الجمعة 22 تشرين الثاني 2019م , الساعة 02:42 صباحاً بتوقيت بيروت

إتصل بنا أعلن معنا عن آسيا أخبار الرئيسية

آخر الأخبار :



كيف بدأت الحرب (ح4): من الثّورة السّلميّة إلى مجازر النصرة وداعش

وكالة أنباء آسيا - خضر عواركة

2018.11.20 07:08
Facebook Share
طباعة

كيف تحوّلت ثورةٌ رموزها ناشطو حقوق الإنسان وأحزاب مدنيّة وقوى داخليّة تريد تحقيق مطالب شعبيّة مُحقّة باعتراف رموز السّلطة إلى حربٍ فوضويّةٍ عارمة، ومن ثمّ إلى حربٍ عالميّة لكلّ دولةٍ عُظمى فيها وكلاء؟ 

وكيف تحوّل الحكم السوريّ المتّفق حتى بين رجاله بأنّه حكمٌ فرديٌّ يعتمد القبضة الأمنيّة مع معارضيه إلى منقذٍ من الفوضى والإرهاب في عيون أغلب من وقفوا على الحياد وكانوا على استعدادٍ لمساندة عمليّة إسقاطٍ للسّلطة بطرقٍ سلميّة؟ 

وكيف تحوّل حكمٌ يخشاهُ معارضيه إلى ملجأ للهاربين من مناطق المعارضين، إذ ترك سورية إلى الخارج ملايين يُقال إنّها بين خمسة وسبعة ملايين لاجئ، في حين هرب من مناطق المعارضين إلى مناطق السّلطة عشرة ملايين سوريٍّ في أكبر موجةِ نزوحٍ عالميّة ما بعد الحرب العالميّة الثانية، والمفارقة أنّ المعارضة التي شنّت حملةَ تحريضٍ طائفيّة بين السّنة، بزعم أنّ قتل العلويّين وإبادتهم يحمي أهل السّنّة، تسبّبت بعمليّاتها المسلّحة في المدن والبلدات الآهلة بنزوح ملايين السّنة من مناطقهم إلى حيث الكثافة العلويّة، فعاش الطرفان (النازحون السّنة والعلويّون) في مناطق اللاذقيّة وطرطوس وأريافهما أفضل ممّا يمكن أنْ يحلم به الحكم السوريّ، إذ تعايش الطرفان بشكلٍ ودّيّ وتوحّدا خلف السلطة!

وصار نظام الرئيس بشار الأسد، لا يدافع عن سياساته الداخليّة بحقّ معارضيه والناشطين السياسيّين حتى أقرب حلفائه، منقذاً ورئيسه محرّراً في نظر الموالين له، وهم أغلبيّةٌ تزيد عن النصف زائد واحد من السوريّين المقيمين في الداخل بحسب الموالين وبحسب بعض الجهات الدوليّة المحايدة؟ 

وتحولت الثورة السلميّة المفترضة إلى حربٍ بين تحالفاتٍ دوليّة ضدّ الإرهاب، وقاسمها المشترك الحفاظُ على السّلطة السورية الحاليّة.

فكيف وصلنا إلى هذه النتيجة؟

ظهرت فاعليّة التنظيمات المسلّحة في سورية قبل الثورة، وكانت أُولى الإرهاصات العلنيّة هو ما كشفه الأمن السوريّ عن خليّةٍ تُدعى "خليّة مسجد زيد" التي كانت تملك مركزاً للتدريب في منطقة يعفور، هو عبارة عن مزرعةٍ مُسيّجة كونها ملكيّة خاصّة.

كان ذلك في العام 2009.

والمُلفت أنّ تلك المجموعة التي دخلت السجن ولم يعترف أفرادها على زعيمهم "عماد الدين. ر" رغم التعذيب، تنتمي لجهة يُفترض أنّ القاعدة تُعاديها لكن لُوحِظ بعد الثورة في صيف العام 2011 أنّهم يتعاونون مع رجال تنظيم القاعدة وتدرّبوا في معسكرٍ واحد في أعالي فليطة وفي معسكرٍ آخرَ في جرود عرسال كان يُخرِّج شهريّاً 50 مقاتلاً محترفاً في حينه.

بدأت التظاهرات في درعا لأجل كرامة شيوخ القبائل التي قِيلَ إنَّ ضابطاً أهانهم ثمّ خرجت تظاهرتُ حمص فزعةً لدرعا، ثمَّ قام أهالي دوما بتنظيم تظاهراتٍ نصرةً لدرعا أيضاً، وكان المنظّمون الأوائل من تنظيم ناصري يقوده حسن عبد العظيم قبل أنْ يبرز فريقٌ سلفيٌّ حلق ذقون أفراده، وشارك في التظاهرات، ثمّ قادها وزعيمهم في دوما في حينه كان المدعو خالد طفور قبلَ أنْ يستولي على الثورة فيها لواءُ الإسلام وزعيمه زهران علوش.

مع بداية التظاهرات أرسل تنظيم الدولة في العراق كلّاً من الجولاني والعراقي ميسم الجبوري لقيادة عملٍ مسلّح، وكان ذاك في بداية نيسان 2011، وتولّى الجبوري الإمارة الشرعيّة، والجولاني الإمارة العسكريّة، وكان لهؤلاء أركانٌ في سورية من بينهم يوسف الهجر وهو طالبٌ بكليّة الطبِّ في دمشق، ومطيع البطين في درعا، وحاولت النصرةُ الاستيلاء على التنظيم المخابراتيّ للإخوان المسلمين عبر استيعاب كوادره التي تُوالي "عماد الدين. ر" وبرزَ من بين هؤلاء عصام عبد المولى طالب الدراسات العليا، لكن تصدّي القيادات العليا للإخوان ثبّت وضعيّة كوادرهم ولم ينجرّوا للتعاطف مع تنظيم القاعدة في بلاد الشام الذي كان متّهماً بتفجيراتٍ سبق وحصلت، وبالتالي كسب شعبيّة بين الحركيّين الإسلاميين بمن فيهم كوادر الإخوان وتصدّى للقاعدة قياديّون إخوانيّون من أمثال الشيخ عدنان السقا الذي كان نفوذه يخوّله ليكون مرشدَ الإخوان في حمص رغم إقامته الطويلة في السعوديّة، وكذلك ياسين النجار القيادي الإخوانيّ في حلب، وهؤلاء قياداتٌ لا تعترف بأنّها قيادات، وتتعاطى مع الشأن العام على قاعدة أنّ "اسم الإخوان في سورية نسبة" ويخشى الناس من النحس الذي يجلبه الاسم إلى الحركيّين، لذا يختارُ الإخوانيّون أسماء واجهاتٍ وأحزاباً تُغطّي انتماءَهم إلى التنظيم الأم. 

وبينما كان الحالمون بوطنٍ ديمقراطيٍّ يقومون عن حماسةٍ حقيقيّة بالتظاهر لأجل مطالبهم المُحقّة، كانت جماعاتٌ مسلّحةٌ تدخل إلى سورية مع أموالٍ طائلةٍ لتجنّد أكثر من 65 ألف هاربٍ من أحكامٍ جرميّةٍ وأغلبهم من المهرّبين المطلوبين. فنشأت الكتائب الأُولى سرّاً قبل نهاية نيسان 2011، في حين كانت قنوات اتّصال أميركيّة كرديّة عراقيّة تنشط مع السوريّين من أصول كرديّة لتحقيق مشروع "بنغازي سورية في مناطق يقطنها الأكراد في سورية". 

في البوكمال لم يكن هناك حاجةٌ لثورةٍ، فتلك المدينة كانت منذ غزو العراق مرتعاً لقيادات القاعدة العراقيّة، وتحوّلت لقاعدة انطلاقٍ لنشاط القوى التكفيريّة في سورية، وكانت فعلاً عاصمةً لتنظيم القاعدة بفرعيه الأمّ والعراقي. وأما في دير الزور فقد شُيّدت معسكرات التدريب القاعديّة مستفيدين من تعاون بعض العشائر بترتيبٍ سعوديٍّ، حيث للسعوديّة نفوذٌ كبير هناك.

كانت الثورة تذهب في مسارين قبل أنْ تبدأ، مسارٌ سلميٌّ في التظاهرات، ومسارٌ حربيّ لم يكن ينتظر قمع السلطة لحمل السلاح. 

كانت بعض جهات السلطة تمتلكُ معطياتٍ مفصّلة عن التحضيرات المسلّحة بدعمٍ دوليٍّ وإقليمي، لكن كان هناك من يحبط مساعيها ويضرب مصداقيتها لدى القادة الكبار، ما يعكس وجود اختراقاتٍ في مستوياتٍ عُليا من السّلطة.

على سبيل المثال ظهرت منذ الأسابيع الأُولى حراساتٌ ليليّة في مناطق التظاهرات لمسلّحين يقودهم مجرمون معروفون كانوا فارّين من وجه العدالة فصاروا رموزَ الثورة المسلّحة قبل أنْ تتسلّح الثورة، ومن هؤلاء: "أسامة خ" في القابون و"أبو أحمد الديري" في حي تشرين الدمشقي، و"ياسين خ" الشهير بلقبه "البلوة" في القابون، و"زياد الب" في حي التضامن بدمشق، وكان مؤسّساً لأكبر مجموعة مسلّحين في الحيّ قبل أنْ تنطلقَ حتّى التظاهرات، و"مصطفى أبو ج" في حي التضامن و"علي ش" وكذلك "أسد ح" في رنكوس، وهو تعاون مع النقيب المنشقّ "فراس البيطار" في مرحلةٍ لاحقة، و"أبو عمر شلة" في حرستا، وبرزَ كلُّ هؤلاء بين أترابهم من الملاحقين كقادةٍ؛ لأنّهم كانوا يَعدون العناصر الفارّة من العدالة بالسلاح والمال وبالسيطرة على مناطقهم على وعد إسقاط النظام، وكان كلُّ من سبق ذكرهم يتحرّكون بناءً على تكليفٍ من متّصلين بهم من أقاربهم أو معارفهم في الخارج، ودعوتهم إيّاهم للانتساب لنشاط الثورة حتى إسقاط النظام، وأنَّ عليهم تأسيس مجموعاتٍ تحمي أحياءَهم من الفوضى التي قد يولّدها إسقاط النظام، وأمّا المال والسلاح فقد كان يصلهم عبر خطوط نقلٍ من تركيا ولبنان والأردن وكردستان العراق، وبرز من المموّلين "هيثم اللــ"، وهو ممّن كانوا ينسّقون مع جهاتٍ داعمةٍ في لبنان. ومن الأسماء التي دعت لحمل السلاح بشكلٍ مُبكر من سجنه "قيس شكور" و"يحيى جوعانة" في القابون، والأخير قُتِل لاحقاً، و"نوري النفاخ" المعروف بأبو خالد في القابون، وكان له مجموعته الخاصّة وقُتِل أيضاً.

فيما يلي تسلسل الأحداث التي أدت إلى سيطرة تنظيمات قاعديّة إرهابيّة على مناطق شاسعة من سورية بعدما ابتلع السلاح أولاً الثورة السلميّة المفترضة، ثم ابتلعت التنظيمات القاعديّة المسلّحين الثوريّين وتنظيماتهم قبل نهاية صيف العام 2012. 

1- بدأت الثورة السّلميّة أوّلاً كما يأتي:

بدأت في العام 2011 محاولاتٌ خجولةٌ لتأسيس عملٍ ثوريٍّ سياسيّ، وقد كان أقربَ إلى التخبّط والفشل، إذ اجتمع عددٌ ممّن صنّفوا أنفسَهم معارضين سياسيّين في أنطاليا في بداية شهر الثورة الرابع (المؤتمر السوريّ للتغيير، حزيران2011م) وفي وقتٍ قريب منه عُقِد مؤتمرٌ آخر في بروكسل، ثمَّ عُقد مؤتمر إسطنبول في الشهر التالي (مؤتمر الإنقاذ الوطنيّ السوريّ، تموز2011)، وفي وقتٍ لاحقٍ تمّ الإعلان عن تأسيس المجلس الوطنيّ السوريّ (تشرين الأول2011) الذي بَقِيَ الجامعَ الرئيس لشتات المعارضة السياسيّة لأكثر من عام، حتّى تأسيس الائتلاف الوطنيّ لقوى الثورة والمعارضة في أواخر السنة التالية.

- في 31 يناير 2011م، أكّد الرئيس بشار الأسد عدم انتقال أحداث مصر وتونس إلى سورية بعد ظهور دعواتٍ عبر بعض المواقع الاجتماعيّة إلى إجراء احتجاجاتٍ جماهيريّة في سورية والنزول إلى الشوارع، في 15 مارس 2011 تظاهر العشرات من المواطنين السوريّين في سوق الحميديّة المجاور للجامع الأمويّ في قلب العاصمة دمشق منادين بالحريّة، وسعت عناصرُ الأمن إلى تفريق المتظاهرين سلميّاً، كما وصلت حافلاتٌ عدّة حاملةً أعداداً كبيرة من الشبّان قاموا بتشكيل مظاهرةٍ مؤيّدةٍ للرئيس.

- وفي 16 مارس 2011م شَهِدت العاصمة السوريّة دمشق تظاهرةً أمام وزارة الداخليّة مطالبة بالحريّة والديمقراطيّة وإجراء إصلاحات سياسيّة، والإفراج عن المعتقلين السياسيّين، وانتهت بشكلٍ سريعٍ بعد تفريق قوّات الأمن لها، ممّا تسبّب في إصابة شخصٍ واعتقال 5 آخرين، وفي 18 مارس 2001 خرج المئاتُ من المحتجّين في درعا بعد صلاة الجمعة في مظاهراتٍ مردّدين شعاراتٍ تتّهم أسرة الرئيس بشار الأسد وأقاربه بالفساد، وتباينت الأنباء في أنَّ قوّات الأمن السوريّة قتلت مابين 2-4 أشخاص، إذ تمّ تعزيز منطقة درعا بالمزيد من قوّات الأمن على متن مروحيّات، وندّدت أمريكا بشدّة بأعمال العنف ضدّ المتظاهرين، كما حثَّ السكرتير العام للأُمم المتّحدة بان كي مون السلطات السوريّة على الإنصات لطموحات الشعب المشروعة والابتعاد عن استخدام العنف.

- في 19 مارس 2011م أعلنت السلطات السوريّة عن تشكيل لجنةٍ في وزارة الداخليّة للتحقيق في أحداث محافظة درعا التي راح ضحيّتها 4 قتلى، في حين دعا آلاف المعزّين إلى الثورة خلال تشييع جنازة اثنين قتلتهم قوّات الأمن السوريّة، ممّا اضطرَّ قوّات الأمن إلى إطلاق الغاز المسيل للدموع لتفريق الحشود، وقد أصدر الرئيس الأسد مرسوماً تشريعياً يقضي بخفض مدّة الخدمة العسكريّة الإلزاميّة 3 أشهر.

- في 20 مارس 2011م، قامت مجموعةٌ من عناصر "التنظيم" وهو تشكيلٌ مسلّحٌ جاء معظم أفراده من الأردن في بداية الأحداث وأقاموا في مخيّمٍ للفلسطيّنيين في درعا، وكانوا على اتّصالٍ بالمخابرات الأردنيّة وبالشيخ "الصياصنة" وهؤلاء نفّذوا الاعتداء على المشافي في درعا، وقاموا بإحراق ممتلكاتٍ عامّة وخاصّة، وإطلاق النار على عناصر الشرطة، وقامت قوّات الأمن بإطلاق الرصاص الحي والقنابل المُسيلة للدموع على المتظاهرين، ممّا أسفر عن إصابة أكثر من 100 وسقوط قتيلٍ واحد، وأقال الرئيس السوريّ محافظ درعا (فيصل كلثوم) استجابةً لمطالب مواطني المحافظة نظراً لارتكابه أخطاء قاتلةً في التعامل مع الاحتجاجات التي تشهدها المحافظة.

- وفي 21 مارس 2011م خرج الآلاف من سكّان درعا إلى الشوارع مُجدّداً للمطالبة بإنهاء حالة الطوارئ المستمرّة في البلاد منذ 48 عاماً، وانتشرت قوّات الجيش السوريّ، وأقامت نقاط تفتيش عند مداخل درعا وسُجِّلت حالة وفاة، وامتدّت المظاهرات إلى بلدة جاسم ومدينة انخل جنوب سورية.

من الملاحظ أنَّ المطالبات الشعبيّة في البداية كانت مقتصرةً على إقالة المحافظ ومعاقبة ضابط الأمن السياسيّ المتّهم بتعذيب أطفال (ثبت لاحقاً أنَّ الموضوع الخاصّ بهم ليس سوى مبالغاتٍ مقصودةٍ من الإعلام العربيّ ومن تنسيقياتٍ أوتوبوريّة بهدف استثارة العشائر، وذلك بحسب ما قاله المستشار الخاصّ لأمير قطر الحاليّ عزمي بشارة في كتابه عن سورية (لطفاً مراجعة المصادر في آخر الكتاب) وقد تطوّرت المطالباتُ كلّما تراجعت السلطة وحقّقت لمندوبيهم من الوجه