديّة، وكذلك ياسين النجار القيادي الإخوانيّ في حلب، وهؤلاء قياداتٌ لا تعترف بأنّها قيادات، وتتعاطى مع الشأن العام على قاعدة أنّ "اسم الإخوان في سورية نسبة" ويخشى الناس من النحس الذي يجلبه الاسم إلى الحركيّين، لذا يختارُ الإخوانيّون أسماء واجهاتٍ وأحزاباً تُغطّي انتماءَهم إلى التنظيم الأم. 

وبينما كان الحالمون بوطنٍ ديمقراطيٍّ يقومون عن حماسةٍ حقيقيّة بالتظاهر لأجل مطالبهم المُحقّة، كانت جماعاتٌ مسلّحةٌ تدخل إلى سورية مع أموالٍ طائلةٍ لتجنّد أكثر من 65 ألف هاربٍ من أحكامٍ جرميّةٍ وأغلبهم من المهرّبين المطلوبين. فنشأت الكتائب الأُولى سرّاً قبل نهاية نيسان 2011، في حين كانت قنوات اتّصال أميركيّة كرديّة عراقيّة تنشط مع السوريّين من أصول كرديّة لتحقيق مشروع "بنغازي سورية في مناطق يقطنها الأكراد في سورية". 

في البوكمال لم يكن هناك حاجةٌ لثورةٍ، فتلك المدينة كانت منذ غزو العراق مرتعاً لقيادات القاعدة العراقيّة، وتحوّلت لقاعدة انطلاقٍ لنشاط القوى التكفيريّة في سورية، وكانت فعلاً عاصمةً لتنظيم القاعدة بفرعيه الأمّ والعراقي. وأما في دير الزور فقد شُيّدت معسكرات التدريب القاعديّة مستفيدين من تعاون بعض العشائر بترتيبٍ سعوديٍّ، حيث للسعوديّة نفوذٌ كبير هناك.

كانت الثورة تذهب في مسارين قبل أنْ تبدأ، مسارٌ سلميٌّ في التظاهرات، ومسارٌ حربيّ لم يكن ينتظر قمع السلطة لحمل السلاح. 

كانت بعض جهات السلطة تمتلكُ معطياتٍ مفصّلة عن التحضيرات المسلّحة بدعمٍ دوليٍّ وإقليمي، لكن كان هناك من يحبط مساعيها ويضرب مصداقيتها لدى القادة الكبار، ما يعكس وجود اختراقاتٍ في مستوياتٍ عُليا من السّلطة.

على سبيل المثال ظهرت منذ الأسابيع الأُولى حراساتٌ ليليّة في مناطق التظاهرات لمسلّحين يقودهم مجرمون معروفون كانوا فارّين من وجه العدالة فصاروا رموزَ الثورة المسلّحة قبل أنْ تتسلّح الثورة، ومن هؤلاء: "أسامة خ" في القابون و"أبو أحمد الديري" في حي تشرين الدمشقي، و"ياسين خ" الشهير بلقبه "البلوة" في القابون، و"زياد الب" في حي التضامن بدمشق، وكان مؤسّساً لأكبر مجموعة مسلّحين في الحيّ قبل أنْ تنطلقَ حتّى التظاهرات، و"مصطفى أبو ج" في حي التضامن و"علي ش" وكذلك "أسد ح" في رنكوس، وهو تعاون مع النقيب المنشقّ "فراس البيطار" في مرحلةٍ لاحقة، و"أبو عمر شلة" في حرستا، وبرزَ كلُّ هؤلاء بين أترابهم من الملاحقين كقادةٍ؛ لأنّهم كانوا يَعدون العناصر الفارّة من العدالة بالسلاح والمال وبالسيطرة على مناطقهم على وعد إسقاط النظام، وكان كلُّ من سبق ذكرهم يتحرّكون بناءً على تكليفٍ من متّصلين بهم من أقاربهم أو معارفهم في الخارج، ودعوتهم إيّاهم للانتساب لنشاط الثورة حتى إسقاط النظام، وأنَّ عليهم تأسيس مجموعاتٍ تحمي أحياءَهم من الفوضى التي قد يولّدها إسقاط النظام، وأمّا المال والسلاح فقد كان يصلهم عبر خطوط نقلٍ من تركيا ولبنان والأردن وكردستان العراق، وبرز من المموّلين "هيثم اللــ"، وهو ممّن كانوا ينسّقون مع جهاتٍ داعمةٍ في لبنان. ومن الأسماء التي دعت لحمل السلاح بشكلٍ مُبكر من سجنه "قيس شكور" و"يحيى جوعانة" في القابون، والأخير قُتِل لاحقاً، و"نوري النفاخ" المعروف بأبو خالد في القابون، وكان له مجموعته الخاصّة وقُتِل أيضاً.

فيما يلي تسلسل الأحداث التي أدت إلى سيطرة تنظيمات قاعديّة إرهابيّة على مناطق شاسعة من سورية بعدما ابتلع السلاح أولاً الثورة السلميّة المفترضة، ثم ابتلعت التنظيمات القاعديّة المسلّحين الثوريّين وتنظيماتهم قبل نهاية صيف العام 2012. 

1- بدأت الثورة السّلميّة أوّلاً كما يأتي:

بدأت في العام 2011 محاولاتٌ خجولةٌ لتأسيس عملٍ ثوريٍّ سياسيّ، وقد كان أقربَ إلى التخبّط والفشل، إذ اجتمع عددٌ ممّن صنّفوا أنفسَهم معارضين سياسيّين في أنطاليا في بداية شهر الثورة الرابع (المؤتمر السوريّ للتغيير، حزيران2011م) وفي وقتٍ قريب منه عُقِد مؤتمرٌ آخر في بروكسل، ثمَّ عُقد مؤتمر إسطنبول في الشهر التالي (مؤتمر الإنقاذ الوطنيّ السوريّ، تموز2011)، وفي وقتٍ لاحقٍ تمّ الإعلان عن تأسيس المجلس الوطنيّ السوريّ (تشرين الأول2011) الذي بَقِيَ الجامعَ الرئيس لشتات المعارضة السياسيّة لأكثر من عام، حتّى تأسيس الائتلاف الوطنيّ لقوى الثورة والمعارضة في أواخر السنة التالية.

- في 31 يناير 2011م، أكّد الرئيس بشار الأسد عدم انتقال أحداث مصر وتونس إلى سورية بعد ظهور دعواتٍ عبر بعض المواقع الاجتماعيّة إلى إجراء احتجاجاتٍ جماهيريّة في سورية والنزول إلى الشوارع، في 15 مارس 2011 تظاهر العشرات من المواطنين السوريّين في سوق الحميديّة المجاور للجامع الأمويّ في قلب العاصمة دمشق منادين بالحريّة، وسعت عناصرُ الأمن إلى تفريق المتظاهرين سلميّاً، كما وصلت حافلاتٌ عدّة حاملةً أعداداً كبيرة من الشبّان قاموا بتشكيل مظاهرةٍ مؤيّدةٍ للرئيس.

- وفي 16 مارس 2011م شَهِدت العاصمة السوريّة دمشق تظاهرةً أمام وزارة الداخليّة مطالبة بالحريّة والديمقراطيّة وإجراء إصلاحات سياسيّة، والإفراج عن المعتقلين السياسيّين، وانتهت بشكلٍ سريعٍ بعد تفريق قوّات الأمن لها، ممّا تسبّب في إصابة شخصٍ واعتقال 5 آخرين، وفي 18 مارس 2001 خرج المئاتُ من المحتجّين في درعا بعد صلاة الجمعة في مظاهراتٍ مردّدين شعاراتٍ تتّهم أسرة الرئيس بشار الأسد وأقاربه بالفساد، وتباينت الأنباء في أنَّ قوّات الأمن السوريّة قتلت مابين 2-4 أشخاص، إذ تمّ تعزيز منطقة درعا بالمزيد من قوّات الأمن على متن مروحيّات، وندّدت أمريكا بشدّة بأعمال العنف ضدّ المتظاهرين، كما حثَّ السكرتير العام للأُمم المتّحدة بان كي مون السلطات السوريّة على الإنصات لطموحات الشعب المشروعة والابتعاد عن استخدام العنف.

- في 19 مارس 2011م أعلنت السلطات السوريّة عن تشكيل لجنةٍ في وزارة الداخليّة للتحقيق في أحداث محافظة درعا التي راح ضحيّتها 4 قتلى، في حين دعا آلاف المعزّين إلى الثورة خلال تشييع جنازة اثنين قتلتهم قوّات الأمن السوريّة، ممّا اضطرَّ قوّات الأمن إلى إطلاق الغاز المسيل للدموع لتفريق الحشود، وقد أصدر الرئيس الأسد مرسوماً تشريعياً يقضي بخفض مدّة الخدمة العسكريّة الإلزاميّة 3 أشهر.

- في 20 مارس 2011م، قامت مجموعةٌ من عناصر "التنظيم" وهو تشكيلٌ مسلّحٌ جاء معظم أفراده من الأردن في بداية الأحداث وأقاموا في مخيّمٍ للفلسطيّنيين في درعا، وكانوا على اتّصالٍ بالمخابرات الأردنيّة وبالشيخ "الصياصنة" وهؤلاء نفّذوا الاعتداء على المشافي في درعا، وقاموا بإحراق ممتلكاتٍ عامّة وخاصّة، وإطلاق النار على عناصر الشرطة، وقامت قوّات الأمن بإطلاق الرصاص الحي والقنابل المُسيلة للدموع على المتظاهرين، ممّا أسفر عن إصابة أكثر من 100 وسقوط قتيلٍ واحد، وأقال الرئيس السوريّ محافظ درعا (فيصل كلثوم) استجابةً لمطالب مواطني المحافظة نظراً لارتكابه أخطاء قاتلةً في التعامل مع الاحتجاجات التي تشهدها المحافظة.

- وفي 21 مارس 2011م خرج الآلاف من سكّان درعا إلى الشوارع مُجدّداً للمطالبة بإنهاء حالة الطوارئ المستمرّة في البلاد منذ 48 عاماً، وانتشرت قوّات الجيش السوريّ، وأقامت نقاط تفتيش عند مداخل درعا وسُجِّلت حالة وفاة، وامتدّت المظاهرات إلى بلدة جاسم ومدينة انخل جنوب سورية.

من الملاحظ أنَّ المطالبات الشعبيّة في البداية كانت مقتصرةً على إقالة المحافظ ومعاقبة ضابط الأمن السياسيّ المتّهم بتعذيب أطفال (ثبت لاحقاً أنَّ الموضوع الخاصّ بهم ليس سوى مبالغاتٍ مقصودةٍ من الإعلام العربيّ ومن تنسيقياتٍ أوتوبوريّة بهدف استثارة العشائر، وذلك بحسب ما قاله المستشار الخاصّ لأمير قطر الحاليّ عزمي بشارة في كتابه عن سورية (لطفاً مراجعة المصادر في آخر الكتاب) وقد تطوّرت المطالباتُ كلّما تراجعت السلطة وحقّقت لمندوبيهم من الوجهاء ما يريدون، فقد كان الأمرُ في البداية بيد العشائر التي اتّفقت مع مندوبي السلطة على التهدئة وجرى إصدار عفوٍ وإطلاق سراح كافّة المعتقلين، وسُحِبت القوى الأمنيّة من الشوارع منعاً للاستفزازات، لكن "التنظيم" شنّ هجماتٍ على قوى أمنيّةٍ في مراكزها وعلى دورياتٍ رغم أنف العشائر التي جرى إسكاتها بالمال القطريّ الذي تدفّق كالنهر بحسب مصادر السلطة وبحسب معارضين عادوا إلى تأييد السلطة.


- 23 مارس 2011 لَقِي 6 متظاهرين على الأقل مصرعهم عندما اقتحم مسلّحون المسجد العمريّ وسط مدينة درعا في محاولةٍ لإنهاء الاعتصام الذي يقوم به محتجون منذ 4 أيّام، إذ اعتصم نحو 500 شخصٍ بشكلٍ سلميٍّ في خيامٍ نُصبت في ساحة المسجد واتّهمت السلطات السوريّة عصابةً مسلّحةً بالوقوف وراء هذا الحادث.

وفي الواقع في تلك المرحلة كان كاتب هذا النصِّ من العاملين مع قناة الجزيرة، وزار المسجد العمريّ حيث كان يعتصم المتظاهرون، ونقل الصورة الأُولى للاعتصام إلى القناة، ومن هاجموا المعتصمين كانوا من أنصار السلطة، وبدا أنّهم يتحرّكون بأمرٍ من ضابطٍ محلّيٍّ، إذ عُوقِب عقاباً شديداً لاحقاً كما أقرّ بذلك الشيخ الصياصنة.

- 24 مارس 2011 أفاد مسؤولٌ في المستشفى الرئيسي بمحافظة درعا أنّه استقبل ما لا يقلّ عن 25 جثّةً لمحتجّين قُتِلوا في مواجهاتٍ مع قوّات الأمن، وأن جميع الجثث عليها آثارُ أعيرةٍ ناريّة، وأكّد الناشط الحقوقيّ المعارِض في نيقوسيا أيمن الأسود سقوط 100 شخصٍ على الأقلّ على يد قوّات الأمن في درعا، وأعلنت مستشارة الرئيس السوريّ بثينة شعبان أنَّ القيادة اجتمعت واتّخذت مجموعةَ قراراتٍ يتمثّل أهمّها في دراسةِ إنهاء قانون الطوارئ، وإعداد مشروعٍ للأحزاب السياسيّة بالإضافة إلى إصدار قانونٍ للإعلام يلبّي تطلّعات المواطنين وإصدار قرارٍ لتعزيز سلطة القضاء ومنع التوقيف العشوائي. والرئيس بشار يأمرُ بإطلاق سراح كلّ المعتقلين الذين تمّ إيقافهم على خلفيّة الأحداث الأخيرة التي شَهِدتها درعا.

- 25 مارس 2011 انتشر غليانُ المظاهرات في (جمعة العزّة) التي دعت لها جهاتٌ معارِضة عبر صفحةٍ تديرها جهات مخابراتيّة دوليّة من السويد باسم "الثورة السوريّة ضدّ بشار الأسد" وامتدت التظاهرات لتشمل مدناً شماليّة، إذ شَهِدَت عدداً من القتلى والجرحى، وفي دمشق خرج الآلاف في مظاهراتٍ متفرّقة، وقتل 3 أشخاصٍ، في حين أغلقت السلطات الأمنيّة محافظة اللاذقيّة.

وأحرق المحتجّون في درعا تمثالَ للرئيس السابق حافظ الأسد، كما خرج سكّان حماة إلى الشوارع مطالبين بالحريّة، وأعلن الداعيّة المصريّ يوسف القرضاوي دعمه للمظاهرات في سورية.

في تلك المرحلة بدا كأنَّ هناك تنظيماً محكماً يُديرُ العمليّات ضدّ السلطة السوريّة، فقد كان هناك من ينسّق بين المنظّمين في كافّة المحافظات، ووزّعت جهاتٌ قطريّةٌ بغطاءٍ إعلاميّ هواتف ثريا وأنواع أُخرى من أجهزة الاتّصالات المتطوّرة عبر الأقمار الصناعيّة وتجهيزات لاستخدام الإنترنت المشفّر عبر الأقمار الصناعيّة، وبدأت شخصيّاتٌ معارِضة تتواصل مع مشايخ وأكاديميّين وضّباط بغيّة تحضيرهم وحثّهم على الالتحاق بالثورة "لأنَّ النظام سيسقط وعليهم إنقاذ أنفسهم".

كما بدت الاختراقات الأمنيّة لاستخبارات النظام وقواه المسلّحة كبيرةً وفاعلةً وقادرةً على فرض سلوكٍ كان واضحاً أنّه يضرُّ بالسلطات ولا يفيدها، إذ كان الرصاص ينهمرُ على المتظاهرين، في حين أنَّ أوامر الرئيس السوريّ المشدّدة كانت بعدم حمل السلاح بتاتاً وإبعاده عن أيدي قوى أمنيّةٍ تواجه المتظاهرين والاكتفاء بالهراوات، لكنَّ السلاح لم يحمله الأمنيّون فقط؛ بل استخدموه في أكثر من مكان، ما ساعد منظّمي الحِراك على توسيعه.

وبرزت بين المواطنين حالةٌ شاملةٌ من الحزن على درعا، فقد انتشرت الإشاعات عن اغتصاب فتياتٍ، وتعذيبٍ يقوم به الأمنيّون، وحصارٍ للأحياء، وصار المحايدون وسيّدات المنازل والموظّفون والآباء والعائلات والشبّان يتلقّون اتّصالاتٍ عشوائيّة من هواتف محليّة وخارجيّة تحثّهم على المشاركة في الثورة نصرةً لدرعا وأهلها المظلومين.

- 26 آذار مارس 2011 السُّلطات السوريّة تُطلق سراح 260 سجيناً معظمهم من الإرهابيّين الإسلاميّين من سجن صيدنايا!! وهو قرار يقول منتقدوه إنّه كان بهدف بثِّ الفرقة بين المعارضين ولهدفٍ هو تحويل الحراك الشعبيّ إلى ثورة مسلّحة يسهل قمعها من قِبَل القوى الأمنيّة الرسميّة في حين أنّ توسّع التظاهرات السلميّة أخطر على السلطة من الإرهاب والإرهابيّين!!

كلامٌ ينفيه الرسميّون، ويقولون إنّ العفو حصل لتهدئة المتظاهرين ووجهاء المناطق التي ينتمي إليها من أطلقت السلطة سراحهم، إذ تشكّلت وفودٌ لمفاوضة المتظاهرين، وطالب القادةُ المعارضون في كلّ منطقةٍ بمساجين بالأسماء المحدّدة، ووافقت السلطة عليهم لكسب ولاء الوجهاء الذي اعتبروا إطلاق سراح الارهابيّين إنجازاً.

وفي اليوم نفسه احتشد مشيّعون لأحد الضحايا في درعا، وهاجموا مراكز لحزب البعث ومخفر للشرطة في بلدة طفس أثناء توجّههم إلى المقبرة، كما تظاهر المئات في الميدان الرئيسيّ في درعا مطالبين برحيل الرئيس للمرّةِ الأُولى، كما أكّدت مصادرُ إخباريّةٌ أنّ 6 أشخاصٍ قُتِلوا في اللاذقيّة في حيٍّ ينتمي معظم سكانه للطائفة السُّنيّة.

- 27 مارس 2011 أعلنت مستشارةُ الرئيس السوري بثينة شعبان أنَّ حصيلة الاضطرابات التي شَهِدَتها مدينةُ اللاذقيّة خلال اليومين الماضيين بلغت 12 شخصاً، وأعلن التلفزيون الرسميّ أنَّ سورية أوقفت العمل بقانون الطوارئ وأفرجت عن جميع الموقوفين إثر الاحتجاجات.

تراجعُ السُّلطة عن قانون الطوارئ شجّع الشبّان السوريّين المتأثّرين بالربيع العربيّ، فسرت حمى بين أصحاب النوايا الطيّبة وبدؤوا يتجرؤون على حريّةٍ في التعبير، لكن كان هناك من يُديرُ تلك الحريّة نحو الطائفيّة سواء في المساجد والخطب التي تُلقى فيها أو في الفايسبوك والتويتر، أو من خلال الدعاية العنيفة طائفيّاً التي كانت تبثّها قنواتٌ كبرى عربيّة لتحريض سُنّة سورية على الثورة بدعوى مذهبيّة لا وطنيّة إلى حدِّ أنَّ أحدَ الموظّفين في قناة الدنيا شبهِ الرسميّة قال علناً أمام زملائه متشجّعاً بما كان يُقال عن قرب سقوط النظام "ما كفاهن العلويّة يحكموا البلد 40 سنة" هذا الخطاب غير المسبوق لم يؤدِّ إلى طرد الموظّف ولا إلى سجنه؛ بل أخذ بعض الموظّفين في القناة المواليّة يردّدونه على مسامع أمنيّين يحرسون القناة التي تقع في وسط الغوطة على طريق المطار.

- 28 مارس 2011، انتشارٌ كثيف لقوّات الأمن المركزيّ في درعا، إذ قامت بإزالة خيم الاعتصام واللوحات والشعارات من "ساحة الكرامة" وأطلقت الغاز المُسيل للدموع لتفريق المتظاهرين.

ذلك الارتباك بين العفو الغريب إلى الشدّة الفجائيّة تسبّب بالآتي:

سقوط جدار الهيبة الذي كان يحمي السلطة السوريّة، وبدا أنَّ الرعب الذي عاشه السوريّون من أجهزة الأمن في بلادهم قد انتهى، وصار الشابُّ والرجل والمرأة يرونَ النظامَ في حيرةٍ من أمره، فلا هو يقمعُ بقسوةٍ مُطلقةٍ ولا هو يستفيدُ من تراجعه وتنازلاته التي شجّعت المتظاهرين ومن يقفون خلفهم أكثر.

- 29 مارس 2011 قدّمت الحكومة السوريّة استقالتها برئاسة (ناجي عطري) وقبلها الرئيس السوريّ في الوقت الذي شَهِدَ مسيراتٍ حاشدة مؤيّدة للرئيس الأسد في مدنٍ عدّة من البلاد.

- 30 مارس 2011 ألقى الرئيس السوريّ بشار الأسد خطاباً أمام مجلس الشعب، وكان أهم ما قال فيه تسبّب بخيبةِ أملٍ شديدةٍ لدى المعارضين الذين توقّعوا تنازلاتٍ كبيرة منه لتهدئتهم، وبدا لهم أنَّ الطريق طويلٌ جدّاً قبل إقرار الرئيس بأنَّ مصيره سيكون مثل مصير الرؤساء الذي أسقطتهم التظاهرات في تونس ومصر.

ومن المُفيد الاطّلاع على بعض ما قاله الرئيس، الذي يمكن بوضوح أنْ يفهمه القارئ العزيز، كان يرى أنَّ الأمر عبارةٌ عن مؤامرةٍ وتحريضٍ خارجيّ، وأنَّ الهدفَ تفتيتُ سورية.

ومن كلامه:

1. ربّما هناك أشياءٌ قد تظهر لاحقاً (خلف التظاهرات).. فقد قاموا بالخلط بين ثلاثة عناصر.. الفتنة والإصلاح والحاجات اليوميّة.. يعنى هناك ناس.. معظم الشعب السوريّ يدعو إلى الإصلاح. معظم الشعب السوريّ لديه حاجات لم تُلبَّ، وكنّا نختلف ونتناقش وننتقد؛ لأننا لم نلبِّ حاجات الكثير من المواطنين، ولكن الفتنة دخلت على الموضوع وبدأت تقود العاملين الآخرين وتتغطّى بهم.

ولذلك كانَ من السهل التغرير بالكثير من الأشخاص الذين خرجوا في البداية عن حسن نيّة.. لا نستطيع أنْ نقول.. كلّ من خرج متآمر.. هذا الكلام غير صحيح.. نريد أنْ نكون واقعيّين وواضحين.

2. دائماً المتآمرون هم قلّةٌ.. وهذا شيءٌ بديهي، وحتّى نحن في الدولة لم نكن نعرف الحقيقة مثل كلّ الناس.. لم نفهم ما الذي حصل.. حتّى بدأت عمليّات التخريب بالمنشآت ظهرت الأمور.. ما العلاقة بين الإصلاح والتخريب.. ما العلاقة بين الإصلاح والقتل حتى لدرجة أنَّ بعضَ الفضائيّات يقولون دائماً يفكّرون بالمؤامرة.. لا يوجد نظريّة مؤامرة.. يوجد مؤامرة في العالم.. والمؤامرة جزءٌ من الطبيعة الإنسانيّة.. في بعض الفضائيّات أعلنوا عن تخريب أماكن محدّدة عامّة قبل تخريبها بساعةٍ كاملة.. كيف عرفوا.. هل هي قراءة للمستقبل وحصلت أكثر من مرّةٍ.. فعندها بدأت الأمور تظهر.. كان من الصعب علينا في البداية مكافحة هذا الموضوع؛ لأنّ الناس ستخلط بين مكافحتنا للفتنة ومكافحتنا للإصلاح، نحن مع الإصلاح، نحن مع الحاجات، هذا واجب الدولة ولكن نحن لا يمكن أنْ نكون مع الفتنة.

3. إنَّ ما نراه الآن هو مرحلةٌ من مراحل لا نعرفها، هل هي مرحلةٌ أُولى.. هل هي مراحل متقدِّمة.. ولكن نحن يهمُّنا شيءٌ وحيدٌ؛ المرحلة الأخيرة هي أنْ تضعف سورية وتتفتّت.. هي أنْ تسقط وتُزال آخر عقبة من وجه المخطّط الإسرائيليّ.. هذا ما يهمّنا كيف تسير المخطّطات لا يهمنا ونحن نتحدّث بهذه التفاصيل؛ لأنّهم سيتابعون وسيعيدون الكرّةَ ،وكلّ تجربةٍ تُبنى على ما سبقها.. إذا فشلوا فسوف يطوّرون من هذه التجربة، وإذا نجحنا فعلينا أنْ نتوقّع أنَّ علينا أنْ ننطلق من هذه التجربة.. فإذا الحديث بالتفاصيل بالرغم من أنَّني نُصِحتُ من أكثر من شخص ألَّا أتحدّث بالتفاصيل وأنْ يكون كلاماً عامّاً؛ بل يجب أنْ أدخل بالتفاصيل كما هي العادة لنكون نتحدّث بشفافيّة.

4. بدؤوا أوّلاً بالتحريض.. بدأ التحريض قبلَ أسابيع طويلةٍ من الاضطرابات في سورية.. بدؤوا التحريضَ بالفضائيّات وبالإنترنت ولم يحقّقوا شيئاً، وانتقلوا بعدها خلال الفتنة إلى موضوع التزوير.. زوّروا المعلومات.. زوّروا الصوت.. زوروا الصورة.. زوّروا كلّ شيءٍ.. أخذوا المحور الآخر وهو المحور الطائفيّ.. المحور الطائفيّ اعتمد على التحريض وعلى رسائل تُرسل بالهواتف المحمولة رسائل قصيرة، تقول لطائفةٍ انتبهوا الطائفة الأُخرى ستهجم، ويقولون للطائفة الثانية إنَّ الطائفة الأُولى ستهجم، ولكي يُعزّزوا مصداقيّة هذا الشيء أرسلوا أشخاصاً ملثّمين يدقّون الأبواب على حارتين متجاورتين من طائفتين لا أقول مختلفتين أقول شقيقتين ليقولوا للأوّل الطائفة الثانية أصبحت بالشارع انتبه انزل إلى الشارع، وتمكّنوا من إنزال الناس إلى الشارع، قاموا بهذا العمل ولكن تمكّنا من خلال لقاء الفعاليات من درء الفتنة.. فتدخّلوا بالسلاح وبدؤوا بقتل الأشخاص عشوائيّاً لكي يكون هناك دمٌ وتصعب معادلة هذه الوسائل.

5. البنيةُ لم نكتشفها كلّها.. ظهر جزءٌ من البنية، ولكنّها بنيةٌ منظّمة.. هناك مجموعاتُ دعمٍ لها أشخاصٌ في أكثر من محافظة وفي الخارج.. هناك مجموعاتُ إعلامٍ.. هناك مجموعاتُ تزويرٍ.. وهناك مجموعاتُ شهود العيان.. هي مجموعاتٌ منظّمةٌ مسبقاً.. أنا فقط أُعطي العناوين وما يهمّنا إذا امتلكوا هيكليّة. وتابع الرئيسُ الأسد.. ابتدؤوا بمحافظة درعا.. البعضُ يقول إنَّ محافظة درعا هي محافظةٌ حدوديّة وأنا أقول لهم إذا كانت محافظة درعا هي محافظةٌ حدوديّةٌ فهي في قلب كلّ سوريّ، أمّا إذا لم تكن محافظة درعا في وسط سورية، فهي في قلب الوفاء لسورية ولكلّ السوريّين، وهذا هو تعريفها وهذا هو حاضرها.. درعا محافظةُ نسقٍ أوّل مع العدوّ الإسرائيليّ.. النسقُ الأوّل يدافعُ عن الأنساق الخلفيّة.. النسقُ الأوّل مع محافظة القنيطرة، وجزءٍ من ريف دمشق، هم يدافعون عن الأنساق الأُخرى في الخلف.. ولا يمكن لشخصٍ أنْ يكون من موقعه يُدافع عن الوطن وبنفس الوقت يتآمر على الوطن أو يضرُّ بالوطن، فهذا الكلام مستحيلٌ وغير مقبولٍ، وبالتالي أهل درعا لا يحملون أيّة مسؤوليّةٍ فيما حصل.. ولكنّهم يحملون معنا المسؤوليّة في وأدِ الفتنة.. ونحن مع درعا وكلّ المواطنين السوريّين معها.

6. بكلِّ الأحوال، الدماء التي نزفت هي دماءٌ سوريّةٌ، وكلّنا معنيّون بها؛ لأنّها دماؤنا.. فالضحايا هم أُخوتنا وأهلهم هم أهلنا.. ومن الضروريّ أنْ نبحث عن الأسباب والمسبّبين، ونحقّق ونحاسب، وإذا كان الجرحُ قد نزف فليكن ذلك من أجل وحدة أبناء الوطن، وليس من أجل تفريقهم.. من أجلِ قوّة الوطن، وليس من أجل ضعفه.. من أجل ضرب الفتنة، وليس من أجل تأجيجها.. ولنعمل بأقصى سرعة على رأب الجرح لنعيد الوئام لعائلتنا الكبيرة، ولنُبقي المحبّة الرابط القويّ الذي يجمع بين أبنائها. 

7. يبقى هناك سؤالٌ أساسي.. نحن نتحدَّث عن التحوّلات التي حصلت في المنطقة على أساس أنّها موجةٌ نسمّيها هناك موجة.. كلّما سألنا شخصاً يقول هناك موجة يجب أنْ تنحني.. طيّب، جيّد بغضِّ النظر عمّا حلّلناه بأنَّ هذه الموجة فيها أشياءٌ إيجابيّةُ هل تقودنا الموجة أمْ نقود الموجة.. عندما تدخل هذه الموجة إلى سورية أصبح الموضوعُ يعني السوريّين نحن إنْ نحدّد هذه الموجة.. إذا أتت فهي طاقةٌ، لكن هذه الطاقة يجب أنْ توجّه بحسب مصالحنا.. نحن فاعلون ولسنا منفعلين.. من هذا السؤال أنا أنتقل لما أعلناه يوم الخميس بعد اجتماع القيادة القطريّة عندما أعلنا زيادةَ رواتب، والحديث عن موضوعِ الأحزاب والطوارئ، وهذه النقاط أيضاً أحاول أنْ أُفسّر كيف نفكّر.. أنا لا أضيف أشياء جديدةً، ولكن عندما تفهمون كيف نفكّر يكون هناك تناغمٌ بيننا.. عندما يحصل أيّ شيءٍ.. نصدر أيّ قرارٍ تفهمون كيف تفكّرُ الدولة وينقصنا دائماً التواصل.. لدينا دائماً مشكلةٌ في التواصل، كثيرٌ من الأشياء لا نعرف تسويقها ونرى بأنّها أشياء أحياناً جيّدة تُفهم بشكلٍ خاطئ أو تُفهم بشكلٍ صحيح لكن في مكانٍ آخر.. 

8. أمّا إذا قُلنا إنّها حصلت تحت ضغوطِ حالةٍ معيّنة أو ضغوطٍ شعبيّة فهذا ضعفٌ وأنا أعتقد أنَّ الناس الذين يعوّدون دولتهم على أنَّ تكونَ خاضعةً للضغوط في الخارج فيعني ستخضع للضغوط في الخارج.. فالمبدأ خطأ، العلاقة بين الدولة والشعب ليست علاقة ضغوط.. لا تُبنَى على الضغوط.. تُبنى على حاجات المجتمع التي هي حقٌّ للمجتمع.. ومن واجب الدولة أنْ تستمع لهذه الحاجات وتعمل على تلبيتها.. هذه الحاجات لا تُسمى.

يمكن للقرّاء الأعزاء الاطّلاع على سلسلة الأحداث للسنة الأولى بالتفصيل في نهاية الكتاب وبعد صفحات المصادر. 

وسنداً إلى ما سبق من تعليقاتٍ على تسلسل الأحداث السوريّة يمكن الجزمُ بأنّ الثورةَ السوريّة لم تتسلّح صدفةً، ولم ينتقل مسارها من السلميّة إلى العمليّات الحربيّة كردّةٍ فعلٍ بريئةٍ من ناشطين متحمّسين، ولم تظهر التنظيمات التابعة للقاعدة ولداعش على مسرح الأحداث إثر تحوّلٍ تمّ بالصدفة. 

فكل ذاك حصل وفقاً لمخطّطٍ توقّعه الرئيس السوريّ في خطابه الأوّل، وتحدّث عنه بالتفصيل في لقاءاته مع وجهاء درعا بعد التظاهراتِ الأُولى، ومن العدلِ القولُ إنَّ كثيرين من وجهاء المناطق الثائرة بخاصّةٍ وجهاء درعا استخفّوا بالمخاطر التي تحيقُ بثورتهم أوّلاً وببلدهم ثانياً، واعتبروا أنَّ ضعف الدولة دفع الرئيس بشار الأسد إلى الحديث المفصّل معهم عن مؤامرةٍ دوليّةٍ تستهدف الشعب قبل السلطة. وقد تلقّى قادةٌ من الذين دعموا التظاهرات وقابلوا الرئيس في سلسلةِ اجتماعاتٍ جرت في القصر الجمهوريّ أسئلة من قابلهم بعد لقاءِ الرئيس فقالوا "إنّهُ لا يأبه للشعب، ويعيش في عالمٍ آخر، إذ لا شيء بالنسبة إليه يحصل سوى أنّه مؤامرةٌ دوليّة".

لا بل إنَّ محسوبين على السُّلطة سابقاً انحازوا لعشائر تظاهرت، سَخِروا من المخطّط الذي حدّثهم عنه الرئيس، واعتبروه خائفاً، لذا يعتبر "أنّ التظاهرات جزءٌ من مخطّطٍ لتفجير سورية وتفتيتها مروراً بحربٍ أهليّةٍ مدعومةٍ من الخارج". 

لهذا فمن سلّح مئة ألف مقاتلٍ غير نظاميّ ما بين أشهر حزيران 2011 وشباط 2012 لم يدعم ثورةً؛ بل خرّب بلداً كان يمكن لشعبه تبديل الحكم فيه وتعديله على الأقلّ لو بَقِيَ الحراكُ سلميّاً وغير طائفيٍّ ووطنيّ ولو كان للحراك قيادةٌ وطنيّة لها خطابٌ وطنيٌّ جامع لا طائفيّ، ولا يخون ولا يريد إبادة أحد من الفئات السوريّة.

والرقم "مئةُ ألف مقاتلٍ مسلّح" ليس من عندي؛ بل من تصريحٍ للسيّد ياسين الحاج صالح، وهو من قادةِ الحِراك السلميّ ومن المثقّفين المتحالفين مع القوى التابعة للأميركيّين، وكان يتلقّى رواتبَ من المملكة السعوديّة ويكتب في صحفها. 

إنَّ في سوريّةَ حربٌ كلّفت مئات مليارات الدولارات من الأسلحة والمعدّات والرواتب على جانبي المتقاتلين، فإذا ما عرفنا أنَّ إيران والحكومة السوريّة موّلتا الجانب الخاصّ بهما من الحرب فمن موّل المعارضين السلميّين ليتسلّحوا، وهل مَنْ تظاهرَ في الأشهر الأُولى هم من تحوّلوا إلى مقاتلين؟

ومن نقل عشرات آلاف المقاتلين الوهابيّين إلى سورية من أنحاء العالم وبخاصّةٍ من العراق وتونس والسعوديّة والشيشان وآسيا الوسطى وتركستان الشرقيّة في الصين وباكستان وأفغانستان وإيران ولبنان؟

الوقائعُ والاعترافاتُ الأميركيّةُ والقطريّة تقول إنّه "التحالف الدوليّ الذي قادته الولايات المتّحدة الأميركيّة".

وأمّا أوضح الجواب، فهو عند حمد بن جاسم وزير الخارجيّة ورئيس الحكومة الأسبق في قطر الذي اعترف في مقابلةٍ أجراها معه تلفزيون قطر الرسميّ في السادس والعشرين من أكتوبر 2017 بأنّ "دولته موّلت جبهة النصرة وحركاتٍ مسلّحةً أُخرى في سورية بناءً لطلبٍ أميركيٍّ - سعوديّ، وأنَّ الأميركيّين والأتراك والسعوديّين أداروا المعارك وسلّموا الأسلحة على الأرض عبر الحدود التركيّة للمعارضة السوريّة التي لم تكن سوى أفرع لتنظيم القاعدة على الأعم الأغلب!!".

واعترافُ الوزير القطريّ ليس الوحيد، فمسؤولون أميركيّون وكروات ولبنانيّون وأتراك تحدّثوا عن دورِ بلادهم أو عن دور أطرافٍ في بلادهم في هذا الأمر، والجميع أصبح يعرفُ أنَّ من موّل نقل مئات آلاف المنتمين إلى تنظيماتٍ إرهابيّةٍ من حول العالم إلى الأراضي السوريّة، ومن فتح الحدود لهم، ومن سهّل لهم الحصول على السلاح الأميركيّ المتطوّر، والذي شمل صواريخَ حراريّة مضادّة للدبّابات والتحصينات هي قطر أوّلاً بأمرٍ أميركيٍّ – سعوديٍّ، وتركيا فتحت حدودها بناءً لاعترافات حمد بن جاسم. (المصدر السابق).

كما أنَّ الوثائق التي نشرتها الصحافة الغربيّة وبخاصّةٍ الأوروبيّة كافيةٌ من دون اعترافات قطر لحسم اسم تلك الجهة، وإليكم التوثيق المُمنهج للتورّط الأميركيّ في الحرب السوريّة.

لا بل أكثر من ذلك، فقد نقلت جهاتٌ دبلوماسيّةٌ روسيّةٌ لكاتب هذا النصّ بعض ما دار بين محمد بن سلمان ومندوبٍ رئاسيّ روسيّ وهو رجل أعمالٍ يتولّى أحياناً مهمّاتٍ دبلوماسيّةٍ لصالح الرئيس الروسيّ، ويُدعى "قسطنطين. م" تحضيراً لزيارة الملك سلمان إلى موسكو نهاية العام 2017، إذ قال بن سلمان لضيفه الروسيّ:

"لقد كُنّا نصرف يوميّاً في السنوت الستّ الماضية مئة مليون دولار مع كلّ إشراقةِ شمسٍ ثمناً للأسلحة التي يُقاتل بها المعارضون جيشَ سورية وحلفاءَه، وذاك المال المهدور موضع فسادٍ بين أمراء تولّوا صرفه واستولوا على أجزاءٍ منه أمراءٌ وعسكريّون، لذا حان وقت وقفِ هدر الأموال السعوديّة في سورية".

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق:
* الاسم  
   البريد الالكتروني  
   العنوان  
* التعليق
* اكتب ناتج 4 + 9
 
منبر آسيا المزيد ...   ثقافة وفن المزيد ...   إقتصاد المزيد ...   رياضة المزيد ...   صحة وجمال المزيد ...  
شاهد المزيد
ألبوم الصور
خامنئي: العراق القوي مفيد جداً لإيران بالصور: هكذا أحيت بلدية القاع ذكرى "فجر الجرود" بالصور: البخاري يودع الحجاج في مطار بيروت روحاني: لا مفاوضات مع ترامب بعد تخليه عن الإتفاق النووي بالفيديو: كارثة بيئية تصيب بحيرة القرعون بالفيديو: ماقصة الاشكال في الشياح؟ اشتباكات بين عائلتي الجمل وجعفر في الهرمل الأسد: سأزور إيران قريباً مجدداً.. أهالي الموقوفين الاسلاميين يعتصمون في طرابلس بالصورة: اعتصام  لموظفي "سعودي أوجيه" في طرابلس