الخميس 13 كانون الأول 2018م , الساعة 11:13 صباحاً بتوقيت بيروت

إتصل بنا أعلن معنا عن آسيا أخبار الرئيسية

آخر الأخبار :



الوهابيّة في مصر (ح2)

خاص _ آسيا

2018.11.15 05:14
Facebook Share
طباعة

 تبذل العربيّة السعودية أو بالأحرى آل سعود، كلّ جهدٍ ممكنٍ لنزع رداء الوهابيّة وتصديره إلى مصر بكلّ ما يحويه من إرثٍ أورثها التزمّتَ والجهل وجعلَها مفرخةً للإرهاب، والراعي الأوّل للإرهاب وللإرهابيّين، جعلوا إطلاق اللحية وقصّ الشارب وتقصير الثياب ووضع الشال على الرأس ولبس البولغة هي صفاتُ المسلم، ومن خرج عليها ليس بمسلم، حرّموا كشف وجه المرأة واعتبروها عورةً ورجساً من عمل الشيطان يجب أنْ يخفى "واخترعوا النقاب"، وحولوا القرآن إلى مندبةٍ كبرى بأصواتٍ شيوخهم التي جاءتنا عبر شرائطهم المجانيّة.


بدأت الكارثة عندما تحالف آل سعود مع الوهابيّين في صفقةٍ سياسيّةٍ سرعان ما تحوّلت إلى لعنةٍ ونقمةٍ على السعودية وكلّ من مدّ يده إلى السعوديّين بالعون، حدث هذا في الربع الثانى من القرن العشرين عام ١٩٢٥، وقبل هذا العام كعادتها منذ عهد شجرة الدرّ قد فرغت للتوّ من إرسالها للمحمل المصريّ المتّجه إلى الحجاز ومعه كسوة الكعبة ومتطلّبات الحرمين والكم الهائل من الصدقات التي كانت توزّع على فقراء السعوديّة.


ولم يكن بها مورد ماءٍ يشرب منه الحجّاج، فأنشأ الملكُ فؤاد الأوّل خزّان المياه الوحيد في منى، وقد كانت التكيّة المصريّة تشهد كلّ يومٍ أفواجاً من السعوديّين، يأتون إليها لتناول نصيبهم من الطعام الذي كان يوزّع عليهم بكثرةٍ وكرم، وظلّت التكيّة المصريّة من أهم موارد الرزق للفقراء والمحتاجين، وما أكثرهم في ذلك الوقت، وأكثر من ذلك كانت تهتمّ بصحّة السعوديّين، فكلّ يومٍ يمرُّ مئاتٌ من المرضى السعوديّين على طبيبِ التكيّة، فيقوم بفحصهم ويمنحهم الدواء والطعام والشراب مجّاناً، وكانت القنصليّة المصريّة في جدّة مأوى للحجازيّين المحتاجين، ولم يكن السعوديّون حتّى هذا الوقت قادرين على تصريف أمورهم بمفردهم من دون مساعدة الحكومة المصريّة.


كانت الحكومة المصريّة أيضاً تسقي عقولهم أفكارها المستنيرة، المتمثّلة في إسلامها الهادئ الذي لا يرى في المرأة عورةً تستوجب الحكر والإخفاء، ولا يرى في الفنِّ جريمة، يحبّ رسول الإسلام بلا صخبٍ، ويرضى الله بلا ضجيج، يستطيع أنْ يتلاءم مع الحياة من دون تفريط، ويستوعب التطوّر والتكنولوجيا الجديدة، ويتواصل معها، ينتج فقهاً يناسب كلّ جديد، ولا يقف متحجّراً مصمتاً أمام مستجدّات العلم، وضعت مصر إسلامها النقيّ أمام السعوديّين الذين كانوا يحتاجون الغذاء والكساء والتنوير، وكادت الشجرة تؤتى بثمارها، لكن حدث ما أرهق السعوديّين وأفسد على العالم الإسلاميّ دنياه وآخرته كما يلي: سيطر الوهابيّون على الحكم في السعوديّة، وأصبحت كلمتهم هي الأعلى، لم يكتفوا بالأفكار فقط، ولكنّهم نزلوا إلى الميدان، بدؤوا في نهاية عام ١٩٢٥ بتدمير ما يسمّى بقبور آل البيت، فحطّموا قبري السيّدة خديجة زوجة النبي محمد "ص" وأمّه آمنة، وأغلقوا غار حراء الذي تلقّى فيه النبيّ الوحي، وعندما بدأ الوهابيّون نشاطهم الإرهابيّ بدأوا بأقرب الناس إليهم، نبيهم.


خرّب الوهابيّون الآثار المقدّسة في الحجاز، ومنها قبور آل البيت من دون إذنٍ ومن دون علم آل سعود، وليس في هذا تبرئة لساحتهم، لكنّها إدانة لهم، فقد فعلها الوهابيّون بعد أنْ شعروا أنّهم أقوى منهم، فلم يهتمّوا حتّى بأنْ يخبروا ابن سعود بعملهم التدميري، ولهذا قال ابن سعود: "حزنت عندما تأكّدت أنَّ للآثار حرمة وكرامة عند الكثيرين من المسلمين في أنحاء العالم، ولذلك سأبذل الجهد! في إعادة هذه الآثار إلى ما كانت عليه".


لم يفعل ابن سعود شيئاً، واكتفى بالتصريحات فقط، وكان الملك عبد العزيز بن سعود عاجزاً عن مواجهة الوهابيّين الذين مضوا لتنفيذ خططهم بشتّى الطرق، ولم يراعوا في ذلك سلطة ملك ولا حرمة قبور آل البيت، وأرادوا السيطرة، ومنحهم الملك الضعيف الفرصة فاغتنموها حتى النهاية، ففرضوا أفكارهم بالقوّة الرجعيّة المتزمّتة ومبادئهم السطحيّة، ولم يكونوا يهدفون إلى نشر هذه الأفكار فقط، ولكن قرّروا السيطرة على العالم الإسلاميّ كهدفٍ لهم، واعتدوا على مصر أوّلاً؛ لأنّها كانت هى صاحبة السيادة، فقد بدأوا بالاعتداء على المحمل الذي كان خيراً ورخاءً ينتظره السعوديّون كلّ عامٍ بفارغ الصبر، ففي منتصف عام ١٩٢٦ تحرّك المحمل المصري كعادته بعد أنْ أُقيمت الاحتفلات بكسوة الكعبة في القاهرة، والتي أرسلها الملك فؤاد الأوّل من قصر عابدين، وكان على يساره أحمد زيور باشا، وأخذ المحمل طريقه المعتاد إلى السعودية، ولكن عندما وصل إلى منى تعرّض له الوهابيّون.. فأطلقوا عليه النيران وسقط العديد من المصريّين بين قتيلٍ وجريح، بسبب حقد الوهابيّين على كلّ ما هو مصري.


اشتعل الموقف في مصر واعتبرت الحكومة الاعتداء على المحمل إهانةً لها، فسارع السعوديّون لتقديم الاعتذار، فقد وقعوا في حرجٍ ولا بدَّ أنْ يزول، وعندما وصل إلى القاهرة الأمير سعود كبير أنجال الملك عبد العزيز بن سعود سلطان نجد وملحقاتها وملك الحجاز وعاهل الوهابيّين وصحبه في هذه الزيارة عدد كبير من الوهابيّين ليعتذر ويمحو الأثر السيّء الذي خلّفه اعتداء الوهابيين على المحمل المصري في منى، ظلّت مصر تعطي.. وظلّ حقد الوهابيّين عليها ينمو.. تفجّر البترول في أرضهم توحّشوا وقرّروا أنْ يُسيطروا على العالم الإسلاميّ بالمال، وبدأت أفكارهم تتسرّب من تحت جلودنا.. جعلوا إطلاق اللّحية وقصّ الشارب وتقصير الثياب ووضع الشال على الرأس ولبس البولغة هى صفات المسلم ومن خرج عليها ليس، بمسلم، لكنّها تعاملت بمنطق الكبير الذي لا بدّ أنْ يعفو ويصفح عندما يُخطئ الصغار. وضعت الحكومة المصريّة الوهابيّين وقتها في حجمهم، فهم مجموعةٌ من المتطرّفين الذين يُطوّعون الدين من أجل مصالحهم، حرّموا كشف وجه المرأة واعتبروها عورةً ورجساً من عمل الشيطان يجب أن يخفى "واخترعوا النقاب"، وحوّلوا القرآن إلى مندبة كبرى بأصوات شيوخهم التي جاءتنا عبر شرائطهم المجّانية، وبعد أن كنّا نصدّر للسعودية الإسلام السَّمِح مع الطعام والشراب والدواء الذي كنّا نمنحه لهم كعطايا، بدأ العدو السعوديّ يُصدّر لنا إسلاماً متّجهماً كئيباً صنعوه بأيديهم، فكفّروا من يصنع التماثيل ويعمل بالتصوير، ومنعوا المجلّات المصوّرة؛ لأنّها فتنة وحالوا بين المرأة وبين لبس الكعب العالى لأنه يزيد من فتنتها التى تغوى الرجال! وحرموا السفر إلى بلاد الكفر والتى كانوا يعتبرون مصر من بينها، وسهّلوا ذلك بأنْ أنفقوا بسخاءٍ على كتيّباتٍ صغيرةٍ تحمل أفكارهم الوضيعة وشرائط كاسيت تحمل أفكاراً عن خزعبلات عذاب القبر، وأهوال، جهنم والعلاج بالقرآن، وبول ولبن البعير، والحجامةُ الإسلاميّة "السعودية تنفق واحد مليار دولار "حوالي" 5.50 مليار جنيه مصري على نشر الدعوة، وأكثر من ذلك يصدّر ثقافته بتمويل الإرهابيّين لمحاربة الإبداع في عقر داره، مستغلّين أحوال مصر الاقتصاديّة التي أنهكتها حروبٌ وسياساتٌ لم تراعِ مصالح المصريّين قدر مراعاتها لمصالح العرب، وعلى رأسهم الفلسطينيّون، فظهرت الجماعات المناوئة والإرهاب بألوان وأشكال وأسماء مختلفة من الإخوان المسلمين إلى التكفير والهجرة والجهاد ختاماً بالطابور الخامس من مرتزقة الفتاوى الإسلاميّة والدعوة والإرشاد بكلّ الأشكال والألوان، انتشر هذا الوباء في السبعينيّات في عهد السادات الذي لم يتوانَ لحظةً عن إخراج صراصير وفئران الإسلام من جحورهم لضرب الناصريين "والشيوعيّين"، فدفع حياته ثمناً لثقته في هؤلاء المرتزقة تاركاً خلفه وباءً ينخرُ في عظام شعب مصر وفي الإسلام المعتدل.


اليوم، توغّل الإرهابُ السعوديُّ إلى عمق المجتمع المصريّ، وأعلن حرباً على الفكر والإبداع في مصر، وإنْ لم تنتبه الحكومة الحاليّة إلى مؤامرة آل سعود، وشرّعت بكلِّ ما تملك من أجهزةٍ أمنيّةٍ وإعلاميٍّة في استئصال هذا الوباء، ستنتهى مصر إلى هاويةٍ وحربٍ طائفيّة، فلول الإرهاب طالت عقول أبنائنا وأخواتنا وبناتنا في مدارسهم، تلقّنهم كره الحياة والإبداع تحت سمع وبصر وزارة التعليم التي لا تحرّك ساكناً لمحاربة التطرّف والتلوّث الفكريّ وسعودة عقل المصريّين! فهل تفيق الدولة للمؤامرة وتضرب بيدٍ من حديد قبل أنْ تمتدَّ إليها يدُ التطرّف المتوغّلة في التعليم والجيش والشرطة و"المساجد"، فنستيقظ نحن على كارثة؟


روابط ذات صلة:
كيف اخترق المدّ الوهابي المجتمع المصري؟

أصل الوهّابية





 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق:
* الاسم  
   البريد الالكتروني  
   العنوان  
* التعليق
* اكتب ناتج 1 + 8
 
منبر آسيا المزيد ...   ثقافة وفن المزيد ...   إقتصاد المزيد ...   رياضة المزيد ...   صحة وجمال المزيد ...  
شاهد المزيد
ألبوم الصور
خامنئي: العراق القوي مفيد جداً لإيران بالصور: هكذا أحيت بلدية القاع ذكرى "فجر الجرود" بالصور: البخاري يودع الحجاج في مطار بيروت روحاني: لا مفاوضات مع ترامب بعد تخليه عن الإتفاق النووي بالفيديو: كارثة بيئية تصيب بحيرة القرعون بالفيديو: ماقصة الاشكال في الشياح؟ اشتباكات بين عائلتي الجمل وجعفر في الهرمل الأسد: سأزور إيران قريباً مجدداً.. أهالي الموقوفين الاسلاميين يعتصمون في طرابلس بالصورة: اعتصام  لموظفي "سعودي أوجيه" في طرابلس