الاثنين 10 كانون الأول 2018م , الساعة 11:05 صباحاً بتوقيت بيروت

إتصل بنا أعلن معنا عن آسيا أخبار الرئيسية

آخر الأخبار :



كيف بدأت الحرب

كتب خضر عواركة - وكالة أنباء آسيا

2018.11.14 11:57
Facebook Share
طباعة

 بدأت الدعوات إلى التظاهر في الرابع من شباط/ فبراير 2011، وفشلت تلك الدعوات تماماً، فكيف بدأت التظاهرات في الثامن عشر من آذار 2011 ومتى ظهر السلاح؟


بكلّ بساطةٍ لولا صلف وقلّة أدب ضابطٍ سوريٍّ مع مُمثّلي العشائر لَما انطلقت من درعا أُولى التظاهرات، وربّما لانطلقت الحربُ في سورية بحركاتٍ مُسلّحة من دون تظاهر.


فكلّ شيءٍ كان مُعدّاً لمواجهةٍ عسكريةٍ يُعّدُ لها أكثر من طرفٍ إقليميٍ ودوليٍ وجاء الربيع العربي ليُسهّل المهمّة لا أكثر.


قبل الأزمة بسنواتٍ، تصاعدت الجهود الدوليّة لإغراق سورية في صراعٍ مُسلّح مع حركاتٍ متطرّفة استفادت من فترة السماح وغضّ النظر عن عبور مجموعاتٍ متطرّفة مهتّمة بقتال الأميركيّين في العراق، وفي العام 2007 اشتعلت حربٌ بين خلايا تنظيماتٍ تدور في فلك القاعدة في سورية وبين القوّات الأمنيّة السوريّة إلى حدّ أنّ القوى السوريّة الرسميّة استعملت طائرةً قاذفة لتدمير مبنى تَحصّن فيه مسلّحون تابعون للقاعدة في ريف دمشق.


كلّ ذلك كان يجري لسنواتٍ أربع بصمتٍ ودون إعلان.


لكن كان لدى الأجهزة الأمنيّة السوريّة معلوماتٍ موثّقة عن تجميعٍ لجماعاتٍ مقاتلة في تركيا، وفي كردستان العراق. ولم يكن الربيع العربي قد بدأ بعد، حين بدأ متسلّلون من تركيا إلى إدلب وريف حلب بإعادة التواصل مع جماعاتٍ من الإخوان المسلمين الذين كانوا في حينها يملكون جهازاً مخابراتيّاً داخل سورية يُديره رجلٌ لم يكن مكشوفاً للأمن السوريّ، وكان يُشار إليه بين الإخوان في سورية "بالدكتور".


لم يكن ذاك سوى الأستاذ في كلّية الشريعة في دمشق، والرجل الذي اعتُقِل مرّاتٍ بتهمة نشاطه الأمنيّ، ثمّ كان يخرج من الاعتقال بسبب تدخّل جهات نافذة دينيّة وأمنيّة لصالحه في تعبيرٍ عن اختراق الإخوان للمؤسّسة الدينيّة الموالية افتراضاً للحكم السوريّ. وكان اسم زعيم تنظيم المخابرات الإخوانيّ في سورية "عماد الدين ر" وكان الرجل "ابناً" للنظام في المؤسّسة الدينيّة.


من حمى ذاك الناشط الأمنيّ الكبير من الاعتقال، وأيّ قدراتٍ لدى نافذين في السُّلطة على تهريب زعيم استخباراتٍ الإخوان المسلمين؟


ولأنَّ السلطة كانت تعلم منذ العام 2000 بأنّ دورها قادمٌ بثورةٍ شعبيّة ملوّنة كجزءٍ من حراكٍ أميركيٍّ لإسقاط كلّ الدول التي تُمانع سياستها، وفي تلك السنة جرى إسقاط نظام صربيا، وهو تاريخ أوّل ثورةٍ ملوّنة في صربيا، ثمَّ بعدها في جورجيا وأوكرانيا وصولاً إلى لبنان في العام 2005، فلماذا لم يستبق الحكم التظاهرات بإصلاحاتٍ عميقة تحمي الاستقرار والسلطة والشعب؟


هذه الأسئلة وغيرها طَرحتُها على مقرّبين من الرئيس السوريّ بشار الأسد، وكانت الإجابات بمجملها تتحدّث عن "مؤامرة، وعن جهدٍ خارجيّ لم يكن سيسمح بأنْ تنجو سورية من حربٍ أعدّ لها الأميركيّون جيّداً، وما دامت تركيا والأردن وأكراد العراق قبلوا بتنفيذ ما يطلبه الأميركيّون من فتح حدودهم لآلاف المقاتلين من مخضرمي تنظيم القاعدة والتنظيمات الشبيهة بهم من كلِّ دول العالم تقريباً، فإنّ أيّ إصلاحٍ لم يكن ليوقف الحرب؛ لأنّ الهجوم الأطلسيّ سيكون بمشاةٍ من المرتزقة الوهابيّين التكفيريّين وبتسليحٍ (غربيّ - خليجيّ – تركيّ) وبتسهيلاتٍ عابرة للحدود والدول وبدعمٍ وإدارةٍ شاملةٍ أميركية – أطلسية".


وحين طرحتُ أسئلةً مِن نوع "لماذا لم ترضَ المعارضة بالحلول السياسيّة التي عرضتها السلطة السورية في السنوات الأُولى للحرب، وتعنّتَ المعارضون مُعتدلُهم ومثقّفهم قبل المسلّحين منهم في رفض أيّ حوارٍ مع السلطة إلّا بعد استسلامها الكامل، فلماذا لم تستغلّ القوى المعارضة العاقلة ضعف السلطة لانتزاع حقوقٍ مُكتسبة للشعب منها بضماناتٍ دولية؟"


كان جوابُ القادة من المعارضين من غير المسلّحين: "لأنّنا مشينا في حلولٍ سياسيّة سرّية غير مُعلنة، ومنها مَن توسّطت به دولٌ حليفةٌ لسورية، وعلى سبيل المثال، استجاب جزءٌ من تنظيم الإخوان المسلمين في الداخل للدعوات التفاوضيّة رغم رفض القيادة الخارجيّة لذلك الخيار، ولكنّ السلطة رفضت بعدما قبلت فقط أملاً بأنْ نرفض نحن وأعادت اعتقال مَن أطلقَتْ سراحهم من قادة الحراك الراضين بالتفاوض، وأطلقت في الوقت عينه قياداتٍ سلفيّة متطرّفة لأنّها كانت تَأْمَل أنْ يتحوّل الحراك الثوريّ السلميّ إلى حربٍ مُسلّحة تنتصر فيها السلطة بقواها القاهرة، ولم يتوقّع النظام أنْ يخرج الشعب من قمقمٍ الخوف ويحمل السلاح ويضرب قواها المجرمة وينتزع منها المدن والمساحات التي بلغت يوماً ثمانين في المئة من مساحة سورية" .


ويروي وسيطٌ في مفاوضاتٍ سرّيّة جرت في العام الأوّل للحرب بين السلطة والمعارض هيثم المناع، كيف سافر إلى لندن للقاء الأخير بالاتّفاق مع أحد رموز السلطة السوريّة وبعد توسّط صديق المناع في الأمر الكاتب والمعارض السعودي "فؤاد إ"، وقد اتّفق الوسيط مع المناع على حراكٍ سياسيٍّ يبدأ في أنطاليا باجتماعٍ للمعارضين الراغبين في المشاركة بعمليّةٍ سياسيّة تنتهي بإصلاحاتٍ يوافق عليها النظام وبدستورٍ جديدٍ وبانتخاباتٍ نيابيّة ورئاسيّة مبكرة.


وطلب المناع من الوسيط، وهو نائب كويتي سابق صديق لسورية بأنْ يُطلق المسؤولون في دمشق سراح عددٍ من القادة الذين يعتبرهم المناع رفاقاً له وراضين بالحلّ السياسيّ ومن المعتدلين.


وبالفعل أطلقت السلطات السوريّة في الأيّام التالية سراح عددٍ كبيرٍ من المعتدلين من بين المعارضين الذين توجّه بعضهم إلى الخارج عبر بيروت للانتقال إلى أنطاليا حيث يُفترض عقدُ مؤتمرٍ وطنيٍّ يخرج على إثره وفدٌ معارض مكلّف رسمياً من المُؤتمرِين بالتفاوض مع السلطة وينتقل إلى دمشق.
ولكن قبل أيّامٍ من عقد المؤتمر اغتال مجهولون شقيق المناع، وكان يقيم في درعا، فاعتبر هيثم المناع الأمر بمثابة رسالةٍ سلبيّةٍ له واتّهم بعضاً من أطراف السلطة بقتل أخيه تارةً ومن ثمّ نقل عنه بعض أصدقائه قوله أنّ قوى دولية لا تريد له الالتحاق بمسار الحلول السياسيّة هي التي قتلت أخيه.


محاولاتٌ كثيرة للتوفيق بين أطرافٍ معارضةٍ والسلطة السوريّة جرت في السنة الأُولى وحتى في السنوات اللاحقة من بداية الحرب، فعلى سبيل المثال، يروي مصدرٌ سوريٌّ من الإخوان المسلمين كيف انتقلت قياداتٌ إخوانيّة من تركيا إلى بيروت للقاء قادة حزب الله الذين وسّطوا أصدقاءَ لهم في حماس والتنظيم المصريّ للإخوان للضغط على الإخوان السوريّين لإيجاد حلٍّ سياسيّ. جماعة الإخوان يؤكّدون بأنّهم تجاوبوا مع جهود حزب الله لكنّ النظام تعنّتَ في رفض مطالب بديهيّة لأيّ ثوّارٍ يريدون حلّ القضايا العالقة مع السلطة بالحوار لا بالسلاح، في حين يقول مصدرٌ مُطلّع قريب من السلطة السوريّة أنّ تلك المحاولات كانت مجرّد ألاعيبٍ تركيّة قطريّة لكسب الوقت وإرباك السلطة التي كانت تراقب عن كثب دخول عشرات آلاف المقاتلين الإرهابيين من تركيا والأردن والعراق ولبنان إلى الأراضي السوريّة؛ لشنّ حربِ عصاباتٍ وتخريبٍ على مراكز السلطة في المحافظات وفي غوطة دمشق .


في النتيجة الحتمية لفشل المفاوضات اتّجه الطّرفان نحو الحلّ النهائيّ.


من المفيد الإشارة إلى أنَّ السلطة كانت مُوحّدةً، أمّا "المعارضات" فقد كانت فصائلها عبارة عن متاهةٍ لمن يريد أنْ يعرف هويّة صاحب القدرة على التأثير الميداني.


"الحلّ النهائي"؛ أي القضاء على الخصم تماماً هو الخيار الذي جرى اعتماده، لذا تحوّل الحراك غيرُ الشامل وغيرُ الكافي لإسقاط السلطة السوريّة إلى حربٍ طاحنةٍ تأذّى من نيرانها عل الأقلّ ثلثي الشعب مباشرة .


مَن اتّخذ قرار حمل السلاح من بين المتظاهرين، ومَن أمّن لهم السلاح والتدريب ولماذا؟


ومَن أنشأ جيوشاً قويّةً في سورية رغم أنّ أقواها كانت متطرّفة، ومن الطبيعي أنْ تحمل أفكارَ القاعدة ومُنظّريها؟


الجواب عند السلطة هو "دولٌ كبرى وعلى رأسها أميركا".


والجواب عند المعارضين هو "أنّ النظام خاف الثورة السلميّة فقام بتسليح الإرهابيّين، وأمّا الجيش الحرّ فقد حصل على سلاحه من الجيش السوريّ خلال المعارك".


في الواقع لا يمكن تحليل الوضع وفهم خلفيّاته من دون الإحاطة بالصورة الشاملة لسورية في عيون الأميركيّين والروس والإيرانيين والصينيين والأتراك.


لكنّ الأكيد هو أنّ قمع السلطة في مناطق لا تحتمل القمع وتساهلها في مناطق لا تحتمل التساهل؛ أدّى إلى نشوء بنيةٍ حاضنة لِحَمَلة السلاح، لا بل إنّ مدينةً كحمص سَرت بين أهاليها حُمّى الثورة وزاد استعارها بسبب القمع الذي كان يطاول المعتدلين، فيتطرّفون ويتجاهل المتطرّفين فينجحون في تحويل الناس العاديين إلى منادين مستغيثين "أين القاعدة لتحمينا".


وكأنّ مَن كان يقود المواجهات مع المتظاهرين كان يعملُ لصالح من تتّهمهم السلطة بإدارة الحرب ضدّها، فلولا الضابط الجزّار محمد مفلح في حماة الذي قتل 70 متظاهراً بتاريخ الثالث من حزيران يونيو 2011 لَمَا تقبّل الرأيُّ العامّ الحموي حَمَلة السلاح الذين استغلّوا المجزرة فخرج عشرات آلاف الحمويين في تشييع الشهداء وظهر السلاح علناً في المدينة التي سقطت لاحقاً بيدِ مسلّحين معارضين قبل أنْ تستعيدها السلطة بقوةِ السلاح بعد أشهرٍ، والغريب أنّ الضابط الجزّار محمد مفلح عُوقب بالسجن لأشهر ثمّ جرى نقله من السجن إلى منصب مدير فرع الأمن العسكريّ في حلب، إذ ساهم هو شخصيّاً في تسليمها إلى لواء التوحيد الذي تأسّس بدايةً على اعتقادٍ من السلطة بأنّه نصيرٌ لها، ليظهر لاحقاً أنّ تسليحه الرسميّ كان عمليّةً أمنيّةً قامت بها قوى تدعم تنظيم الإخوان المسلمين (المخابرات التركية) التي سيطرت على الضابط الجزّار محمد مفلح ودفعته لفتح حواجز القوى التي تأتمر بأمره فدخل اثنا عشر ألف مسلّحٍ في ليلةٍ واحدة بالشاحنات المدنيّة وانتشروا في شرق المدينة -على وجه الخصوص- انطلاقاً من حي سيف الدولة بعدما أعلن الضابط الجزار محمد مفلح لزملائه أنّ نازحين مدنيّين من ريف حلب سيلتجئون إلى المدينة.


وتقول مصادر السلطة: "إنّ مفلح هرب مع أموالٍ تلقّاها نظير خيانته إلى الأراضي التركية بعدما دخل لواء التوحيد إلى المدينة، وحصل ذلك ليل 19تموز يوليو 2011"، في حين يقول معارضون: "إنّ العميد مفلح قُتل بكمينٍ في ريف حلب قبل أنْ يعبر الحدود إلى تركيا وتؤكّد بأنّه كان من المتعاونين مع المعارضين".


فكيف يتعاون جزّارٌ قتل سبعيناً من المتظاهرين الأبرياء غير المسلّحين في حماة مع مسلّحين يقولون إنّهم ينتقمون لمن قتلهم مفلح قبل عام؟


لعنة الموقع "الجيواستراتيجيّ" لسورية:


سورية بلدٌ لا يمكن للقوى الكبرى أنْ تتركه وقراره الذاتيّ، وهناك دوماً بين القوى العُظمى من يتربّص بالبلاد، ولو كان مَن يحكم سورية هو تنظيم الإخوان المسلمين لا حزب البعث أو كان يحكمها حزبٌ ليبراليّ أو "سوريّون قوميّون" فإن القوى العظمى التي يهمّها التأثير على السياسات الخاصّة بحلفائها ومنافسيها ستستعى إلى السيطرة على القرار السوريّ إنْ كان مستقلّاً وسياديّاً بصرف النظر عن الحاجة لديمقراطيّةٍ وطنيّةٍ في البلاد، وفضلاً عن الحاجة إلى التطوير والتحديث في مسائل الحرّيات البديهيّة.


والقوى العظمى أيّاً يكن اسمها، لن تفوّت فرصة نشوء نزاعٍ في الشوارع بين متظاهرين وأمنيّين إلّا وستسغلّه بصرف النظر إذا ما كان الحِراكُ الشوارعيّ الثوريّ من أساسه من تنظيم تنسيقيّات أوتوبورية دَرّبتها أميركا على مر السنوات التي سبقت الحرب.


سورية المستقرّة أيّاً يكن مَن يحكمها، إنْ كان مستقلّاً في قراره فاستقرارها ليس مصلحةً للقوى العظمى.


والعلاقة الأميركيّة السوريّة نموذجٌ فاقعٌ عن الإصرار الأميركيّ على إخضاع الكوكب لمشيئتها بِدءاً من الدول الضعيفة وسورية منها.


وقد تراوحت العلاقة السوريّة الأميركيّة بين القطيعة والتعاون منذ العام 1970 وعلى سبيل المثال:


- بعد حرب تشرين 1973 بين سورية ومصر من جهة، وإسرائيل من جهةٍ أُخرى تعاونت الولايات المتّحدة مع الرئيس الراحل حافظ الأسد في ملفّاتٍ إقليميّة بينها ما أدّى إلى وقف القتال وإلى هدنةٍ برعايةٍ دوليّة مع العدو الإسرائيليّ.


- التقت مصالح الطرفين على السماح بدخول الجيش السوري إلى لبنان عام 1976 لمنع سيطرة منظمة التحرير عليه، لكن ذاك اللقاء المصلحيّ تحوّل إلى صراعٍ بعد عامٍ فقط، فدعمت واشنطن هجوماً شاملاً شنّتهه القوّات الكتائبية في مناطق المسيحيين على القوّات السورية فأخرجتها منها بشكلٍ كامل، وقامت واشنطن بوضع خطوطٍ حمراءَ أمام القوّات السوريّة التي يعني تجاوزها صداماً مع واشنطن لا مع القوّات المسيحية المؤلّفة في معظمها من حزب الأغلبيّة في الأوساط المسيحيّة اللبنانيّة في تلك الفترة "حزب الكتائب" بقيادة "بيار الجميل" وولده "بشير الجميل" اللذان تبيّن لهما أنّ حلفهما مع سورية مؤقتاً في العام 1976 لم يكن استمراره في صالح واشنطن وحليفتها إسرائيل، فنقلوا البندقيّة من الكتف السوريّ إلى الكتف الإسرائيليّ.


الصدام الأميركيّ السوريّ لم يكن عنيفاً؛ لأنّ دمشق كانت تمارس التقيّة السياسيّة وتتجنّب المواجهات الكبيرة مع الأميركيين بدعمٍ لسياستها تلك من الزعيم السوفياتي "ليونيد بريجينيف" الذي وضع خططَ تقاسمِ المصالح ومهادنة الأميركيين.
ودمشق جزئيّاً كانت واحدةً من قلّةٍ بين الدول العربيّة التي تُعتبر صديقةً لنفوذ السوفيات مع تميّز في استقلالية قرارها السيادي.


- عاد الصدام مجدّداً بين الأميركيين والسوريّين في حرب العام 1982 التي شنّتها إسرائيل على لبنان، وقاتل الجيش السوري ضدّ الغزاة مع الفلسطينيين واللبنانيين، لكنّ نقطة تقاطع مصلحيّ روسيّ - أميركيّ حمت دمشق من هجومٍ إسرائيليّ شامل على الأراضي السورية. ما أدّى لاحقاً إلى تصدّي دمشق للوجود العسكريّ الأميركيّ في فترة حكم "أندروبوف" الصداميّ مع واشنطن، وقد حصل ذلك في أجواء لبنان وأسقطت دفاعات القوّات السوريّة طائراتٍ أميركيّة عام 1983.


وبقيت التجاذبات الأميركيّة السورية محتملةً وغير مؤثّرة بشكلٍ أساس على انسيابيّة المصالح الأميركيّة في المنطقة، إذ كان التوازن الإقليميّ يتطلب تعاوناً أميركياً مع السوفيات يُبقي سورية في مأمنٍ إستراتيجي من العدوانية الأميركية، ولكنّ ذلك جاء ضمن إطار حصارٍ أميركي له أهداف تكتيكية، وكضغطٍ مباشر لدفعها دوماً إلى عدم عرقلة المصالح الأميركية.


- حصل التعاون الأكبر عام 1991 في حرب تحرير الكويت من القوّات التي أرسلها صدام حسين بنصيحةٍ أميركيّة لاحتلال تلك الدولة الصغيرة. فشارك الجيش السوريّ في الحرب إلى جانب الأميركيّين والسعوديّين مع تحالفٍ دولي وعربي كبير أدّى إلى حصار العراق منذ ذلك العام وحتى غزوه في العام 2003.


طوال عقد ونيّف لم تتوقّف التجاذبات الأميركيّة والسوريّة، ولكنّ واشنطن بعد سقوط الاتّحاد السوفياتيّ اتّخذت قراراً بتغيير شخصيّات الحكم في سورية، وراهنت على تعاونٍ سعوديّ - إسرائيلي معها يوصل عبد الحليم خدام أو حكمت الشهابي، وهم من أصدقائها، إلى سُدّة الحكم في دمشق سواءً بانقلابٍ عسكريّ أو بسبب مرض الرئيس حافظ الأسد.


لكنّ الأسد الأب بحكم التركيبة الشديدة الخصوصيّة التي أسّسها في نظام الحكم السوريّ نجى من المؤامرات.


وقد حمت التوازنات الدوليّة الجديدة استقرار دولته إلى أنْ جرى نقل الحكم بعد وفاته إلى ولده الرئيس بشار الأسد، ما أدّى لاحقاً إلى هدنةٍ استمرت حتى غزو العراق، إذ بدأت في حينه عمليّات إغراء وتهديد لاستيعاب الحكم والقرار السوريّ لصالح واشنطن، وفي آنٍ معاً كانت الخطط الأميركيّة تُعّد لتبديل الحكم السوري بانقلابٍ عسكريّ أو بفوضى شعبيّة وشاركتها في جهودها دولٌ حليفة بينها السعوديّة وإسرائيل.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق:
* الاسم  
   البريد الالكتروني  
   العنوان  
* التعليق
* اكتب ناتج 10 + 6
 
منبر آسيا المزيد ...   ثقافة وفن المزيد ...   إقتصاد المزيد ...   رياضة المزيد ...   صحة وجمال المزيد ...  
شاهد المزيد
ألبوم الصور
خامنئي: العراق القوي مفيد جداً لإيران بالصور: هكذا أحيت بلدية القاع ذكرى "فجر الجرود" بالصور: البخاري يودع الحجاج في مطار بيروت روحاني: لا مفاوضات مع ترامب بعد تخليه عن الإتفاق النووي بالفيديو: كارثة بيئية تصيب بحيرة القرعون بالفيديو: ماقصة الاشكال في الشياح؟ اشتباكات بين عائلتي الجمل وجعفر في الهرمل الأسد: سأزور إيران قريباً مجدداً.. أهالي الموقوفين الاسلاميين يعتصمون في طرابلس بالصورة: اعتصام  لموظفي "سعودي أوجيه" في طرابلس