الخميس 13 كانون الأول 2018م , الساعة 10:39 صباحاً بتوقيت بيروت

إتصل بنا أعلن معنا عن آسيا أخبار الرئيسية

آخر الأخبار :



أصل الوهّابية

خاص _ آسيا

2018.11.15 06:16
Facebook Share
طباعة

 لغطت ألسنُ الناس في هذه الأيام بأصلِ الوهَّابية وتاريخهم ومعتقداتهم، وتناقضت الروايات، وكثرت التخرُّصات، والقوم بين مُفْرِط في التشيُّع لهم، ومُفرِّط في التشنيع عليهم، وودَّ الكثير لو كان في الأيدي ما يستند عليه، لاستقراء الحقيقة، واستجلاء الغامض من هذا السر.

وما دعا إلى ذلك إلّا اختلاط المتمسكين بذاك المذهب مع أهل الأمصار كالقطر العراقي المصري والشامي وغيرهما من الأقاليم، يتَّجِرون بنتائج بلادهم من سمنٍ، وحنطة، وأباعر، وشِياه، وأوبار، وجلود تجارة، رائدها الصدق في التعامل مع الكافة، مما ضاعف الثقة بهم على تطاوُل الأيام.

ولأنَّ أميرهم الحالي كالخالي أخذَ يُحسِّن صلاته مع الدولة العلية العثمانية، فيُنْفِذ كلّ عام إلى الأستانة وفداً من قبله، يصحبه بعشرات من جياد الخيول العربية المطهَّمة هدية منه إلى الإصطبل السلطاني، ورسائل لتكون دلائل على إخلاصه وصداقته، فينال رجاله كل رعاية وتَجِلَّه، وتنهال عليهم وعلى مولاهم أنواع الأوسمة وعلائم الشرف كما تنثال الخِلَع والطّرَف.

ولما كان من شأن "المقتطف" أنْ يبحث في كلّ جليل وقليل من أحوال العلم والعالم، وقد سبق له أن تعرّض لذكر كثير من المذاهب خصوصاً ما ينشأ منها في المشرق؛ رأيتُ أن أخدمه بنبذة في تاريخ الوهابية، فأقبلتُ على التواريخ الحديثة أنشدُ فيها ضالتي، فلم أعثر على بيانٍ يشفي الغُلّة، ويدرأ الشبهة، جرى فيه كاتبُه على قدَم الصدق وتمحيص الحقّ، وأسنَد الأشياء إلى أدلّتها.

ولما ضاقَ المضطرب وعزَّ المطَّلب عمدتُ إلى انتقاء نتفٍ من كتبٍ شتّى، ولفّقتُ بينها على كثرة التناقض فيها، ونواصي الأمل معقودةً بأن يأخذ المطالع منها حصّةً تكون أقرب إلى الحقيقة إذا استعمل الفكرة.

وبعد، فإنّي لا أتوخّى في هذه العجالة الإلمام بعقائد تلك الطائفة لتأتي صبرةً واحدة، فإنَّ كتبهم المطبوعة أكثرها في بلاد الهند تتكفّل بذلك لمن يروم الاستيفاء، ولا أن أصف بلادَهم وأحوالَهم وصفَ مدّاحٍ متجامل، أو قدّاح متحامل؛ بل غاية ما أتطالُّ إليه ذكر طرف من أخبارهم مشفوعةً بصحّة النقل والناقل، لا تَبِعة تلحقه إذا خلصت منه النية.

قال عبد الرحمن الجبرتي المصري في تاريخه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" عند حوادث سنة 1218 هجريّة ما نصّه: "وحضر صحبة الحجّاج كثير من أهل مكّة هروباً من الوهابي، ولغط الناس في خبره واختلفوا فيه، فمنهم من يجعله خارجيّاً وكافراً، وهم المكِّيّون ومن تابعهم وصدّق أقوالهم.

ومنهم مَن يقول بخلاف ذلك؛ لخلو غرضه، وأرسل إليّ شيخ الرَّكْب المغربي كتاباً، ومعه أوراق تتضمّن دعوته وعقيدته وصورتها: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وبه نستعين، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، مَن يهدِ الله فلا مُضلَّ له، ومَن يُضلل فلا هادي له، ونشهد أنَّ لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ونشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، مَن يطع الله ورسوله فقد رَشَد، ومَن يعصِ الله ورسوله فقد غَوى، ولا يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئاً.

وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً.

أمّا بعد، فقد قال الله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]، وقال الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31]، وقال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]، وقال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً} [المائدة: 3].

فأخبر سبحانه أنّه أكمَل الدين، وأتمّه على لسان رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأمرنا بلزوم ما أُنزل إلينا من ربنا، وترك البدع، والتفرّق والاختلاف.

وقال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3]، وقال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153].

والرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أخبرنا بأن أُمته تأخذ مأخذ القرون قبلها شِبْراً بشِبر وَذِرَاعاً بِذِرَاعٍ، وثبت في "الصحيحين" وغيرهما عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنه قال: «لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حذو القذة بالقذة، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لدخلتموه»، قالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟».

وأخبر في الحديث الآخر: «أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النّار إلا واحدة»، قالوا: مَن هي يا رسول الله؟ قال: «مَن كان على مثل ما أنا عليه اليوم، وأصحابي».

إذا عُرف هذا فمعلوم ما قد عمّت به البلوى من حوادث الأمور التي أعظمها الإشراك بالله والتوجه إلى الموتى وسؤالهم النصر على الأعداء، وقضاء الحاجات، وتفريج الكُربات التي لا يقدر عليها إلا رب الأرض والسماوات، وكذلك التقرب إليهم بالنذور وذبح القربات، والاستغاثة بهم في كشف الشدائد، وجلب الفوائد، إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله.

وصرفُ شيءٍ من أنواع العبادة لغير الله كصرفِ جميعها؛ لأنه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أغنى الأغنياء عن الشرك، ولا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً كما قال تعالى: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 2، 3].

فأخبرَ سبحانه أنّه لا يرضى من الدين إلّا ما كان خالصاً لوجهه، وأخبر أنَّ المشركين يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين؛ ليقرّبوهم إلى الله زُلفى، ويشفعوا لهم عنده، وأخبرَ أنّه لا يهدي مَن هو كاذب كفار.

وقال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18].

فأخبرَ أنه مَن جعل بينه وبين الله وسائط يسألهم الشفاعة فقد عبدهم، وأشرك بهم؛ وذلك أن الشفاعة كلها لله كما قال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255]، وقال تعالى: {يَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ} [الروم: 57]، وقال تعالى: {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا} [طه: 109].

وهو سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لا يرضى إلا التوحيد كما قال تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُون} [الأنبياء: 28].

فالشفاعةُ حقٌّ ولا تُطلب في دار الدنيا إلا من الله كما قال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً} [الجن: 18]، وقال تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ} [يونس: 106].

فإذا كان الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو سيدُ الشفعاء، وصاحب المقام المحمود، وآدم فمَن دونه تحت لوائه، لا يشفع إلا بإذن الله، لا يشفع ابتداءً بل يأتي فيخرّ لله ساجداً، فيحمده بمحامدَ يعلّمه إياها، ثم يُقال: ارفع رأسك، وسل تُعط، واشفع تُشفَّع، ثم يحدُّ له حداً فيدخلهم الجنة، فكيف بغيره من الأنبياء والأولياء؟

وهذا الذي ذكرناه لا يخالف فيه أحدٌ من علماء المسلمين؛ بل قد أجمع عليه السلف الصالح من الأصحاب والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم ممن سلك سبيلهم، ودرجَ على منهاجهم.

وأمّا ما حدث من سؤال الأنبياء والأولياء من الشفاعة بعد موتهم وتعظيم قبورهم، ببناء القباب عليها، وإسراجها، والصلاة عندها، واتّخاذها أعياداً، وجعل السدنة والنذور لها، فكل ذلك من حوادث الأمور التي أخبرَ بها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّته، وحذَّر منها كما في الحديث عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى يلحقَ حيٌّ من أُمَّتى بالمشركين، وحتى تعبد فئامٌ من أُمَّتي الأوثانَ». وهو صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حمى جنابَ التوحيد أعظم حماية، وسدَّ كلّ طريقٍ يؤدّي إلى الشرك.

فنهى أنْ يُجصص القبر، وأنْ يُبنى عليه كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر، وثبتَ فيه أيضاً أنّه بعث عليَّ بن أبي طالب رَضِي اللَّهُ عَنْه وأمره أن لا يدع قبراً مشرفاً إلا سواه، ولا تمثالاً إلا طمسه.

ولهذا قال غيرُ واحدٍ من العلماء: يجب هدمُ القباب المبنية على القبور؛ لأنها أُسست على معصية الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

فهذا هو الذي أوجب الاختلاف بيننا وبين الناس حتى آل بهم الأمر إلى أن كفّرونا وقاتلونا واستحلوا دماءنا وأموالنا، حتى نصرَنا اللهُ عليهم وظفرنا بهم، وهو الذي ندعو الناس إليه، ونقاتلهم عليه، بعد ما نقيم عليهم الحجة من كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإجماع السلف الصالح من الأُمّة، ممتثلين لقوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39].

فمَن لم يجب الدعوة بالحجة والبيان قاتلناه بالسيف والسِّنان، كما قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد: 25].

وندعو الناس إلى إقامة الصلوات في الجماعات على الوجه المشروع، وإيتاء الزكاة وصيام شهر رمضان، وحج بيت الله الحرام.

ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر كما قال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41].

فهذا هو الذي نعتقده وندين الله به، فمَن عمل بذلك فهو أخونا المسلم له ما لنا وعليه ما علينا، ونعتقد أيضاً أنَّ أُمَّة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المتّبعين للسنة لا تجتمع على ضلالةٍ، وأنه ما تزال طائفةُ من أُمَّته على الحق منصورةً لا يضرهم مَن خذلهم، ولا مَن خالفهم حتى يأتي أمرُ الله وهم على ذلك). 

قال الجبرتي بعد إيراد ما تقدم: "أقول: إنَّ كان كذلك، فهذا ما ندين الله به نحن أيضاً، وهو خلاصة لباب التوحيد، وما علينا من المارقين والمتعصبين".

وقد بسطَ الكلام في ذلك ابنُ القيّم في كتابه "إغاثة اللهفان"، والحافظ المقريزي في "تجريد التوحيد"، والإمام اليَوْسي في "شرح الكبرى"، و"شرح الحكم لابن عباد"، وكتاب "جمع الفضائل وقمع الرذائل"، وكتاب "مصائد الشيطان"، وغير ذلك.

وجاء في "تاريخ بغداد" لعثمان بن سَنَد البصري عند الكلام على الوهابيّة ما يأتي: "فمن اعتقادهم تكفير عموم المسلمين الذين على الكرة الأرضيّة إلّا مَن اعتقد اعتقادهم، وسمّوا أنفسهم بالسلف، وبالمحمديين، ويبغضون ويلعنون جملة من علماء السنة مثل أبي الحسن الأشعري، ويقولون: إنّهم هم الذين أسسوا قواعد الأدلة والبراهين في علم التوحيد، ومنه نشأت الفِرَق والخلاف بين الأمة المحمدية، وإلا فقبله كانت الأدلة هي القرآن والحديث لا غير.

وأيضاً يكفِّرون الإمام ابن السبكي الشافعي، ولكن ما أعلم السبب في تكفيره دون سائر المصريين. ويا ليت شعري ما ذنبه معهم، وأظنه لكونه كان يغري الملوك بابن تيمية وجماعته الحنابلة، حتى حبسهم الناصر محمد بن قلاوون في الإسكندرية، كما هو مذكور في الدرر الكامنة لابن حجرٍ.

والحاصل: إنَّ الوهابيّين آذوا الأحياء والأموات، ومن محاسن الوهابيّين أنّهم أماتوا البدع ومحوها، ومن محاسنهم أنّهم أمَّنوا البلاد التي ملكوها، وصار كلَّ ما كان تحت حكمهم من هذا البراري والقفار يسلكها الرجل وحده على حمارٍ، بلا خفر، بخاصّةٍ بين الحرمين الشريفين، ومنعوا غزو الأعراب بعضهم على بعض، وصار جميع العرب على اختلاف قبائلهم من حضرموت إلى الشام كأنهم إخوان أولاد رجل واحد، وهذا بسبب قسوتهم في تأديب القاتل والسارق والناهب إلى أنْ عُدِم هذا الشرّ في زمان ابن سعود، وانتقلت أخلاق العرب من التوحّش إلى الإنسانيّة.

ونجد في بعض الأراضي المخصبة هذا بيت عَنَزِي وبجنبه بيت عُتبي، وبقربه بيت حربي، وكلهم يرتعون كأنهم إخوان.

وبهاتين الدسيستين خدعوا جميع العوام، يعني بمحو البدعة وتأمين الطرقات والسبل خصوصاً بين الحرمين، وأحبهم سائر الأمم، وغفلوا عن باقي عقائدهم.

ورأيتُ لهم عقيدة منظومة يحفظها حتى رعاة غنمهم، ومنها:

وما الدين إلا أن تُقام شعائر = وتَأْمَن سُبْل بيننا وشعابُ.

فكأنهم جعلوا تأمين الطرقات ركناً من أركان الدين. ويفهم عقلاً من سياستهم: أنه إذا فُقِدَ القاتل والسارق والناهب، فأيّ سببٍ يمنع عموم الناس من الاشتغال بالزراعة والتجارة واعتناء المواشي في البادية المخصبة للتكسب من ألبانها وأصوافها وجلودها، وإذا اشتغلوا بالكسب الحلال فلا يسرقون ولا ينهبون ولا يقتلون، فكأن المسألة شبيهة بالدورية؛ أي أنه متى وُجد الأمان ارتفع السارق والقاتل لاشتغالهم بمعاشهم الحلال، ومتى اشتغلوا بالمعاش الحلال وُجد الأمان، ولكن هذا الدور منفك الجهة.

ولولا ما في الوهابيين من هذه النزعة -أعني تكفير مَن عداهم- لملكوا جميع بلاد الإسلام، وأدخلوهم تحت حكمهم بطَوْعهم واختيارهم، ولكن بسبب هذه النزعة أبغضَتْهم الأمم وتسلطت عليهم الدول، وغزاهم أسد الديار المصرية إبراهيم باشا بن محمد علي باشا بأمر السلطان محمود سنة 1228، وملكَ بلادهم، ومحا آثارهم، وأبادهم، وأسكن عائلة المقرن؛ أي بيت الملك وعائلة ابن عبد الوهاب الديار المصرية (وما رجعوا إلى بلادهم إلا بعد أن عادَ الحجاز إلى الدولة العلية).

وهذه الفرقة المعبَّر عنها بالوهابيّين هم أتباع محمد بن عبد الوهاب النجدي، ولكنّهم في الحقيقة يسمون أهل الحديث؛ لأنّه كان نظيرهم موجوداً في زمن الدولة العباسية وينكرون المناكير بالشدة والغلظة مثل: الوهابيين ويثورون على الخلفاء بسبب أن الجهاد في اعتقادهم ركن من أركان الدين. "انظر: تاريخ النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة" من سنة 300هجرية-.

وكانوا يسمّونهم الحنابلة وأهل الحديث في ذلك الزمن ويقولون قام الحنابلة وثار الحنابلة، وكسر الحنابلة حانات الخمور وأدّبوا من شربها، وكان بينهم وبين العباسيين مقاتلات وحروب.

ثمَّ ثارت منهم فرق بالمشرق وبجزيرة الأندلس، ويسمّون الظاهريّة وهم أيضاً أهل الحديث وكانوا ينكرون المناكير مع الغلظة ويثورون على الملوك وأكثرهم يموت بين قتيل وطريد.

ثمَّ إنّه ظهر لهم فرق في دولة يوسف صلاح الدين وكانوا يسمّون أهل الحديث ولهم ثورات وعداوات مع الملوك أيضاً وينكرون المنكر بغلظة وفظاظة وتسلسلوا إلى زمن ابن تيمية الحراني، وتلاميذه: ابن مفلح، وابن القيّم وابن عبد الهادي.

ثمّ ظهرت هذه الفرقة التي عمّت وطمّت في القرن الثاني عشر ويسمون بالوهابيين نسبةً إلى محمد بن عبد الوهاب النجدي، وإلّا ففي الحقيقة أفعالهم وآثارهم هي: أفعال الحنابلة الأقدمين، وهي: أفعال أهل الحديث في القرون المتوسّطة، وأفعال الظاهريّة، فالمعنى واحد، إنّما يسمُّون في كلّ عصرٍ باسمٍ على اصطلاح أهل ذلك العصر.

أمّا ناظم عقد هذه الجماعة وصاحب دعوتها محمد بن عبد الوهاب النجدي الآنف ذكره فقد ورد في كتاب "تبصرة الناقد" لأبي الفتح عبد النصير الهندي، ثمّ المدني، نقلاً عن محمد بن ناصر الحازمي في رسالة "فتح المنان في ترجيح الراجح، وتزييف الزائف من صلح الإخوان": إنّه محمد بن الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن يزيد بن محمد بن يزيد بن مشرف.

هذا هو المعروف من نسبه ويذكر أنه من مُضر ثم من بني تميم، والله به عليم.

أخذ عن أبيه، وهم بيت فقه حنابلة، ثم حجّ وقصد المدينة، ولقي بها شيخاً عالماً من أهل نجد، اسمه: عبد الله بن إبراهيم قد لَقِي أبا المواهب البعليّ الدمشقي وأخذ عنه وانتقل مع أبيه إلى حريملا من نجد أيضاً، ولمّا مات أبوه رجع إلى العيينة، وأراد نشر الدعوة فرضي أهل العيينة بذلك، ثمّ خرج عنها؛ بسبب إلى الدرعية، وأطاعه أميرها محمد بن سعود من آل مقرن، ويُذكر: أنهم من بني حنيفة ثم من ربيعة، والله أعلم.

وهذا في حدود سنة تسع وخمسين بعد المائة والألف، وانتشرت دعوته في نجد وشرق بلاد العرب إلى عمان ولم يخرج عنها إلى الحجاز واليمن إلا في حدود المائتين والألف وتوفي سنة ستٍّ بعد المائتين والألف. انتهى.

وقال أيضاً: هو رجلٌ عالمٌ متبع الغالب عليه في نفسه الاتباع ورسائله معروفة وفيها المقبول والمردود وأشهر ما ينكر عليه خصلتان كبيرتان:

الأولى: تكفير أهل الأرض بمجرد تلفيقات لا دليل عليها.

والثانية: الاجتراء على سفك الدم المعصوم بلا حُجّةٍ وإقامة برهان، ويتبع هذه جزئيات وهي حقيرة تغتفر مع صلاح الأصل وصحته، والله أعلم.

وقد بنى الشيخ محمد المذكور طريقته على اتباع ابن تيمية وابن القيّم في زعمه، وأخذ من أقوالهما أطرافاً بحسب ما وقع له من الاطلاع والإشراف، وقد أصاب في بعض ما نقله، وأخطأ في البعض، وساء فهماً، وأخذ على غير القصد في بعضٍ، وقد أحيت دعوته بعضاً من الشريعة، وأماتت كثيراً من الباطل في نجد والحجاز -رَحِمَهُ اللهُ وتجاوز عنه فيما أخطأ فيه، وجزاه أحسن ما عمل به. انتهى ملخصاً.

وكتب العلّامة الشوكاني اليماني في "البدر الطالع" في ترجمة سعود بن العزيز ما نصّه: «فوصل إليه الشيخ العلامة محمد بن عبد الوهاب الداعي إلى التوحيد المنكر على المعتقدين في الأموات».

وقال أيضاً في ترجمة غالب بن ساعد، شريف مكة، في بيان اتباع صاحب نجد: «وتبلغنا عَنهُ أَخْبَارٌ، الله أعلم بِصِحَّتِهَا من ذَلِك؛ أَنه يسْتَحلّ دم مَن اسْتَغَاثَ بِغَيْر الله من نبي أَو ولي وَغير ذَلِك، وَلَا ريب أَنَّ ذَلِك إِذا كَانَ عَن اعْتِقَاد تَأْثِير المستغاث كتأثير الله يصير بِهِ صَاحبه مُرْتَداً كَمَا يَقع من كثير من هَؤُلَاءِ المعتقدين للأموات الَّذين يَسْأَلُونَهُمْ قَضَاء حوائجهم ويعوِّلون عَلَيْهِ زِيَادَة على تعويلهم على الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَلَا ينادون الله جَلَّ وَعَلَا إِلَّا مقترناً بِأَسْمَائِهِمْ ويخصُّونهم بالنداء منفردين عَن الرَّب، فَهَذَا كُفْر لَا شكّ فِيهِ وَلَا شُبْهَة وَصَاحبه إِذا لم يتب كان حلال الدَّم والمال كَسَائِر الْمُرْتَدين».

وقال: وبعض الناس يزعم أنه -يعني صاحب نجد- يعتقد اعتقاد الخوارج، وما أظن ذلك صَحِيحاً، فإن صاحب نجد وجميع أتباعه يعملون بما يعلمونه من محمد بن عبد الْوَهَّاب، وَكَانَ حنبلياً، ثم طلب الحديث بالمدينة المشرفة، فعاد إلى نجد وصار يعمل باجتهادات جماعة من متأخري الحنابلة؛ كابن تيمية، وابن القيم وأضرابهما وهما من أشد الناس على معتقدي الأموات.

وقد رأيت كتاباً من صاحب نجد الذي هو الآن صاحب تلك الجهات أجاب به على بعض أهل العلم، وقد كاتبه وسأله بيان ما يعتقده، فرأيت جوابه مشتملاً على اعتقاد حسن موافق للكتاب والسنة، والله أعلم بحقيقة الحال.

وبلغنا أنه وصل إلى مكة بعض علماء نجد؛ لقصد المناظرة، فناظر علماء مكة بحضرة الشريف في مسائل تدلُّ على ثبات قدمه وَقدم صَاحبه فِي الدين، وفي سنة 1215 وصل من صَاحب نجد الْمَذْكُور مجلَّدان لطيفان أرسل بهما إِلَى حَضْرَة مَوْلَانَا الإِمَام حفظه الله.

أَحدهمَا: يشْتَمل على رسائل لمُحَمد بن عبد الْوَهَّاب كلّهَا في الْإِرْشَاد إِلَى إخلاص التَّوْحِيد والتنفير من الشرك الذي يَفْعَله المعتقدون فِي الْقُبُور، وهي: رسائل جَيِّدَة مشحونة بأدلة الْكتاب وَالسّنة، والمجلَّد الآخر: يتَضَمَّن الرَّد على جمَاعَة من الفقهاء الْمُقَصِّرِينَ من فُقَهَاء صنعاء، وصعدة ذاكروه في مسَائِل مُتَعَلقَة بأصول الدَّين، وبجماعة من الصَّحَابَة، فَأجَاب عَلَيْهِم جوابات محرَّرة مقررة مُحَققَة، تدل على أَن الْمُجيب من الْعلمَاء الْمُحَقِّقين العارفين بِالْكتاب وَالسّنة، وَقد هدم عَلَيْهِم جَمِيع مَا بنوه وأبطل جَمِيع مَا دونوه؛ لأَنهم مقصِّرُون متعصبون فَصَارَ مَا فَعَلُوهُ خِزْياً عَلَيْهِم وعَلى أهل صنعاء وصعدة، وَهَكَذَا مَن تصدر وَلم يعرف مِقْدَار نَفسه. انتهى ملخَّصاً.


يتبع...


روابط ذات صلة:

كيف اخترق المدّ الوهابي المجتمع المصري؟

الوهابيّة في مصر (ح2)

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق:
* الاسم  
   البريد الالكتروني  
   العنوان  
* التعليق
* اكتب ناتج 5 + 2
 
منبر آسيا المزيد ...   ثقافة وفن المزيد ...   إقتصاد المزيد ...   رياضة المزيد ...   صحة وجمال المزيد ...  
شاهد المزيد
ألبوم الصور
خامنئي: العراق القوي مفيد جداً لإيران بالصور: هكذا أحيت بلدية القاع ذكرى "فجر الجرود" بالصور: البخاري يودع الحجاج في مطار بيروت روحاني: لا مفاوضات مع ترامب بعد تخليه عن الإتفاق النووي بالفيديو: كارثة بيئية تصيب بحيرة القرعون بالفيديو: ماقصة الاشكال في الشياح؟ اشتباكات بين عائلتي الجمل وجعفر في الهرمل الأسد: سأزور إيران قريباً مجدداً.. أهالي الموقوفين الاسلاميين يعتصمون في طرابلس بالصورة: اعتصام  لموظفي "سعودي أوجيه" في طرابلس