الأربعاء 14 تشرين الثاني 2018م , الساعة 12:33 مساءاً بتوقيت بيروت

إتصل بنا أعلن معنا عن آسيا أخبار الرئيسية

آخر الأخبار :



كتب مصطفى السعيد: دُخانُ الانقسامِ الداخليّ الأمريكيّ.

خاص وكالة أنباء آسيا

2018.11.08 10:50
Facebook Share
طباعة

 ظواهر جديدة تشهدها الولايات المتّحدة، ربّما تُعبّر عن أزماتٍ مركّبة وعميقة ومكتومة، فلم نشاهد هذا النوع من الخطاب السياسيّ العنيف بين قادة الحزبين الديمقراطيّ والجمهوريّ، والذي بلغ حدَّ التخوين، فمثلما جرى اتّهام ترامب بأنَّ التدخّل الروسيّ في الانتخابات جاءت به إلى البيت الأبيض، أشار ترامب إلى تدخّل الصين في انتخابات الكونجرس، ومثل هذه الاتّهامات مدهشة في دولة بقوّة الولايات المتّحدة، اعتادت أنْ تتدخّل في كلّ مكان، ولا يتدخّل أحد في شؤونها.


لم تكن وصلات الإهانات المتبادلة في الانتخابات الرئاسيّة بين هيلاري كلينتون وترامب حدثاً فريداً، فها هي تتّسع في انتخابات الكونجرس، ويُشرع ترامب سلاح تخويف الشعب من التصويت للحزب الديمقراطيّ قائلاً إنّه سيفتح الأبواب للغزاة من المهاجرين، وفي مواجهته يستخدم الرئيس السابق أوباما السلاح نفسه بقوله إنّ من ينتخب مرشّحي الحزب الجمهوريّ يخاطر بالولايات المتّحدة ويدفعها إلى مصيرٍ مجهول.


مرشّح الحزب الجمهوريّ بولاية جورجيا بريان كيمب اتّهم الحزب الديمقراطيّ بمحاولة القرصنة على سجلّات الناخبين، وتقدّمَ للقضاء بطلب مطابقة التصويت، وهو نموذجٌ لحالات الاتّهام بالتزوير بشكلٍ لم تعهده الانتخابات الأمريكيّة.


وظهرت مجموعاتٌ يمينيّة متطرّفة، أكثرها تنظيماً تسمّى جماعة "رجل اللحظة"، وأعلن رئيس فرع الجماعة في ولاية تكساس أنّ فريقاً مسلّحاً ومزوّداً بطائراتٍ مسيّرةٍ وأجهزة رؤية ليليّة سيتوجّه إلى الحدود المكسيكيّة ليتصدّى للغزاة من المهاجرين؛ لأنّ السلطات الأمريكيّة فشلت في حماية الولايات المتحدة من المهاجرين الأجانب، مدعياً أنّ بعضهم من دول الشرق الأوسط، وأخرى من العصابات الإجراميّة. في الوقت الذي كان فيه ترامب يحرّك قوّاتٍ نظاميّة لإجراء مناوراتٍ على التصدّي للمهاجرين، ليثبت أنّه حامي الدولة الأمريكيّة من الغزاة.


هذه الأجواء المتحفّزة، والإقبال غير المسبوق على التصويت في انتخابات التجديد النصفيّ، والمهرجانات الانتخابيّة المكلّفة، جميعها تعني أنَّ الصِّراع الداخليّ في الولايات المتّحدة دخل منحنى جديداً، فالرئيس الأمريكيّ ترامب جاء كتعبيرٍ ونتاجٍ للأزمة البنيويّة في الاقتصاد والمجتمع الأمريكيّ، فالنخبة السياسيّة الممثّلة لرجال المصارف والبورصات والشركات العابرة للقوميّات عينها على العالم الذي تربح منه أكثر بكثير مما تربح من الداخل الأمريكيّ، فالشركة العابرة للقوميّات تمنح العامل الصينيّ الماهر بضع دولاراتٍ في الأسبوع، بينما العامل الأمريكيّ يتقاضى أجراً أكبر في الساعة الواحدة، ولهذا يربح من استثماراته في الصين أضعاف أرباحه من الداخل الأمريكيّ، ولهذا تُركّز الرأسماليّة العابرة للقوميّات على استمرار الهيمنة العسكريّة والاقتصاديّة على العالم، وقلقها الأكبر موجّهٌ إلى روسيا وأسلحتها وطموحاتها في توسيع نفوذها إلى وسط آسيا وشرق أوروبا، بينما لا ترى في الصين خصماً خَطِراً؛ لأنّها لا تتجاوز حدودها في شرق آسيا، وكلّ ما تطمح إليه أنْ تضمّ تايوان.


أمّا الرأسماليّة القوميّة التي يُعبّر عنها ترامب، فتخشى من تدفّق السلع الصينيّة أكثر من خشيتها من الأسلحة الروسيّة، فهي لا تريد أنْ تغزو السلع الصينيّة الرخيصة أسواقها، فتفلّس الشركات الأمريكيّة المنافسة، ويمتدُّ الموقف من السلع الصينيّة إلى دولٍ أُخرى مثل المكسيك وكندا وحتى دول الاتّحاد الأوروبيّ.
جناحا الرأسماليّة الأمريكيّة لهما مصالح ورؤى متباينة تجاه السياسة الخارجيّة والتسلّح، وكان ترامب قد عبّر عن تلك الرؤية أثناء الحملة الانتخابيّة، فهو لا يريد جيشاً كبيراً ينتشرُ في أرجاء العالم بأكثر من 800 قاعدةٍ عسكريّةٍ بخِلافِ الأساطيل، ويريد توفير النفقات الضخمة للجيش الأمريكيّ التي تتجاوز 700 مليار دولار سنويّاً، لكن عندما تولّى الرئاسة أذعن لضغوط المؤسّسة العسكريّة، وخَشِيِ من الإطاحة به، وبدأ يطرحُ حلولاً جديدةً، منها أنْ تدفع أوروبا ودول الخليج وكوريا الجنوبيّة واليابان تكاليف نشر القواعد العسكريّة الأمريكيّة على أراضيها، وأنْ يتحوّل الجيش الأمريكيّ إلى "حارسٍ مدفوع الأجر".


لكنَّ ترامب ظلَّ يسعى إلى اجتذاب الاستثمارات داخل الولايات المتّحدة، ويمنح الشركات الرأسماليّة المحلّيّة إعفاءاتٍ ضريبيّة، ويرفع الضرائب على الطبقات الوسطى، ويعترض على البرنامج الصحّيّ لأوباما، الذي يكلّف خزينة الدولة الكثير، ويريد توجيه الدعم لكبار الرأسماليّين الذين سيوفّرون فرصَ العمل للأمريكيّين العاطلين عن العمل.


يختلط الصراع بين جناحي الرأسماليّة الأمريكيّة بالصراع العرقيّ الذي يصعد بسرعةٍ على السطح في العقود الأخيرة، ومعها تزيد حوادث إطلاق النار والهجوم على السود الأمريكيّين، وأخيراً أرسل أحد مؤيّدي ترامب طروداً بريديّةً لقتل قادة الحزب الديمقراطيّ، ووقع اعتداءٌ على كنيسٍ يهوديّ، والكثير من حوادث العنف ذات البعد العرقيّ.


هكذا يزداد دخان الانقسامات داخل المجتمع الأمريكيّ، كاشفاً عن احتقانٍ وتمرّدٍ على النّخبة الحاكمة الباليّة، التي لا يبدو أنّها قادرةٌ على التصدّي لتلك الأزمات، فالديون الأمريكيّة تتجاوز 50 ترليون دولار، والعجز في الميزان التجاريّ لا يقلّ عن 600 مليار دولار سنويّاً.. صحيحٌ أنَّ الولايات المتّحدة لديها أكبر اقتصاد في العالم وفقاً لحجم إنتاجها المحلّي، لكنها تستهلك أكثر ممّا تُنتِج، بينما حجم الإنتاج الصينيّ أقلّ قليلاً، لكنّها تُصدّر أكثر ممّا تستورد، ولديها أكبر فائضٍ في الموازنة والميزان التجاريّ، وهو ما يعني أنَّ الولايات المتّحدة ليست القوّةَ الأُولى إلّا من حيث حجم الاستهلاك. أمّا عن قوّتها العسكريّة الضخمة فلم تربح أيّ حربٍ منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية، فقد خَسِرَت حروبها في كوريا وفيتنام وأفغانستان والعراق وأخيراً تخرج من سورية.


هكذا تبدو الرأسماليّة الأمريكيّة بجناحيها القوميّ والمُعولَم عاجزةً عن حلِّ أزمتها والاستمرار في الهيمنة، فلا هي قادرةٌ على مجاراة الصين والقوى الصاعدة في إنتاج السّلع الأرخص والأفضل، ولا على الانسحاب والتقوقع على سوقها المحلّي، والاتّجاه إلى العسكرة سيُضيفُ عليها أعباءً كبيرةً، ولن ترضى معظم الدول بأنْ تلعبَ دور الشرطيّ، وأنْ تُواصل ابتزازها بدواعي التخويف، سواء بتخويف أوروبا من روسيا، أو تخويف كوريا الجنوبيّة واليابان من كوريا الشماليّة، ما عدا نجاحٍ محدودٍ في تخويف دول الخليج من إيران.


إنَّ النّخبةَ السياسيّة في الولايات المتّحدة فاقدة البوصلة، وليس لديها تصوّرٌ عن دورها، وتريد إعادة العالم إلى أوضاع ما بعد الحرب العالميّة الثانية، وإلّا فإنّها ستُثير القلاقل في العالم كلّه، رافعةً شعار "إمّا الإذعان التامّ، أو تحويل العالم إلى ركام"، لكنّها لا تُدرِك أنَّ هذه السياسة لن تجلب لها سوى العزلة والمزيد من الخصوم، وستُسرّع من وتيرة أُفولِها.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق:
* الاسم  
   البريد الالكتروني  
   العنوان  
* التعليق
* اكتب ناتج 5 + 2
 
منبر آسيا المزيد ...   ثقافة وفن المزيد ...   إقتصاد المزيد ...   رياضة المزيد ...   صحة وجمال المزيد ...  
شاهد المزيد
ألبوم الصور
بالصور: هكذا أحيت بلدية القاع ذكرى "فجر الجرود" بالصور: البخاري يودع الحجاج في مطار بيروت روحاني: لا مفاوضات مع ترامب بعد تخليه عن الإتفاق النووي بالفيديو: كارثة بيئية تصيب بحيرة القرعون بالفيديو: ماقصة الاشكال في الشياح؟ اشتباكات بين عائلتي الجمل وجعفر في الهرمل الأسد: سأزور إيران قريباً مجدداً.. أهالي الموقوفين الاسلاميين يعتصمون في طرابلس بالصورة: اعتصام  لموظفي "سعودي أوجيه" في طرابلس بالصور: سقوط طائرة إسرائيلية في جنوب لبنان